104 ـ و من خطبة له ع

حَتَّى بَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً ص شَهِيداً وَ بَشِيراً وَ نَذِيراً خَيْرَ اَلْبَرِيَّةِ طِفْلاً وَ أَنْجَبَهَا كَهْلاً وَ أَطْهَرَ اَلْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وَ أَجْوَدَ اَلْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً فَمَا اِحْلَوْلَتْ لَكُمُ اَلدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَ لاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ اَلسِّدْرِ اَلْمَخْضُودِ وَ حَلاَلُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ ظِلاًّ مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَ أَيْدِي اَلْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلاَ وَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَ إِنَّ اَلثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَ هُوَ اَللَّهُ اَلَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَ لاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ معنى كون النبي ص شهيدا أنه يشهد على الأمة بما فعلته من طاعة و عصيان أنجبها أكرمها و رجل نجيب أي كريم بين النجابة و النجبة مثل الهمزة .

[ 118 ]

و يقال هو نجبة القوم أي النجيب منهم و أنجب الرجل أي ولد ولدا نجيبا و امرأة منجبة و منجاب تلد النجباء و نسوة مناجيب . و الشيمة الخلق و الديمة مطر يدوم و المستمطرون المستجدون و المستماحون و احلولت حلت و قد عداه حميد بن ثور في قوله

فلما أتى عامان بعد انفصاله
عن الضرع و احلولى دماثا يرودها

و لم يجئ افعوعل متعديا إلا هذا الحرف و حرف آخر و هو اعروريت الفرس و هو الرضاع بفتح الراء رضع الصبي أمه بكسر الضاد يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا و أهل نجد يقولون رضع بالفتح يرضع بالكسر مثل ضرب يضرب ضربا و قال الأصمعي أخبرني عيسى بن عمر أنه سمع العرب تنشد هذا البيت

و ذموا لنا الدنيا و هم يرضعونها
أفاويق حتى ما يدر لها ثعل

بكسر الضاد و الأخلاف للناقة بمنزلة الأطباء للكلبة واحدها خلف بالكسر و هو حلمة الضرع و الخطام زمام الناقة خطمت البعير زممته و ناقة مخطومة و نوق مخطمة . و الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب و التصدير للرحل و الحزام للسرج و هو سيور تنسج مضاعفة بعضها على بعض يشد بها الهودج منه إلى بطن البعير و الجمع وضن . و المخضود الذي خضد شوكة أي قطع . و شاغرة خالية شغر المكان أي خلا و بلدة شاغرة إذا لم تمتنع من غارة أحد و الثائر طالب الثأر لا يبقى على شي‏ء حتى يدرك ثأره .

[ 119 ]

يقول ع مخاطبا لمن في عصره من بقايا الصحابة و لغيرهم من التابعين الذين لم يدركوا عصر رسول الله ص إن الله بعث محمدا و هو أكرم الناس شيمة و أنداهم يدا و خيرهم طفلا و أنجبهم كهلا فصانه الله تعالى في أيام حياته عن أن يفتح عليه الدنيا و أكرمه عن ذلك فلم تفتح عليكم البلاد و لا درت عليكم الأموال و لا أقبلت الدنيا نحوكم و ما دالت الدولة لكم إلا بعده فتمكنتم من أكلها و التمتع بها كما يتمكن الحالب من احتلاب الناقة فيحلبها و حلت لذاتها لكم و استطبتم العيشة و وجدتموها حلوة خضرة . ثم ذكر أنهم صادفوها يعني الدنيا و قد صعبت على من يليها ولاية حق كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ليس زمامها بممكن راكبها من نفسه قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب حرامها سهل التناول على من يريده كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس و حلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه و كونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة إليه و هذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر و أنه كان الأولى و الأحق . فإن قلت إذا كانت الدنيا قلقة الوضين جائلة الخطام فهي صعبة الركوب و هذا ضد قوله حرامها بمنزلة السدر المخضود لأنه من الأمثال المضروبة للسهولة قلت فحوى كلامه أن الدنيا جمحت به ع فألقته عن ظهرها بعد أن كان راكبا لها أو كالراكب لها لاستحقاقه ركوبها و أنها صارت بعده كالناقة التي خلعت زمامها أو أجالته فلا يتمكن راكبها من قبضه و استرخى وضينها لشدة ما كان صدر عنها من النفار و التقحم حتى أذرت راكبها فصارت على حال لا يركبها إلا من هو موصوف بركوب غير طبيعي لأنه ركب ما لا ينبغي أن يركب فالذين ولوا أمرها ولوه

[ 120 ]

على غير الوجه كما أن راكب هذه الناقة يركبها على غير الوجه و لهذا لم يقل فصار حرامها بمنزلة السدر المخضود بل قال عند أقوام فخصص . و هذا الكلام كله محمول عند أصحابنا على التألم من كون المتقدمين تركوا الأفضل كما قدمناه في أول الكتاب . ثم ذكر ع أن الدنيا فانية و أنها ظل ممدود إلى أجل معدود ثم ذكر أن الأرض بهؤلاء السكان فيها صورة خالية من معنى كما قال الشاعر

ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم
الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني ثم أغمضها
على كثير و لكن لا أرى أحدا

ثم أعاد الشكوى و التألم فقال أيديكم في الدنيا مبسوطة و أيدي مستحقي الرئاسة و مستوجبي الأمر مكفوفة و سيوفكم مسلطة علي أهل البيت الذين هم القادة و الرؤساء و سيوفهم مقبوضة عنكم و كأنه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين ع و أهله و كأنه يشاهد ذلك عيانا و يخطب عليه و يتكلم على الخاطر الذي سنح له و الأمر الذي كان أخبر به ثم قال إن لكل دم ثائرا يطلب القود و الثائر بدمائنا ليس إلا الله وحده الذي لا يعجزه مطلوب و لا يفوته هارب . و معنى قوله ع كالحاكم في حق نفسه أنه تعالى لا يقصر في طلب دمائنا كالحاكم الذي يحكم لنفسه فيكون هو القاضي و هو الخصم فإنه إذا كان كذلك يكون مبالغا جدا في استيفاء حقوقه . ثم أقسم و خاطب بني أمية و صرح بذكرهم أنهم ليعرفن الدنيا عن قليل في أيدي غيرهم و في دورهم و أن الملك سينتزعه منهم أعداؤهم و وقع الأمر بموجب إخباره ع

[ 121 ]

فإن الأمر بقي في أيدي بني أمية قريبا من تسعين سنة ثم عاد إلى البيت الهاشمي و انتقم الله تعالى منهم على أيدي أشد الناس عداوة لهم