113 ـ و من خطبة له ع

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْوَاصِلِ اَلْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَ اَلنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ اَلنُّفُوسِ اَلْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ اَلسِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ وَ كِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ اَلْغُيُوبَ وَ وَقَفَ عَلَى اَلْمَوْعُودِ إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ اَلشِّرْكَ وَ يَقِينُهُ اَلشَّكَّ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ اَلْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ اَلْعَمَلَ لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ وَ لاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ عَنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّتِي هِيَ اَلزَّادُ وَ بِهَا اَلْمَعَاذُ زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ وَ وَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَ فَازَ وَاعِيهَا عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ مَحَارِمَهُ وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ فَأَخَذُوا اَلرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَ اَلرِّيَّ بِالظَّمَإِ وَ اِسْتَقْرَبُوا اَلْأَجَلَ فَبَادَرُوا اَلْعَمَلَ وَ كَذَّبُوا اَلْأَمَلَ فَلاَحَظُوا اَلْأَجَلَ ثُمَّ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ فَمِنَ اَلْفَنَاءِ أَنَّ اَلدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ وَ لاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي اَلْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَ اَلصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ وَ اَلنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ وَ مِنَ اَلْعَنَاءِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَجْمَعُ

[ 251 ]

مَا لاَ يَأْكُلُ وَ يَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَ لاَ بِنَاءً نَقَلَ وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى اَلْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ اَلْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ اَلْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ وَ لاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا وَ أَضْحَى فَيْئَهَا لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَ لاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَقْرَبَ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَ أَبْعَدَ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ اَلشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِخَيْرٍ مِنَ اَلْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ اَلدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ اَلآْخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ اَلْعِيَانِ اَلسَّمَاعُ وَ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْخَبَرُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ زَادَ فِي اَلآْخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ اَلآْخِرَةِ وَ زَادَ فِي اَلدُّنْيَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِيدٍ خَاسِرٍ إِنَّ اَلَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ اَلَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ وَ مَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اِتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلاَ يَكُونَنَّ اَلْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ اَلْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ وَ اَللَّهِ لَقَدِ اِعْتَرَضَ اَلشَّكُّ وَ دَخَلَ دَخِلَ اَلْيَقِينُ حَتَّى كَأَنَّ اَلَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وَضِعَ وُضِعَ عَنْكُمْ فَبَادِرُوا اَلْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَةَ اَلْأَجَلِ فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلرِّزْقِ مَا فَاتَ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ اَلْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ اَلْيَوْمَ

[ 252 ]

رَجْعَتُهُ اَلرَّجَاءُ مَعَ اَلْجَائِي وَ اَلْيَأْسُ مَعَ اَلْمَاضِي فَاتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لقائل أن يقول أما كونه واصل الحمد له من عباده بالنعم منه عليهم فمعلوم فكيف قال إنه يصل النعم المذكورة بالشكر و الشكر من أفعال العباد و ليس من أفعاله ليكون واصلا للنعم به و جواب هذا القائل هو أنه لما وفق العباد للشكر بعد أن جعل وجوبه في عقولهم مقررا و بعد أن أقدرهم عليه صار كأنه الفاعل له فأضافه إلى نفسه توسعا كما يقال أقام الأمير الحد و قتل الوالي اللص فأما حمده سبحانه على البلاء كحمده على الآلاء فقد تقدم القول فيه و من الكلام المشهور سبحان من لا يحمد على المكروه سواه و السر فيه أنه تعالى إنما يفعل المكروه بنا لمصالحنا فإذا حمدناه عليه فإنما حمدناه على نعمه أنعم بها و إن كانت في الظاهر بلية و ألما . فإن قلت فقد كان الأحسن في البيان أن يقول نحمده على بلائه كما نحمده على آلائه قلت إنما عكس لأنه جاء باللفظين في معرض ذكر النعم و الشكر عليها فاستهجن أن يلقبها بلفظة الحمد على البلاء للمنافرة التي تكون بينهما فقال نحمده على هذه الآلاء التي أشرنا إليها التي هي آلاء في الحقيقة و هذا ترتيب صحيح منتظم . ثم سأل الله أن يعينه على النفس البطيئة عن المأمور به السريعة إلى المنهي عنه و من دعاء بعض الصالحين اللهم إني أشكو إليك عدوا بين جنبي قد غلب علي . و فسر قوم من أهل الطريقة و الحقيقة قوله تعالى يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا

[ 253 ]

اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً قالوا أراد مجاهدة النفوس و

من كلام رسول الله ص أبت الأنفس إلا حب المال و الشرف و إن حبهما لأذهب بدين أحدكم من ذئبين ضاريين باتا في زريبة غنم إلى الصباح فما ذا يبقيان منها . ثم شرع في استغفار الله سبحانه من كل ذنب و عبر عن ذلك بقوله مما أحاط به علمه و أحصاه كتابه لأنه تعالى عالم بكل شي‏ء و محيط بكل شي‏ء و قد أوضح ذلك بقوله علم غير قاصر و كتاب غير مغادر أي غير مبق شيئا لا يحصيه قال تعالى ما لِهذَا اَلْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها . ثم قال و نؤمن به إيمان من عاين و شاهد لأن إيمان العيان أخلص و أوثق من إيمان الخبر فإنه ليس الخبر كالعيان و هذا إشارة إلى إيمان العارفين الذين هو ع سيدهم و رئيسهم و لذلك

قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . و قوله تصعدان القول إشارة إلى قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ و روي تسعدان القول بالسين أي هما شهادتان بالقلب يعاضدان الشهادة باللسان و يسعدانها . ثم ذكر أنهما شهادتان لا يخف ميزان هما فيه و لا يثقل ميزان رفعا عنه . أما أنه لا يثقل ميزان رفعا عنه فهذا لا كلام فيه و إنما الشأن في القضية الأولى لأن ظاهر هذا القول يشعر بمذهب المرجئة الخلص و هم أصحاب مقاتل بن سليمان القائلون إنه لا يضر مع الشهادتين معصية أصلا و إنه لا يدخل النار من في قلبه ذرة من الإيمان

[ 254 ]

و لهم على ذلك احتجاج قد ذكرناه في كتبنا الكلامية فنقول في تأويل ذلك إنه لم يحكم بهذا على مجرد الشهادتين و إنما حكم بهذا على شهادتين مقيدتين قد وصفهما بأنهما يصعدان القول و يرفعان العمل و تانك الشهادتان المقيدتان بذلك القيد إنما هو الشهادتان اللتان يقارنهما فعل الواجب و تجنب القبيح لأنه إن لم يقارنهما ذلك لم يرفعا العمل و إذا كان حكمه ع بعد خفة ميزان هما فيه إنما هو على شهادتين مقيدتين لا مطلقتين فقد بطل قول من يجعل هذا الكلام حجة للمرجئة . ثم أخذ في الوصاة بالتقوى و قال إنما الزاد في الدنيا الذي يزود منه لسفر الآخرة و بها المعاذ مصدر من عذت بكذا أي لجأت إليه و اعتصمت به . ثم وصفهما أعني الزاد و المعاذ فقال زاد مبلغ أي يبلغك المقصد و الغاية التي تسافر إليها و معاذ منجح أي يصادف عنده النجاح . دعا إليها أسمع داع يعني البارئ سبحانه لأنه أشد الأحياء أسماعا لما يدعوهم إليه و بناء أفعل هاهنا من الرباعي كما جاء ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف و أنت أكرم لي من زيد أي أشد إكراما و هذا المكان أقفر من غيره أي أشد إقفارا و في المثل أفلس من ابن المذلق و روي دعا إليها أحسن داع أي أحسن داع دعا و لا بد من تقرير هذا المميز لأنه تعالى لا توصف ذاته بالحسن و إنما يوصف بالحسن أفعاله . و وعاها خير واع أي من وعاها عنه تعالى و عقلها و أجاب تلك الدعوة فهو خير واع . و قيل عنى بقوله أسمع داع رسول الله ص و عنى بقوله خير واع نفسه لأنه أنزل فيه وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ و الأول أظهر .

[ 255 ]

ثم قال فأسمع داعيها أي لم يبق أحدا من المكلفين إلا و قد أسمعه تلك الدعوة و فازوا عليها أفلح من فهمها و أجاب إليها لا بد من تقدير هذا و إلا فأي فوز يحصل لمن فهم و لم يجب و التقوى خشية الله سبحانه و مراقبته في السر و العلن و الخشية أصل الطاعات و إليها وقعت الإشارة بقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ و قوله سبحانه وَ مَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . قوله حتى أسهرت لياليهم و أظمأت هواجرهم من قول العرب نهاره صائم و ليله قائم نقلوا الفعل إلى الظرف و هو من باب الاتساع الذي يجرون فيه الظروف مجرى المفعول به فيقولون الذي سرته يوم الجمعة أي سرت فيه و قال

و يوم شهدناه سليما و عامرا

أي شهدنا فيه سليما و قد اتسعوا فأضافوا إلى الظروف فقالوا

يا سارق الليلة أهل الدار

و قال تعالى بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ فأخرجوهما بالإضافة عن الظرفية . قوله ع فأخذوا الراحة النصب يروى فاستبدلوا الراحة و النصب التعب و استقربوا الأجل رأوه قريبا . فإن قلت لما ذا كرر لفظة الأجل و في تكرارها مخالفة لفن البيان قلت إنه استعملها في الموضعين بمعنيين مختلفين فقوله استقربوا الأجل يعني المدة و قوله فلاحظوا الأجل يعني الموت نفسه .

[ 256 ]

و يروى موتر و موتر بالتشديد و لا تؤسى جراحه لا تطب و لا تصلح أسوت الجرح أي أصلحته و لا ينقع لا يروى شرب حتى نقع أي شف عليله و ماء ناقع و هو كالناجع و ما رأيت شربه انقع منها . و إلى قوله ع يجمع ما لا يأكل و يبني ما لا يسكن نظر الشاعر فقال

أموالنا لذوي الميراث نجمعها
و دورنا لخراب الدهر نبنيها

و قال آخر

أ لم تر حوشبا أمسى يبني
بناء نفعه لبني بقيلة
يؤمل أن يعمر عمر نوح
و أمر الله يطرق كل ليلة

قوله و من غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا و المغبوط مرحوما أي يصير الفقير غنيا و الغني فقيرا و قد فسره قوم فقالوا أراد أنك ترى من هو في باطن الأمر مرحوم مغبوطا و ترى من هو في باطن الأمر مغبوط مرحوما أي تحسب ذاك و تتخيله و هذا التأويل غير صحيح لأن قوله بعده ليس ذلك إلا نعيما زل و بؤسا نزل و يكذبه و يصدق التفسير الأول . و أضحى فيئها من أضحى الرجل إذا برز للشمس ثم قال لا جاء يرد و لا ماض يرتد أي يسترد و يسترجع أخذه أبو العتاهية فقال

فلا أنا راجع ما قد مضى لي
و لا أنا دافع ما سوف يأتي

و إلى قوله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به و ما أبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه نظر الشاعر فقال

يا بعيدا عني و ليس بعيدا
من لحاقي به سميع قريب

[ 257 ]

صرت بين الورى غريبا كما أنك تحت الثرى وحيد غريب فإن قلت ما وجه تقسيمه ع الأمور التي عددها إلى الفناء و العناء و الغير و العبر قلت لقد أصاب الثغرة و طبق المفصل أ لا تراه ذكر في الفناء رمي الدهر الإنسان عن قوس الردى و في العناء جمع ما لا يأكل و بناء ما لا يسكن و في الغير الفقر بعد الغنى و الغنى بعد الفقر و في العبر اقتطاع الأجل الأمل فقد ناط بكل لفظة ما يناسبها . و قد نظر بعض الشعراء إلى قوله ع ليس شي‏ء بشر من الشر إلا عقابه و ليس شي‏ء بخير من الخير إلا ثوابه فقال

خير البضائع للإنسان مكرمة
تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه
فالخير خير و خير منه فاعله
و الشر شر و شر منه صانعه

إلا أن أمير المؤمنين ع استثنى العقاب و الثواب و الشاعر جعل مكانهما فاعل الخير و الشر . ثم ذكر أن كل شي‏ء من أمور الدنيا المرغبة و المرهبة سماعه أعظم من عيانه و الآخرة بالعكس و هذا حق أما القضية الأولى فظاهرة و قد قال القائل

اهتز عند تمني وصلها طربا
و رب أمنية أحلى من الظفر

و لهذا يحرص الواحد منا على الأمر فإذا بلغه برد و فتر و لم يجده كما كان يظن في اللذة و يوصف لنا البلد البعيد عنا بالخصب و الأمن و العدل و سماح أهله و حسن نسائه و ظرف رجاله فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصف بل ربما وجدنا القليل من ذلك و يوصف لنا الإنسان الفاضل بالعلم بفنون من الآداب و الحكم و يبالغ الواصفون في ذلك فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف و كذلك قد يخاف الإنسان حبسا أو ضربا أو نحوهما فإذا

[ 258 ]

وقع فيهما هان ما كان يتخوفه و وجد الأمر دون ذلك و كذلك القتل و الموت فإن ما يستعظمه الناس منهما دون أمرهما في الحقيقة و قد قال أبو الطيب و هو حكيم الشعراء

كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس
سهل فيها إذا هو كانا

و يقال في المثل لج الخوف تأمن و أما أحوال الآخرة فلا ريب أن الأمر فيها بالضد من ذلك لأن الذي يتصوره الناس من الجنة أنها أشجار و أنهار و مأكول و مشروب و جماع و أمرها في الحقيقة أعظم من هذا و أشرف لأن ملاذها الروحانية المقارنة لهذه الملاذ المضادة لها أعظم من هذه الملاذ بطبقات عظيمة و كذلك أكثر الناس يتوهمون أن عذاب النار يكون أياما و ينقضي كما يذهب إليه المرجئة أو أنه لا عذاب بالنار لمسلم أصلا كما هو قول الخلص من المرجئة و أن أهل النار يألفون عذابها فلا يستضرون به إذا تطاول الأمد عليهم و أمر العذاب أصعب مما يظنون خصوصا على مذهبنا في الوعيد و لو لم يكن إلا آلام النفوس باستشعارها سخط الله تعالى عليها فإن ذلك أعظم من ملاقاة جرم النار لبدن الحي . و في هذا الموضع أبحاث شريفة دقيقة ليس هذا الكتاب موضوعا لها . ثم أمرهم بأن يكتفوا من عيان الآخرة و غيبها بالسماع و الخبر لأنه لا سبيل و نحن في هذه الدار إلى أكثر من ذلك . و إلى قوله ما نقص من الدنيا و زاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة و زاد في الدنيا نظر أبو الطيب فقال إلا أنه أخرجه في مخرج آخر

بلاد ما اشتهيت رأيت فيها
فليس يفوتها إلا كرام

[ 259 ]

فهلا كان نقص الأهل فيها
و كان لأهلها منها التمام

ثم قال فكم من منقوص في دنياه و هو رابح في آخرته و كم من مزيد في دنياه و هو خاسر في آخرته ثم قال إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه و ما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم الجملة الأولى هي الجملة الثانية بعينها و إنما أتى بالثانية تأكيدا للأولى و إيضاحا لها و لأن فن الخطابة و الكتابة هكذا هو و ينتظم كلتا الجملتين معنى واحد و هو أن فيما أحل الله غنى عما حرم بل الحلال أوسع أ لا ترى أن المباح من المآكل و المشارب أكثر عددا و أجناسا من المحرمات فإن المحرم ليس إلا الكلب و الخنزير و أشياء قليلة غيرهما و المحرم من المشروب الخمر و نحوها من المسكر و ما عدا ذلك حلال أكله و شربه و كذلك القول في النكاح و التسري فإنهما طريقان مهيعان إلى قضاء الوطر و السفاح طريق واحد و الطريقان أكثر من الطريق الواحد . فإن قلت فكيف قال إن الذي أمرتم به فسمى المباح مأمورا به قلت سمى كثير من الأصوليين المباح مأمورا به و ذلك لاشتراكه مع المأمور به في أنه لا حرج في فعله فأطلق عليه اسمه و أيضا فإنه لما كان كثير من الأمور التي عددناها مندوبا أطلق عليه لفظ الأمر لأن المندوب مأمور به و ذلك كالنكاح و التسري و أكل اللحوم التي هي سبب قوة البدن و شرب ما يصلح المزاج من الأشربة التي لا حرج في استعمالها و قال بعض العقلاء لبنيه يا بني إنه ليس كل شي‏ء من اللذة ناله أهل الخسارة بخسارتهم إلا ناله أهل المروءة و الصيانة بمروءتهم و صيانتهم فاستتروا بستر الله

و دخل إنسان على علي بن موسى الرضا ع و عليه ثياب مرتفعة القيمة فقال يا ابن رسول الله أ تلبس مثل هذا فقال له مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ

[ 260 ]

ثم أمر بالعمل و العبادة و نهى عن الحرص على طلب الرزق فقال إنكم أمرتم بالأول و ضمن لكم الثاني فلا تجعلوا المضمون حصوله لكم هو المخصوص بالحرص و الاجتهاد بل ينبغي أن يكون الحرص و الاجتهاد فيما أمرتم بعمله و هو العبادة و قد يتوهم قوم أنه ارتفع طلبه بالمضنون كقولك المضروب أخوه و هذا غلط لأنه لم يضمن طلبه و إنما ضمن حصوله و لكنه ارتفع لأنه مبتدأ و خبره أولى و هذا المبتدأ و الخبر في موضع نصب لأنه خبر يكونن أو ارتفع لأنه بدل من المضنون و هذا أحسن و أولى من الوجه الأول و هو بدل الاشتمال . ثم ذكر أن رجعة العمر غير مرجوة و رجعة الرزق مرجوة أوضح ذلك بأن الإنسان قد يذهب منه اليوم درهم فيستعيضه أي يكتسب عوضه في الغد دينارا و أما أمس نفسه فمستحيل أن يعود و لا مثله لأن الغد و بعد الغد محسوب من عمره و ليس عوضا من الأمس الذاهب و هذا الكلام يقتضي أن العمر مقدور و أن المكاسب و الأرزاق إنما هي بالاجتهاد و ليست محصورة مقدرة و هذا يناقض في الظاهر ما تقدم من قوله إن الرزق مضمون فلا تحرصوا عليه فاحتاج الكلام إلى تأويل و هو أن العمر هو الظرف الذي يوقع المكلف فيه الأعمال الموجبة له السعادة العظمى المخلصة له من الشقاوة العظمى و ليس له ظرف يوقعها فيه إلا هو خاصة فكل جزء منه إذا فات من غير عمل لما بعد الموت فقد فات على الإنسان بفواته ما لا سبيل له إلى استدراكه بعينه و لا اغترام مثله لأن المثل الذي له إنما هو زمان آخر و ليس ذلك في مقدور الإنسان و الزمان المستقبل الذي يعيش فيه الإنسان لم يكتسبه هو لينسب إليه فيقال إنه حصله عوضا مما انقضى و ذهب من عمره و إنما هو فعل غيره و مع ذلك فهو معد و مهيأ لأفعال من العبادة توقع فيه كما كان الجزء الماضي معدا لأفعال

[ 261 ]

توقع فيه فليس أحدهما عوضا عن الآخر و لا قائما مقامه و أما المنافع الدنيوية كالمآكل و المشارب و الأموال فإن الإنسان إذا فاته شي‏ء منها قدر على ارتجاعه بعينه إن كانت عينه باقية و ما لا تبقى عينه يقدر على اكتساب مثله و الرزق و إن كان مضمونا من الله إلا أن للحركة فيه نصيبا إما أن يكون شرطا أو أن يكون هو بذاته من أثر قدرة الإنسان كحركته و اعتماده و سائر أفعاله و يكون الأمر بالتوكل و النهي عن الاجتهاد في طلب الرزق على هذا القول إنما هو نهي عن الحرص و الجشع و التهالك في الطلب فإن ذلك قبيح يدل على دناءة الهمة و سقوطها . ثم هذه الأغراض الدنيوية إذا حصلت أمثالها بعد ذهابها قامت مقام الذاهب لأن الأمر الذي يراد الذاهب له يمكن حصوله بهذا المكتسب و ليس كذلك الزمان الذاهب من العمر لأن العبادات و الأعمال التي كان أمس متعينا لها لا يمكن حصولها اليوم على حد حصولها أمس فافترق البابان باب الأعمال و باب الأرزاق . و قوله الرجاء مع الجائي و اليأس مع الماضي كلام يجري مجرى المثل و هو تأكيد للمعنى الأول و جعل الجائي مرجوا لأنه لا يعلم غيبه قال الشاعر

ما مضى فات و المقدر غيب
و لك الساعة التي أنت فيها

و قوله حق تقاته أي حق تقيته أي خوفه اتقى يتقي تقية و تقاة و وزنها فعلة و أصلها الياء و مثلها اتخم تخمة و اتهم تهمة

[ 262 ]