فصول متنوعة تتعلق بالخطبة

و ينبغي أن نتكلم في هذا الموضع في فصول . الفصل الأول في كيفية ابتداء خلق الأرض . ظاهر كلام أمير المؤمنين ع أن الماء خلق قبل الأرض و قد ذكرنا فيما تقدم أنه قول لبعض الحكماء و أنه موافق لما في التوراة إلا أن في كلامه ع في هذا الموضع إشكالا و ذلك أن لقائل أن يقول كلامه يشعر بأن هيجان الماء و غليانه و موجه

[ 446 ]

سكن بوضع الأرض عليه و هذا خلاف ما يشاهد و خلاف ما يقتضيه العقل لأن الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب و تموج و صعد علوا فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه . و الجواب أن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه و بين تلك الريح و لذلك إذا جعلنا في الإناء ماء و روحناه بمروحة تموجه فإنه يتحرك فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الإناء و روحنا بالمروحة فإن الماء لا يتحرك لأن ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة و بين سطح الماء فمن الجائز أن يكون الماء الأول هائجا لأجل ريح محركة له فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء و بين تلك الريح و قد مر في كلام أمير المؤمنين في الخطبة الأولى ذكر هذه الريح فقال ريح اعتقم مهبها و أدام مربها و أعصف مجراها و أبعد منشأها فأمرها بتصفيق الماء الزخار و إثارة موج البحار فمخضت مخض السقاء و عصفت به عصفها بالفضاء . الفصل الثاني في بيان قوله ع فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها و حمل شواهق الجبال البذخ على أكتافها فجر ينابيع العيون فيها و عدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها . و ذلك لأن العامل في لما يجب أن يكون أمرا مباينا لما أضيفت إليه مثاله لما قام زيد قام عمرو فقام الثانية هي العاملة في لما فيجوز أن تكون أمرا مباينا لما أضيف لما إليه و هو قيام زيد و هاهنا قد قال ع لما حمل الله تعالى شواهق الجبال على الأرض عدل حركات الأرض بالجبال و معلوم أن أحد الأمرين هو الآخر . و الجواب أنه ليس أحد الأمرين هو الآخر بعينه بل الثاني معلول الأول و موجب

[ 447 ]

عنه لأن الأول هو حمل الجبال عليها و الثاني تعديل حركاتها بالجبال المحمول عليها فكأنه قال حمل عليها الجبال فاقتضى ذلك الحمل تعديل حركاتها و معلوم أن هذا الكلام منتظم . الفصل الثالث في قوله إن الجبال هي المسكنة للأرض . فنقول إن هذا القول يخالف قول الحكماء لأن سكون الأرض عند الحكماء لم يكن لذلك بل لأنها تطلب المركز و هي حاصلة في حيزها الطبيعي لكنا و إن كان مخالفا لقول الحكماء فإنا نعتقده دينا و مذهبا و نعدل عن قول الحكماء لأن اتباع قوله ع أولى من اتباع أقوالهم . الفصل الرابع في ذكر نظائر لما وصف به المطر و السحاب . فمن ذلك ما رواه عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال سئل أعرابي عن مطر فقال استقل سد مع انتشار الطفل فشصا و احزأل ثم اكفهرت أرجاؤه و احمومت ارحاؤه و انزعرت فوارقه و تضاحكت بوارقه و استطار وادقه و أرسعت جوبه و ارتعن هيدبه و حسكت أخلافه و استقلت أردافه و انتشرت أكنافه فالرعد يرتجس و البرق يختلس و الماء ينبجس فأترع الغدر و أنبت الوجر و خلط الأوعال بالآجال و قرن الصيران بالرئال فللأودية هدير و للشراج خرير و للتلاع زفير و حط النبع و العنم من القلل الشم إلى القيعان الصحم فلم يبق في القلل إلا معصم

[ 448 ]

مجرنثم أو داحض محرجم و ذلك من فضل رب العالمين على عباده المذنبين . قلت السد السحاب الذي يسد الأفق و أصل الجبل و الطفل اختلاط الظلام و انتشاره حال غروب الشمس و شصا ارتفع و علا و احزأل انتصب و اكفهرت أرجاؤه غلظت نواحيه و جوانبه و تراكمت و احمومت اسودت مع مخالطة حمرة و أرجاؤه أوساطه و انزعرت تفرقت و الفوارق قطع من السحاب تتفرق عنه مثل فرق الإبل و هي النوق إذا أرادت الولادة فارقت الإبل و بعدت عنها حيث لا ترى و تضاحكت بوارقه لمعت و استطار انتشر و الوادق ذو الودق و هو مطر كبار و أرسعت جوبه أي تلاءمت فرجه و التحمت و ارتعن استرخى و هيدبه ما تدلى منه و حسكت أخلافه امتلأت ضروعه و أرادفه مآخره و أكنافه نواحيه و يرتجس يصوت و الرجس الصوت و يختلس يستلب البصر و ينبجس ينصب فأترع الغدر ملأها جمع غدير و أنبت الوجر حفرها جمع وجار و هو بيت الضبع و الآجال جمع إجل و هو قطيع البقر و الصيران مثله جمع صوار و الرئال جمع رأل و هو فرخ النعام و الهدير الصوت و الشراج جمع شرج و هو مسيل الماء إلى الحرة و خرير الماء صوته و زفير التلاع أن تزفر بالماء لفرط امتلائها و النبع شجر و العنم شجر آخر و كلاهما لا ينبت إلا في رءوس الجبال و الشم العالية و الصحم السود التي تضرب إلى الصفرة و المعصم المعتصم الملتجئ و المجرنثم المتقبض و الداحض الزالق الواقع و المحرجم المصروع . و من ذلك ما رواه أبو حاتم عن الأصمعي قال سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة عن مطر أصاب بلادهم فقال نشأ عارضا فطلع ناهضا ثم ابتسم وامضا فاعتن في الأقطار فأشجاها و امتد في

[ 449 ]

الآفاق فغطاها ثم ارتجس فهمهم ثم دوي فأظلم فأرك و دث و بغش و طش ثم قطقط فأفرط ثم ديم فأغمط ثم ركد فأثجم ثم وبل فسجم و جاد فأنعم فقمس الربا و أفرط الزبى سيعا تباعا يريد انقشاعا حتى إذا ارتوت الحزون و تضحضحت المتون ساقه ربك إلى حيث يشاء كما جلبه من حيث شاء . قلت العارض سحاب يعترض في الأفق و اعتن اعترض و أشجاها ملأها فكان كالشجى في حلقها و ارتجس صوت و الهمهمة صوت الرعد و دوي أحدث دويا فأظلم أعدم الضوء من الأرض بتكاثفه فأرك أي مطر ركا و الرك المطر الضعيف و كذلك الدث و البغش و الطش و فوق ذلك القطقط و ديم صار ديمة و هي المطر أياما لا يقلع و أغمط أي دام و أثجم أقام و وبل جاء بالوابل و هو المطر العظيم و سجم صب و أنعم بالغ و قمس غوص في الماء و أفرط الزبى ملأها جمع زبية و هي حفيرة تحفر للوحوش في مكان مرتفع و الحزون جمع حزن و هو ما غلظ من الأرض و المتون جمع متن و هو الصلب من الأرض و تضحضحت صار فوقها ضحضاح من الماء و هو الرقيق . و من ذلك ما رواه أبو حاتم أيضا عن الأصمعي قال سألت أعرابيا عن مطر أصابهم بعد جدب فقال ارتاح لنا ربك بعد ما استولى اليأس على الظنون و خامر القلوب القنوط فأنشأ بنوء الجبهة قزعة كالقرص من قبل العين فاحزألت عند ترجل النهار لأدهم السرار حتى إذا نهضت في الأفق طالعة أمر مسخرها الجنوب فتبسمت لها فانتثرت أحضانها و احمومت أركانها و بسق عنانها و اكفهرت رحاها و انبعجت كلاها و ذمرت

[ 450 ]

أخراها أولاها ثم استطارت عقائقها و ارتعجت بوارقها و تعقعقت صواعقها ثم ارتعبت جوانبها و تداعت سواكبها و درت حوالبها فكانت للأرض طبقا شج فهضب و عم فأحسب فعل القيعان و ضحضح الغيطان و صوح الأضواج و أترع الشراج فالحمد لله الذي جعل كفاء إساءتنا إحسانا و جزاء ظلمنا غفرانا . قلت نوء الجبهة محمود عندهم للمطر و القزعة القطعة الصغيرة من السحاب و القرص الترس و العين ما عن يمين قبلة العراق و ترجل النهار انبساط الشمس و الأدهم أحد ليالي السرار و الأحضان النواحي و احمومت اسودت و بسق علا و العنان ما يعترض من السحاب في الأفق و انبعجت انفتقت و ذمرت حضت و العقائق البروق و ارتعجت اهتزت و ارتعدت و طبقا أي غطت الأرض و هضب جاء بالمطر دفعة فدفعة و أحسب كفى و عل القيعان سقاها مرة بعد أخرى و الغيطان جمع غائط و هو ما سفل من الأرض و صوح الأضواج هدم الأجواف و أترع الشراج ملأ المسيلات . و من ذلك ما رواه ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال سمعت أعرابيا من بني عامر يصف مطرا قال نشأ عند القصر بنوء الغفر حيا عارضا ضاحكا وامضا فكلا و لا ما كان حتى شجيت به أقطار الهواء و احتجبت به السماء ثم أطرق فاكفهر و تراكم فادلهم و بسق فازلأم ثم حدت به الريح فخر و البرق مرتعج و الرعد مبتوج و الحدج مبتعج فأثجم ثلاثا متحيرا هثهاثا أخلافه حاشكة و دفعه متواشكة و سوامه متعاركة ثم ودع منجما و أقلع متهما محمود البلاء مترع النهاء مشكور النعماء بطول ذي الكبرياء . قلت القصر العشي و الغفر من نجوم الأسد و الحيا الداني من الأرض . و قوله كلا و لا أي في زمان قصير جدا و شجيت به الأقطار صار كالشجى لها

[ 451 ]

و ازلأم انتصب و المرتعج المتدارك و المبتوج العالي الصوت و الحدج السحاب أول ما ينشأ و يتبعج يشقق و أثجم دام متحيرا أي كأنه قد تحير لا وجه له يقصده و الهثهاث المداخل و أخلافه حاشكة أي ضروعة ممتلئة و دفعه متواشكة أي مسرعة و سوامه متعاركة شبه قطع السحاب بسوام الإبل و منجما مقلعا و متهما يسير نحو تهامة