الفصل الثاني

في عصمة الأنبياء في زمن النبوة عن الذنوب في أفعالهم و تروكهم عدا ما يتعلق بتبليغ الوحي و الفتوى في الأحكام

جوز قوم من الحشوية عليهم هذه الكبائر و هم أنبياء كالزنا و اللواط و غيرهما و فيهم من جوز ذلك بشرط الاستسرار دون الإعلان و فيهم من جوز ذلك على الأحوال كلها . و منع أصحابنا المعتزلة من وقوع الكبائر منهم ع أصلا و منعوا أيضا من وقوع الصغائر المسخفة منهم و جوزوا وقوع الصغائر التي ليست بمسخفه منهم ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي الإقدام على المعصية الصغيرة غير المسخفة عمدا و هو قول شيخنا أبي هاشم رحمه الله تعالى فإنه أجاز ذلك و قال إنه لا يقدم ع على ذلك إلا على خوف و وجل و لا يتجرأ على الله سبحانه . و منهم من منع من تعمد إتيان الصغيرة و قال إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا بل على سبيل التأويل و دخول الشبهة و هذا قول أبي علي رحمه الله تعالى .

[ 12 ]

و حكى عن أبي إسحاق النظام و جعفر بن مبشر أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو و النسيان و أنهم مؤاخذون بذلك و إن كان موضوعا عن أمتهم لأن معرفتهم أقوى و دلائلهم أكثر و أخطارهم أعظم و يتهيأ لهم من التحفظ ما لا يتهيأ لغيرهم . و قالت الإمامية لا تجوز عليهم الكبائر و لا الصغائر لا عمدا و لا خطأ و لا سهوا و لا على سبيل التأويل و الشبهة و كذلك قولهم في الأئمة و الخلاف بيننا و بينهم في الأنبياء يكاد يكون ساقطا لأن أصحابنا إنما يجوزون عليهم الصغائر لأنه لا عقاب عليها و إنما تقتضي نقصان الثواب المستحق على قاعدتهم في مسألة الإحباط فقد اعترف إذا أصحابنا بأنه لا يقع من الأنبياء ما يستحقون به ذما و لا عقابا و الإمامية إنما تنفي عن الأنبياء الصغائر و الكبائر من حيث كان كل شي‏ء منها يستحق فاعله به الذم و العقاب لأن الإحباط باطل عندهم فإذا كان استحقاق الذم و العقاب يجب أن ينفى عن الأنبياء وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب فقد صار الخلاف إذا متعلقا بمسألة الإحباط و صارت هذه المسألة فرعا من فروعها . و اعلم أن القول بجواز الصغائر على الأنبياء بالتأويل و الشبهة على ما ذهب إليه شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى إنما اقتضاه تفسيره لآيه آدم و الشجرة و تكلفه إخراجها عن تعمد آدم للعصيان فقال إن آدم نهي عن نوع تلك الشجرة لا عن عينها بقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ و أراد سبحانه نوعها المطلق فظن آدم أنه أراد خصوصية تلك الشجرة بعينها و قد كان أشير إليها فلم يأكل منها بعينها و لكنه أكل من شجرة أخرى من نوعها فأخطأ في التأويل و أصحاب شيخنا أبي هاشم لا يرضون هذا المذهب و يقولون إن الإشكال باق بحاله لأن آدم أخل بالنظر على

[ 13 ]

هذا القول في أن المنهي عنه هل هو عين الشجرة أو نوعها مع أنه قد كان مدلولا على ذلك لأنه لو لم يكن مدلولا على ذلك لكان تكليف الامتناع عن التناول تكليف ما لا يطاق و إذا دل على ذلك وجب عليه النظر و لا وجه يجب النظر لأجله إلا الخوف من تركه و إذا لم يكن بد من كونه خائفا فهو عالم إذا بوجوب هذا التأمل و النظر فإذا أخل به فقد وقعت منه المعصية مع علمه . و كما لا يرضى أصحاب شيخنا أبي هاشم هذا المذهب فكذلك لا يرتضون مذهب النظام و جعفر بن مبشر و ذلك لأن القول بأن الأنبياء يؤاخذون على ما يفعلونه سهوا متناقض لأن السهو يزيل التكليف و يخرج الفعل من كونه ذنبا مؤاخذا به و لهذا لا يصح مؤاخذة المجنون و النائم و السهو في كونه مؤثرا في رفع التكليف جار مجرى فقد القدر و الآلات و الأدلة فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء حال غيرهم في صحة تكليفهم مع السهو جاز أن يخالف حالهم حال غيرهم في صحة التكليف مع فقد القدر و الآلات و ذلك باطل . و اعلم أن الشريف المرتضى رحمه الله تعالى قد تكلم في كتابه المسمى بتنزيه الأنبياء و الأئمة على هذه الآية و انتصر لمذهب الإمامية فيها و حاول صرفها عن ظاهرها و تأول اللفظ بتأويل مستكره غير صحيح و أنا أحكي كلامه هاهنا و أتكلم عليه نصرة لأصحابنا و نصرة أيضا لأمير المؤمنين ع فإنه قد صرح في هذا الفصل بوقوع الذنب من آدم ع أ لا ترى إلى قوله و المخاطرة بمنزلته و هل تكون هذه اللفظة إلا في الذنب و كذلك سياقة الفصل من أوله إلى آخره إذا تأمله المنصف و اطرح الهوى و التعصب ثم إنا نذكر كلام السيد الشريف المرتضى رحمه الله تعالى قال رحمه الله تعالى

[ 14 ]

أما قوله تعالى وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فإن المعصية مخالفة للأمر و الأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب و بالندب معا فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة فيكون بمواقعتها تاركا فرضا و نفلا و غير فاعل قبيحا و ليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر و لهذا يقولون أمرت فلانا بكذا و كذا من الخير فعصاني و خالفني و إن لم يكن ما أمر به واجبا . يقال له الكلام على هذا التأويل من وجوه أولها أن ألفاظ الشرع يجب أن تحمل على حقائقها اللغوية ما لم يكن لها حقائق شرعية فإذا كان لها حقائق شرعية وجب أن تحمل على عرف الشرع و اصطلاحه كالصلاة و الحج و النفاق و الكفر و نحو ذلك من الألفاظ الشرعية و هكذا قال السيد المرتضى رحمه الله تعالى في كتابه في أصول الفقه المعروف بالذريعة في باب كون الأمر للوجوب و هو الحق الذي لا مندوحة عنه و إذا كان لفظ العصيان في الاصطلاح الشرعي موضوعا لمخالفة الأمر الإيجابي لم يجز العدول عنه و حمله على مخالفة الندب . و معلوم أن لفظ العصيان في العرف الشرعي لا يطلق إلا على مخالفة الأمر المقتضي للوجوب فالقول بجواز حملها على مخالفة الأمر الندبي قول تبطله و تدفعه تلك القاعدة المقررة التي ثبتت بالاتفاق و بالدليل على أننا قبل أن نجيب بهذا الوجه نمنع أصلا أنه يجوز أن يقال لتارك النفل إنه عاص لا في أصل اللغة و لا في العرف و لا في الشرع و ذلك لأن حقيقة النفل هو ما يقال فيه للمكلف الأولى أن تفعل هذا و لك ألا تفعله و معلوم أن

[ 15 ]

تارك مثل ذلك لا يطلق عليه أنه عاص و يبين ذلك أن لفظ العصيان في اللغة موضوع للامتناع و لذلك سميت العصا عصا لأنه يمتنع بها و منه قولهم قد شق العصا أي خرج عن الربقة المانعة من الاختلاف و التفرق و تارك الندب لا يمتنع من أمر لأن الأمر الندبي لا يقتضي شيئا اقتضاء اللزوم بل معناه إن فعلت فهو أولى و يجوز ألا تفعل فأي امتناع حدث إذا خولف أمر الندب سمي المخالف له عاصيا و يبين ذلك أيضا أن لفظ عاص اسم ذم فلا يجوز إطلاقه على تارك الندب كما لا يسمى فاسقا و إن كان الفسق في أصل اللغة للخروج . ثم يسأل المرتضى رحمه الله تعالى عما سأل عنه نفسه فيقال له كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية أ و ليس هذا يوجب أن يوصف الأنبياء بأنهم عصاة في كل حال و أنهم لا ينفكون عن المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب . و قد أجاب رحمه الله تعالى عن هذا فقال وصف تارك الندب بأنه عاص توسع و تجوز و المجاز لا يقاس عليه و لا يعدي عن موضعه و لو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح و تارك الأولى و الأفضل لم يجز إطلاقه في الأنبياء إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في فاعل القبائح فإطلاقه عن التقييد موهم . لكنا نقول إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبيح فلا يجوز ذلك و إن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه لاستحقوا الثواب و لكان أولى فهم كذلك . كذلك يقال له ليس هذا من باب القياس على المجاز الذي اختلف فيه أرباب أصول الفقه لأن من قال إذا ترك زيد الندب فإنه يسمى عاصيا يلزمه أن يقول إن عمرا إذا ترك الندب يسمى عاصيا و ليس هذا قياسا كما أن من قال لزيد البليد هذا

[ 16 ]

حمار قال لعمرو البليد هذا حمار و القياس على المجاز الذي اختلف الأصوليون في جوازه خارج عن هذا الموضع . و مثال المسألة الأصولية المختلف فيها وَ اِخْفِضْ لَهُما جَناحَ اَلذُّلِّ هل يجوز أن يقال طأطئ لهما عنق الذل . و أما قوله لو سلمنا أنه حقيقة في تارك الندب لم يجز إطلاقه في حق الأنبياء لأنه يوهم العصيان بل يجب أن يقيد . فيقال له لكن البارئ سبحانه أطلقه و لم يقيده في قوله وَ عَصى‏ آدَمُ فيلزمك أن يكون تعالى موهما و فاعلا للقبيح لأن إيهام القبيح قبيح . فإن قال الدلالة العقلية على استحالة المعاصي على الأنبياء تؤمن من الإيهام . قيل له و تلك الدلالة بعينها تؤمن من الإيهام في قول القائل الأنبياء عصاة فهلا أجزت إطلاق ذلك . و ثانيها أنه تعالى قال فَغَوى‏ و الغي الضلال . قال المرتضى رحمه الله تعالى معنى غوى هاهنا خاب لأنه نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم فإذا خالف الأمر و لم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحقه بالامتناع و لا شبهه في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة قال الشاعر

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
و من يغو لا يعدم على الغي لائما

[ 17 ]

يقال له أ لست القائل في مصنفاتك الكلامية إن المندوبات إنما ندب إليها لأنها كالمسهلات و الميسرات لفعل الواجبات العقلية و أنها ليست ألطافا في واجب عقلي و أن ثوابها يسير جدا بالإضافة إلى ثواب الواجب فإذا كان آدم ع ما أخل بشي‏ء من الواجبات و لا فعل شيئا من المقبحات فقد استحق من الثواب العظيم ما يستحقر ثواب المندوب بالإضافة إليه و مثل هذا لا يقال فيه لمن ترك المندوب إنه قد خاب أ لا ترى أن من اكتسب مائة ألف قنطار من المال و ترك بعد ذلك درهما واحدا كان يمكنه اكتسابه فلم يكتسبه لا يقال إنه خاب . و ثالثها أن ظاهر القرآن يخالف ما ذكره لأنه تعالى أخبر أن آدم منهي عن أكل الشجرة بقوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ اَلظَّالِمِينَ و قوله أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ و هذا يوجب أنه قد عصى بأن فعل منهيا عنه و الشريف المرتضى رحمه الله تعالى يقول إنه عصى بأن ترك مأمورا به . قال المرتضى رحمه الله تعالى مجيبا عن هذا إن الأمر و النهي ليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال و اشتراك و قد يؤمر عندنا بلفظ النهي و ينهى بلفظ الأمر و إنما يكون النهي نهيا بكراهة المنهي عنه فإذا قال تعالى لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ و لم يكره قربهما لم يكن في الحقيقة ناهيا كما أنه تعالى لما قال اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا و لم يرد ذلك لم يكن أمرا به و إذا كان قد صحب قوله لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ إرادة ترك التناول وجب أن يكون هذا القول أمرا و إنما سماه منهيا و سمى

[ 18 ]

أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي لأن في النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل و تزهيدا في الفعل نفسه و لما كان الأمر ترغيبا من فعل المأمور و تزهيدا في تركه جاز أن يسمى نهيا . و قد يتداخل هذان الوضعان في الشاهد فيقول أحدنا قد أمرت فلانا بألا يلقى الأمير و إنما يريد أنه نهاه عن لقائه و يقول نهيتك عن هجر زيد و إنما معناه أمرتك بمواصلته . يقال له هذا خلاف الظاهر فلا يجوز المصير إليه إلا بدلالة قاطعة تصرف اللفظ عن ظاهره و يكفي أصحاب أبي هاشم في نصرة قولهم التمسك بالظاهر . و اعلم أن بعض أصحابنا تأول هذه الآية و قال إن ذلك وقع من آدم ع قبل نبوته لأنه لو كان نبيا قبل إخراجه من الجنة لكان إما أن يكون مرسلا إلى نفسه و هو باطل أو إلى حواء و قد كان الخطاب يأتيها بغير واسطة لقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا أو إلى الملائكة و هذا باطل لأن الملائكة رسل الله بدليل قوله جاعِلِ اَلْمَلائِكَةِ رُسُلاً و الرسول لا يحتاج إلى رسول آخر أو يكون رسولا و ليس هناك من يرسل إليه و هذا محال فثبت أن هذه الواقعة وقعت له ع قبل نبوته و إرساله