تتمة خطبة 90

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اِخْتَارَ آدَمَ ع خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي اَلْإِقْدَامِ عَلَيْهِ اَلتَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَ اَلْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ اَلتَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَ لِيُقِيمَ اَلْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ اَلْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاَتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص حُجَّتُهُ وَ بَلَغَ اَلْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَ نُذُرُهُ مهد أرضه سواها و أصلحها و منه المهاد و هو الفراش و مهدت الفراش بالتخفيف مهدا أي بسطته و وطأته و قوله خيرة من خلقه على فعلة مثل عنبة الاسم

[ 4 ]

من قولك اختاره الله يقال محمد خيرة الله من خلقه و يجوز خيرة الله بالتسكين و الاختيار الاصطفاء . و الجبلة الخلق و منه قوله تعالى وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ و يجوز الجبلة بالضم و قرأ بها الحسن البصري و قرئ قوله سبحانه وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً على وجوه فقرأ أهل المدينة بالكسر و التشديد و قرأ أبو عمرو جبلا كثيرا مثل قفل و قرأ الكسائي جبلا كثيرا بضم الباء مثل حلم و قرأ عيسى بن عمر جبلا بكسر الجيم و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق جبلا بالضم و التشديد . قوله و أرغد فيها أكله أي جعل أكله و هو المأكول رغدا أي واسعا طيبا قال سبحانه وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما و تقرأ رغدا و رغدا بكسر الغين و ضمها و أرغد القوم أخصبوا و صاروا في رغد من العيش . قوله و أوعز إليه فيما نهاه عنه أي تقدم إليه بالإنذار و يجوز و وعز إليه بالتشديد توعيزا و يجوز التخفيف أيضا وعز إليه وعزا . و الواو في و أعلمه عاطفة على و أوعز لا على نهاه . قوله موافاة لسابق علمه لا يجوز أن ينتصب لأنه مفعول له و ذلك لأن المفعول له يكون عذرا و علة للفعل و لا يجوز أن يكون إقدام آدم على الشجرة لأجل الموافاة للعلم الإلهي السابق و لا يستمر ذلك على مذاهبنا بل يجب أن ينصب موافاة على

[ 5 ]

المصدرية المحضة كأنه قال فوافى بالمعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة . قوله فأهبطه بعد التوبة قد اختلف الناس في ذلك فقال قوم بل أهبطه قبل التوبة ثم تاب عليه و هو في الأرض و قال قوم تاب قبل الهبوط و هو قول أمير المؤمنين ع و يدل عليه قوله تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فأخبر عن أنه أهبطهم بعد تلقي الكلمات و التوبة و قال تعالى في موضع آخر وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ اَلشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخاسِرِينَ قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ . فبين أن اعترافهما بالمعصية و استغفارهما كانا قبل أمرهما بالهبوط و قال في موضع آخر وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً فجعل الإهباط بعد الاجتباء و التوبة و احتج الأولون بقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ اَلظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ قالوا فأخبر سبحانه عن أمره لهم بالهبوط عقيب إزلال الشيطان لهما ثم عقب الهبوط بفاء التعقيب في قوله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فدل على أن التوبة بعد الهبوط .

[ 6 ]

و يمكن أن يجاب عن هذا فيقال إنه تعالى لم يقل فقلنا اهبطوا بالفاء بل قال وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بالواو و الواو لا تقتضي الترتيب و لو كان عوضها فاء لكانت صريحة في أن الإهباط كان عقيب الزلة فأما الواو فلا تدل على ذلك بل يجوز أن تكون التوبة قبل الإهباط و يخبر عن الإهباط بالواو قبل أن يخبر عن التوبة . قوله ع و ليقيم الحجة على عباده أي إذا كان أبوهم أخرج من الجنة بخطيئة واحدة فأخلق بها ألا يدخلها ذو خطايا جمة و هذا يؤكد مذهب أصحابنا في الوعيد . ثم أخبر ع أن البارئ سبحانه ما أخلى عباده بعد قبض آدم و توفيه مما يؤكد عليهم حجج الربوبية بل أرسل إليهم الرسل قرنا فقرنا بفتح القاف و هو أهل الزمان الواحد قال الشاعر

إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم
و خلفت في قرن فأنت غريب

و تعاهدهم بالحجج أي جدد العهد عندهم بها و يروى بل تعهدهم بالتشديد و التعهد التحفظ بالشي‏ء تعهدت فلانا و تعهدت ضيعتي و هو أفصح من تعاهدت لأن التفاعل إنما يكون من شيئين و تقول فلان يتعهده صرع . قوله و بلغ المقطع عذره و نذره مقطع الشي‏ء حيث ينقطع و لا يبقى خلفه شي‏ء منه أي لم يزل يبعث الأنبياء واحدا بعد واحد حتى بعث محمدا ص فتمت به حجته على الخلق أجمعين و بلغ الأمر مقطعه أي لم يبق بعده رسول ينتظر

[ 7 ]

و انتهت عذر الله تعالى و نذره فعذره ما بين للمكلفين من الإعذار في عقوبته لهم إن عصوه و نذره ما أنذرهم به من الحوادث و من أنذرهم على لسانه من الرسل