موازنة بين كلام الإمام علي و خطب ابن نباتة

و نحن نذكر في هذا الموضع فصولا من خطب الخطيب الفاضل عبد الرحيم بن نباتة رحمه الله و هو الفائز بقصبات السبق من الخطباء و للناس غرام عظيم بخطبه و كلامه ليتأمل الناظر كلام أمير المؤمنين ع في خطبه و مواعظه و كلام هذا الخطيب المتأخر

[ 212 ]

الذي قد وقع الإجماع على خطابته و حسنها و أن مواعظه هي الغاية التي ليس بعدها غاية فمن ذلك قوله أيها الناس تجهزوا فقد ضرب فيكم بوق الرحيل و ابرزوا فقد قربت لكم نوق التحويل و دعوا التمسك بخدع الأباطيل و الركون إلى التسويف و التعليل فقد سمعتم ما كرر الله عليكم من قصص أبناء القرى و ما وعظكم به من مصارع من سلف من الورى مما لا يعترض لذوي البصائر فيه شك و لا مرا و أنتم معرضون عنه إعراضكم عما يختلق و يفترى حتى كان ما تعلمون منه أضغاث أحلام الكرى و أيدي المنايا قد فصمت من أعماركم أوثق العرى و هجمت بكم على هول مطلع كريه القرى فالقهقرى رحمكم الله عن حبائل العطب القهقرى و اقطعوا مفاوز الهلكات بمواصلة السرى و قفوا على أحداث المنزلين من شناخيب الذرى المنجلين بوازع أم حبوكرى المشغولين بما عليهم من الموت جرى و اكشفوا عن الوجوه المنعمة أطباق الثرى تجدوا ما بقي منها عبرة لمن يرى فرحم الله امرأ رحم نفسه فبكاها و جعل منها إليها مشتكاها قبل أن تعلق به خطاطيف المنون و تصدق فيه أراجيف الظنون و تشرق عليه بمائها مقل العيون و يلحق بمن دثر من القرون قبل أن يبدوا على المناكب محمولا و يغدو إلى محل المصائب منقولا و يكون عن الواجب مسئولا و بالقدوم على الطالب الغالب مشغولا هناك يرفع الحجاب و يوضع الكتاب و تقطع الأسباب و تذهب الأحساب و يمنع الإعتاب و يجمع من حق عليه العقاب و من وجب له الثواب فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب . فلينظر المنصف هذا الكلام و ما عليه من أثر التوليد أولا بالنسبة إلى ذلك الكلام العربي المحض ثم لينظر فيما عليه من الكسل و الرخاوة و الفتور و البلادة حتى كأن ذلك

[ 213 ]

الكلام لعامر بن الطفيل مستلئما شكته راكبا جواده و هذا الكلام للدلال المديني المخنث آخذا زمارته متأبطا دفه . و المح ما في بوق الرحيل من السفسفة و اللفظ العامي الغث و اعلم أنهم كلهم عابوا على أبي الطيب قوله

فإن كان بعض الناس سيفا لدولة
ففي الناس بوقات لها و طبول

و قالوا لا تدخل لفظة بوق في كلام يفلح أبدا . و المح ما على قوله القهقرى القهقرى متكررة من الهجنة و أهجن منها أم حبوكرى و أين هذا اللفظ الحوشي الذي تفوح منه روائح الشيح و القيصوم و كأنه من أعرابي قح قد قدم من نجد لا يفهم محاورة أهل الحضر و لا أهل الحضر يفهمون حواره من هذه الخطبة اللينة الألفاظ التي تكاد أن تتثنى من لينها و تتساقط من ضعفها ثم المح هذه الفقر و السجعات التي أولها القرى ثم المر ثم يفترى ثم الكرى إلى قوله عبرة لمن يرى هل ترى تحت هذا الكلام معنى لطيفا أو مقصدا رشيقا أو هل تجد اللفظ نفسه لفظا جزلا فصيحا أو عذبا معسولا و إنما هي ألفاظ قد ضم بعضها إلى بعض و الطائل تحتها قليل جدا و تأمل لفظة مرا فإنها ممدودة في اللغة فإن كان قصرها فقد ركب ضرورة مستهجنة و إن أراد جمع مرية فقد خرج

[ 214 ]

عن الصناعة لأنه يكون قد عطف الجمع المفرد فيصير مثل قول القائل ما أخذت منه دينارا و لا دراهم في أنه ليس بالمستحسن في فن البيان . و من ذلك قوله أيها الناس حصحص الحق فما من الحق مناص و أشخص الخلق فما لأحد من الخلق خلاص و أنتم على ما يباعدكم من الله حراص و لكم على موارد الهلكة اغتصاص و فيكم عن مقاصد البركة انتكاص كأن ليس أمامكم جزاء و لا قصاص و لجوارح الموت في وحش نفوسكم اقتناص ليس بها عليها تأب و لا اعتياص . فليتأمل أهل المعرفة بعلم الفصاحة و البيان هذا الكلام بعين الإنصاف يعلموا أن سطرا واحدا من كلام نهج البلاغة يساوى ألف سطر منه بل يزيد و يربي على ذلك فإن هذا الكلام ملزق عليه آثار كلفة و هجنة ظاهرة يعرفها العامي فضلا عن العالم . و من هذه الخطبة فاهجروا رحمكم الله وثير المراقد و ادخروا طيب المكتسب تخلصوا من انتقاد الناقد و اغتنموا فسحة المهل قبل انسداد المقاصد و اقتحموا سبل الآخرة على قلة المرافق و المساعد . فهل يجد متصفح الكلام لهذا الفصل عذوبة أو معنى يمدح الكلام لأجله و هل هو إلا ألفاظ مضموم بعضها إلى بعض ليس لها حاصل كما قيل في شعر ذي الرمة

بعر ظباء و نقط عروس

و من ذلك قوله فيا له من واقع في كرب الحشارج مصارع لسكرات الموت معالج حتى درج على تلك المدارج و قدم بصحيفته على ذي المعارج .

[ 215 ]

و غير خاف ما في هذا الكلام من التكلف . و من ذلك قوله فكأنكم بمنادي الرحيل قد نادى في أهل الإقامة فاقتحموا بالصغار محجة القيامة يتلو الأوائل منهم الأواخر و يتبع الأكابر منهم الأصاغر و يلتحق الغوامر من ديارهم بالغوامر حتى تبتلع جميعهم الحفر و المقابر . فإن هذا الكلام ركيك جدا لو قاله خطيب من خطباء قرى السواد لم يستحسن منه بل ترك و استرذل . و لعل عائبا يعيب علينا فيقول شرعتم في المقايسة و الموازنة بين كلام أمير المؤمنين ع و بين كلام ابن نباتة و هل هذا إلا بمنزلة قول من يقول السيف أمضى من العصا و في هذه غضاضة على السيف فنقول إنه قد اشتملت كتب المتكلمين على المقايسة بين كلام الله تعالى و بين كلام البشر ليبينوا فضل القرآن و زيادة فصاحته على فصاحة كلام العرب نحو مقايستهم بين قوله تعالى وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصاصِ حَياةٌ و بين قول القائل القتل أنفى للقتل و نحو مقايستهم بين قوله تعالى خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ و بين قول الشاعر

فإن عرضوا بالشر فاصفح تكرما
و إن كتموا عنك الحديث فلا تسل

و نحو إيرادهم كلام مسيلمة و أحمد بن سليمان المعري و عبد الله بن المقفع فصلا فصلا و الموازنة و المقايسة بين ذلك و بين القرآن المجيد و إيضاح أنه لا يبلغ ذلك إلى درجة

[ 216 ]

القرآن العزيز و لا يقاربها فليس بمستنكر منا أن نذكر كلام ابن نباتة في معرض إيرادنا كلام أمير المؤمنين ع لتظهر فضيلة كلامه ع بالنسبة إلى هذا الخطيب الفاضل الذي قد اتفق الناس على أنه أوحد عصره في فنه . و اعلم أنا لا ننكر فضل ابن نباتة و حسن أكثر خطبه و لكن قوما من أهل العصبية و العناد يزعمون أن كلامه يساوى كلام أمير المؤمنين ع و يماثله و قد ناظر بعضهم في ذلك فأحببت أن أبين للناس في هذا الكتاب أنه لا نسبة لكلامه إلى كلام أمير المؤمنين ع و أنه بمنزلة شعر الأبله و ابن المعلم بالإضافة إلى زهير و النابغة . و اعلم أن معرفة الفصيح و الأفصح و الرشيق و الأرشق و الحلو و الأحلى و العالي و الأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق و لا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه و هو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة دقيقة الشفتين نقية الثغر كحلاء العينين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة و الأخرى دونها في هذه الصفات و المحاسن لكنها أحلى في العيون و القلوب منها و أليق و أصلح و لا يدرى لأي سبب كان ذلك و لكنه بالذوق و المشاهدة يعرف و لا يمكن تعليله و هكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الموضعين أن حسن الوجوه و ملاحتها و تفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة و أما الكلام فلا يعرفه إلا أهل الذوق و ليس كل من اشتغل بالنحو و اللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق و ممن يصلح لانتقاد الكلام و إنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان و راضوا أنفسهم بالرسائل و الخطب و الكتابة و الشعر و صارت لهم

[ 217 ]

بذلك دربة و ملكة تامة فإلى أولئك ينبغي أن ترجع في معرفة الكلام و فضل بعضه على بعض إن كنت عادما لذلك من نفسك : مِنْهَا فِي ذِكْرِ اَلنَّبِيِّ ص قَدْ حَقَّرَ اَلدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا وَ عَلِمَ أَنَّ اَللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اِخْتِيَاراً وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ اِحْتِقَاراً فَأَعْرَضَ عَنِ اَلدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ عَنْ نَفْسِهِ وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً وَ دَعَا إِلَى اَلْجَنَّةِ مُبَشِّراً وَ خَوَّفَ مِنَ اَلنَّارِ مُحَذِّراً فعل مشدد للتكثير قتلت أكثر من قتلت فيقتضي قوله ع قد حقر الدنيا زيادة تحقير النبي ص لها و ذلك أبلغ في الثناء عليه و تقريظه . قوله و صغرها أي و صغرها عند غيره ليكون قوله و أهون بها و هونها مطابقا له أي أهون هو بها و هونها عند غيره . و زواها قبضها

قال ع زويت لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها . و قوله اختيارا أي قبض الدنيا عنه باختيار و رضا من النبي ص بذلك و علم بما فيه من رفعة قدره و منزلته في الآخرة .

[ 218 ]

و الرياش و الريش بمعنى و هو اللباس الفاخر كالحرم و الحرام و اللبس و اللباس و قرئ و رياشا و لباس التقوى ذلك خير و يقال الريش و الرياش المال و الخصب و المعاش و ارتاش فلان حسنت حاله و معذرا أي مبالغا أعذر فلان في الأمر أي بالغ فيه : نَحْنُ شَجَرَةُ اَلنُّبُوَّةِ وَ مَحَطُّ اَلرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ اَلْمَلاَئِكَةِ وَ مَعَادِنُ اَلْعِلْمِ وَ يَنَابِيعُ اَلْحُكْمِ نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ اَلرَّحْمَةَ وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ اَلسَّطْوَةَ هذا الكلام غير ملتصق بالأول كل الالتصاق و هو من النمط الذي ذكرناه مرارا لأن الرضي رحمه الله يقتضب فصولا من خطبة طويلة فيوردها إيرادا واحدا و بعضها منقطع عن البعض . قوله ع نحن شجرة النبوة كأنه جعل النبوة كثمرة أخرجتها شجرة بني هاشم و محط الرسالة منزلها و مختلف الملائكة موضع اختلافها في صعودها و نزولها و إلى هذا المعنى نظر بعض الطالبيين فقال يفتخر على بني عم له ليسوا بفاطميين

هل كان يقتعد البراق أبوكم
أم كان جبريل عليه ينزل
أم هل يقول له الإله مشافها
بالوحي قم يا أيها المزمل

[ 219 ]

و قال آخر يمدح قوما فاطميين

و يطرقه الوحي وهنا و أنتم
ضجيعان بين يدي جبرئيلا

يعني حسنا ع و حسينا ع . و اعلم أنه إن أراد بقوله نحن مختلف الملائكة جماعة من جملتها رسول الله ص فلا ريب في صحة القضية و صدقها و إن أراد بها نفسه و ابنيه فهي أيضا صحيحة و لكن مدلوله مستنبط

فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه قال يا جبريل إنه مني و أنا منه فقال جبريل و أنا منكما و

روى أبو أيوب الأنصاري مرفوعا لقد صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين لم تصل على ثالث لنا و ذلك قبل أن يظهر أمر الإسلام و يتسامع الناس به . و

في خطبة الحسن بن علي ع لما قبض أبوه لقد فارقكم في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون كان يبعثه رسول الله ص للحرب و جبريل عن يمينه و ميكائيل عن يساره و

جاء في الحديث أنه سمع يوم أحد صوت من الهواء من جهة السماء يقول لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و أن رسول الله ص قال هذا صوت جبريل . فأما قوله و معادن العلم و ينابيع الحكم يعني الحكمة أو الحكم الشرعي فإنه و إن عنى بها نفسه و ذريته فإن الأمر فيها ظاهر جدا

قال رسول الله ص أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب و

قال أقضاكم علي و القضاء أمر يستلزم علوما كثيرة . و

جاء في الخبر أنه بعثه إلى اليمن قاضيا فقال يا رسول الله إنهم كهول و ذوو أسنان

[ 220 ]

و أنا فتى و ربما لم أصب فيما أحكم به بينهم فقال له اذهب فإن الله سيثبت قلبك و يهدي لسانك . و جاء في تفسير قوله تعالى وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ سألت الله أن يجعلها أذنك ففعل و جاء في تفسير قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أنها أنزلت في علي ع و ما خص به من العلم و جاء في تفسير قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ أن الشاهد علي ع . و

روى المحدثون أنه قال لفاطمة زوجتك أقدمهم سلما و أعظمهم حلما و أعلمهم علما و

روى المحدثون أيضا عنه ع أنه قال من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه و موسى في علمه و عيسى في ورعه فلينظر إلى علي بن أبي طالب . و بالجملة فحاله في العلم حال رفيعة جدا لم يلحقه أحد فيها و لا قاربه و حق له أن يصف نفسه بأنه معادن العلم و ينابيع الحكم فلا أحد أحق بها منه بعد رسول الله ص . فإن قلت كيف قال عدونا و مبغضنا ينتظر السطوة و نحن نشاهد أعداءه و مبغضيه لا ينتظرونها قلت لما كانت منتظرة لهم و معلوما بيقين حلولها بهم صاروا كالمنتظرين لها و أيضا فإنهم ينتظرون الموت لا محالة الذي كل إنسان ينتظره و لما كان الموت مقدمة العقاب و طريقا إليه جعل انتظاره انتظار ما يكون بعده

[ 221 ]