فصل في التخلص و سياق كلام للشعراء فيه

و هذا الفن يسميه أرباب علم البيان التخلص و أكثر ما يقع في الشعر كقول أبي نواس

تقول التي من بيتها خف مركبي
عزيز علينا أن نراك تسير
أ ما دون مصر للغني متطلب
بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها و استعجلتها بوادر
جرت فجرى في جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلة
إلى بلد فيه الخصيب أمير

و من ذلك قول أبي تمام

يقول في قومس صحبي و قد أخذت
منا السرى و خطا المهرية القود
أ مطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا
فقلت كلا و لكن مطلع الجود

[ 240 ]

و منه قول البحتري

هل الشباب ملم بي فراجعة
أيامه لي في أعقاب أيامي
لو أنه نائل غمر يجاد به
إذن تطلبته عند ابن بسطام

و منه قول المتنبي و هو يتغزل بأعرابية و يصف بخلها و جبنها و قلة مطعمها و هذه كلها من الصفات الممدوحة في النساء خاصة

في مقلتي رشأ تديرهما
بدوية فتنت بها الحلل
تشكو المطاعم طول هجرتها
و صدودها و من الذي تصل
ما أسأرت في القعب من لبن
تركته و هو المسك و العسل
قالت إلا تصحو فقلت لها
أعلمتني أن الهوى ثمل
لو أن فناخسر صبحكم
و برزت وحدك عاقه الغزل
و تفرقت عنكم كتائبه
إن الملاح خوادع قتل
ما كنت فاعلة و ضيفكم
ملك الملوك و شأنك البخل
أ تمنعين قرى فتفتضحي
أم تبذلين له الذي يسل
بل لا يحل بحيث حل به
بخل و لا جور و لا وجل

و هذا من لطيف التخلص و رشيقه و التخلص مذهب الشعراء و المتأخرون يستعملونه كثيرا و يتفاخرون فيه و يتناضلون فأما التخلص في الكلام المنثور فلا يكاد يظهر لمتصفح الرسالة أو الخطبة إلا بعد تأمل شديد و قد وردت منه مواضع في القرآن العزيز فمن

[ 241 ]

أبينها و أظهرها أنه تعالى ذكر في سورة الأعراف الأمم الخالية و الأنبياء الماضين من لدن آدم ع إلى أن انتهى إلى قصة موسى فقال في آخرها بعد أن شرحها و أوضحها وَ اِخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ اَلسُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ اِرْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْغافِرِينَ وَ اُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ اَلدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكاةَ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْراةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلالَ اَلَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ . و هذا من التخلصات اللطيفة المستحسنة