فصل في الاستطراد و إيراد شواهد للشعراء فيه

و اعلم أن من أنواع علم البيان نوعا يسمى الاستطراد و قد يسمى الالتفات و هو من جنس التخلص و شبيه به إلا أن الاستطراد هو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره و كأنك غير قاصد لذكره بالذات بل قد حصل و وقع ذكره بالعرض عن غير قصد ثم تدعه و تتركه و تعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه و كالملغى عما استطردت بذكره فمن ذلك قول البحتري و هو يصف فرسا

[ 242 ]

و أغر في الزمن البهيم محجل
قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنه
في الحسن جاء كصورة في هيكل
وافي الضلوع يشد عقد حزامه
يوم اللقاء على معم مخول
أخواله للرستمين بفارس
و جدوده للتبعين بموكل
يهوى كما هوت العقاب و قد رأت
صيدا و ينتصب انتصاب الأجدل
متوجس برقيقتين كأنما
تريان من ورق عليه مكلل
ما إن يعاف قذى و لو أوردته
يوما خلائق حمدويه الأحول
ذنب كما سحب الرشاء يذب عن
عرف و عرف كالقناع المسبل
جذلان ينفض عذرة في غرة
يقق تسيل حجولها في جندل
كالرائح النشوان أكثر مشيه
عرضا على السنن البعيد الأطول
ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة
فيه بناظرها حديد الأسفل
هزج الصهيل كأن في نغماته
نبرات معبد في الثقيل الأول
ملك القلوب فإن بدا أعطينه
نظر المحب إلى الحبيب المقبل

أ لا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب و كأنه لم يقصد ذلك و لا أراده و إنما جرته القافية ثم ترك ذكره و عاد إلى وصف الفرس و لو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره و لذلك أتى بها على روي اللام لكان صادقا فهذا هو الاستطراد . و من الفرق بينه و بين التخلص أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح

[ 243 ]

أو المهجو تركت ما كنت فيه من قبل بالكلية و أقبلت على ما تخلصت إليه من المديح و الهجاء بيتا بعد بيت حتى تنقضي القصيدة و في الاستطراد تمر على ذكر الأمر الذي استطردت به مرورا كالبرق الخاطف ثم تتركه و تنساه و تعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصد قصد ذاك و إنما عرض عروضا و إذا فهمت الفرق فاعلم أن الآيات التي تلوناها إذا حققت و أمعنت النظر من باب الاستطراد لا من باب التخلص و ذلك لأنه تعالى قال بعد قوله وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ قُلْ يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ وَ قَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ اَلْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ اَلْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى‏ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فعاد إلى ما كان فيه أولا ثم مر في هذه القصة و في أحوال موسى و بني إسرائيل حتى قارب الفراغ من السورة . و من لطيف التخلص الذي يكاد يكون استطرادا لو لا أنه أفسده بالخروج إلى المدح قول أبي تمام في قصيدته التي يمدح بها محمد بن الهيثم التي أولها

أسقى طلولهم أجش هزيم
و غدت عليهم نضرة و نعيم
ظلمتك ظالمة البري‏ء ظلوم
و الظلم من ذي قدرة مذموم
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت
منها طلول باللوى و رسوم

[ 244 ]

لا و الذي هو عالم إن النوى
صبر و إن أبا الحسين كريم
ما حلت عما تعهدين و لا غدت
نفسي على إلف سواك تحوم

فلو أتم متغزلا لكان مستطردا لا محالة و لكنه نقض الاستطراد و غمس يده في المدح فقال بعد هذا البيت

لمحمد بن الهيثم بن شبانة
مجد إلى جنب السماك مقيم
ملك إذا نسب الندى من ملتقى
طرفيه فهو أخ له و حميم

و مضى على ذلك إلى آخرها . و من الاستطراد أن يحتال الشاعر لذكر ما يروم ذكره بوصف أمر ليس من غرضه و يدمج الغرض الأصلي في ضمن ذلك و في غضونه و أحسن ما يكون ذلك إذا صرح بأنه قد استطرد و نص في شعره على ذلك كما قال أبو إسحاق الصابي في أبيات كتبها إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة كتبها إليه إلى شيراز و أبو إسحاق في بغداد و كانت أخبار فتوح عضد الدولة بفارس و كرمان و ما والاها متواصلة مترادفة إلى العراق و كتب عبد العزيز واصلة بها إلى عز الدولة بختيار و الصابي يجيب عنها

يا راكب الجسرة العيرانة الأجد
يطوي المهامة من سهل إلى جلد
أبلغ أبا القاسم نفسي الفداء له
مقالة من أخ للحق معتمد
في كل يوم لكم فتح يشاد به
بين الأنام بذكر السيد العضد
و ما لنا مثله لكننا أبدا
نجيبكم بجواب الحاسد الكمد
فأنت أكتب مني في الفتوح و ما
تجري مجيبا إلى شاوي و لا أمدي

[ 245 ]

و ما ذممت ابتدائي في مكاتبة
و لا جوابكم في القرب و البعد
لكنني رمت أن أثني على ملك
مستطرد بمديح فيه مطرد

و لقد ظرف و ملح أبو إسحاق في هذه الأبيات و متى خلا أو عرى عن الظرف و الملاحة و لقد كان ظرفا و لباقة كله . و ليس من الاستطراد ما زعم ابن الأثير الموصلي في كتابه المسمى بالمثل السائر أنه استطراد و هو قول بعض شعراء الموصل يمدح قرواش بن المقلد و قد أمره أن يعبث بهجاء وزيره سليمان بن فهد و حاجبه أبي جابر و مغنية المعروف بالبرقعيدي في ليلة من ليالي الشتاء و أراد بذلك الدعابة و الولع بهم و هم في مجلس في شراب و أنس فقال و أحسن فيما قال

و ليل كوجه البرقعيدي ظلمة
و برد أغانيه و طول قرونه
سريت و نومي فيه نوم مشرد
كعقل سليمان بن فهد و دينه
على أولق فيه التفات كأنه
أبو جابر في خطبة و جنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه
سنا وجه قرواش و ضوء جبينه

و ذلك لأن الشاعر قصد إلى هجاء كل واحد منهم و وضع الأبيات لذلك و أمره قرواش رئيسهم و أميرهم بذلك فهجاهم و مدحه و لم يستطرد و هذه الأبيات تشبيهات كلها مقصود بها الهجاء لم يأت بالعرض في الشعر كما يأتي الاستطراد . و هذا غلط من مصنف الكتاب

[ 246 ]