القول في عصمة الأنبياء

و اعلم أن المتكلمين اختلفوا في عصمة الأنبياء و نحن نذكر هاهنا طرفا من حكاية المذاهب في هذه المسألة على سبيل الاقتصاص و نقل الآراء لا على سبيل الحجاج و نخص قصة آدم ع و الشجرة بنوع من النظر إذ كانت هذه القصة مذكورة في كلام أمير المؤمنين ع في هذا الفصل فنقول اختلف الناس في المعصوم ما هو فقال قوم المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي و هؤلاء هم الأقلون أهل النظر و اختلفوا في عدم التمكن كيف هو فقال قوم منهم المعصوم هو المختص في نفسه أو بدنه أو فيهما بخاصية تقضي امتناع إقدامه على المعاصي . و قال قوم منهم بل المعصوم مساو في الخواص النفسية و البدنية لغير المعصوم و إنما العصمة هي القدرة على الطاعة أو عدم القدرة على المعصية و هذا قول الأشعري نفسه و إن كان كثير من أصحابه قد خالفه فيه . و قال الأكثرون من أهل النظر بل المعصوم مختار متمكن من المعصية و الطاعة . و فسروا العصمة بتفسيرين أحدهما أنها أمور يفعلها الله تعالى بالمكلف فتقتضي ألا يفعل المعصية اقتضاء

[ 8 ]

غير بالغ إلى حد الإيجاب و فسروا هذه الأمور فقالوا إنها أربعة أشياء أولها أن يكون لنفس الإنسان ملكة مانعة من الفجور داعية إلى العفة و ثانيها العلم بمثالب المعصية و مناقب الطاعة و ثالثها تأكيد ذلك العلم بالوحي و البيان من الله تعالى و رابعها أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسيان و السهو لم يترك مهملا بل يعاقب و ينبه و يضيق عليه العذر قالوا فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان الشخص معصوما عن المعاصي لا محالة لأن العفة إذا انضاف إليها العلم بما في الطاعة من السعادة و ما في المعصية من الشقاوة ثم أكد ذلك تتابع الوحي إليه و ترادفه و تظاهر البيان عنده و تمم ذلك خوفه من العتاب على القدر القليل حصل من اجتماع هذه الأمور حقيقة العصمة . و قال أصحابنا العصمة لطف يمتنع المكلف عند فعله من القبيح اختيارا و قد يكون ذلك اللطف خارجا عن الأمور الأربعة المعدودة مثل أن يعلم الله تعالى أنه إن أنشأ سحابا أو أهب ريحا أو حرك جسما فإن زيدا يمتنع عن قبيح مخصوص اختيارا فإنه تعالى يجب عليه فعل ذلك و يكون هذا اللطف عصمة لزيد و إن كان الإطلاق المشتهر في العصمة إنما هو لمجموع ألطاف يمتنع المكلف بها عن القبيح مدة زمان تكليفه . و ينبغي أن يقع الكلام بعد هذه المقدمة في ثلاثة فصول