133 ـ و من كلام له ع

وَ اِنْقَادَتْ لَهُ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا وَ قَذَفَتْ إِلَيْهِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرَضُونَ مَقَالِيدَهَا وَ سَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَ اَلآْصَالِ اَلْأَشْجَارُ اَلنَّاضِرَةُ وَ قَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا اَلنِّيرَانُ اَلْمُضِيئَةُ وَ آتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ اَلثِّمَارُ اَلْيَانِعَةُ الضمير في له يرجع إلى الله تعالى و قد كان تقدم ذكر سبحانه في أول الخطبة و إن لم يذكره الرضي رحمه الله و معنى انقياد الدنيا و الآخرة له نفوذ حكمه فيهما و شياع قدرته و عمومها . و أزمتها لفظة مستعارة من انقياد الإبل بأزمتها مع قائدها و المقاليد المفاتيح . و معنى سجود الأشجار الناضرة له تصرفها حسب إرادته و كونها مسخرة له محكوما عليها بنفوذ قدرته فيها فجعل ع ذلك خضوعا منها لمشيئته و استعار لها ما هو أدل على خضوع الإنسان من جمع أفعاله و هو السجود و منه قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ وَ اَلنُّجُومُ وَ اَلْجِبالُ وَ اَلشَّجَرُ وَ اَلدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنَّاسِ .

[ 273 ]

قوله و قدحت له من قضبانها بالضم جمع قضيب و هو الغصن و المعنى أنه بقدرته أخرج من الشجر الأخضر نارا و النار ضد هذا الجسم المخصوص و هذا هو قوله تعالى اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ بعينه . و آتت أكلها أعطت ما يؤكل منها و هو أيضا من الألفاظ القرآنية . و اليانعة الناضجة و بكلماته أي بقدرته و مشيئته و هذه اللفظة من الألفاظ المنقولة على أحد الأقسام الأربعة المذكورة في كتبنا في أصول الفقه و هو استعمال لفظة متعارفة في اللغة العربية في معنى لم يستعملها أهل اللغة فيه كنقل لفظة الصلاة الذي هو في أصل اللغة للدعاء إلى هيئات و أوضاع مخصوصة و لم تستعمل العرب تلك اللفظة فيها و لا يصح قول من قال المراد بذلك قوله كن لأنه تعالى لا يجوز أن يخاطب المعدوم و قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من باب التوسع و الاستعارة المملوء منهما القرآن و المراد سرعة المؤاتاة و عجلة الإيجاد و أنه إذا أراد من أفعاله أمرا كان : مِنْهَا وَ كِتَابُ اَللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ وَ بَيْتٌ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَ عِزٌّ لاَ تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ

[ 274 ]

يقال هو نازل بين أظهرهم و بين ظهريهم و بين ظهرانيهم بفتح النون أي نازل بينهم فإن قلت لما ذا قالت العرب بين أظهرهم و لم تقل بين صدورهم قلت أرادت بذلك الإشعار بشدة المحاماة عنه و المراماة من دونه لأن النزيل إذا حامى القوم عنه استقبلوا شبا الأسنة و أطراف السيوف عنه بصدورهم و كان هو محروسا مصونا عن مباشرة ذلك وراء ظهورهم . و لا يعيا لسانه لا يكل عييت بالمنطق فأنا عيي على فعيل و يجوز عي الرجل في منطقه بالتشديد فهو عي على فعل : مِنْهَا أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ وَ تَنَازُعٍ مِنَ اَلْأَلْسُنِ فَقَفَّى بِهِ اَلرُّسُلَ وَ خَتَمَ بِهِ اَلْوَحْيَ فَجَاهَدَ فِي اَللَّهِ اَلْمُدْبِرِينَ عَنْهُ وَ اَلْعَادِلِينَ بِهِ الضمير في أرسله راجع إلى النبي ص و هو مذكور في كلام لم يحكه جامع الكتاب . و الفترة زمان انقطاع الوحي و التنازع من الألسن أن قوما في الجاهلية كانوا يعبدون

[ 275 ]

الصنم و قوما يعبدون الشمس و قوما يعبدون الشيطان و قوما يعبدون المسيح فكل طائفة تجادل مخالفيها بألسنتها لتقودها إلى معتقدها . و قفى به الرسل أتبعها به قال سبحانه ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى‏ آثارِهِمْ بِرُسُلِنا و منه الكلام المقفى و سميت قوافي الشعر لأن بعضها يتبع بعضا . و العادلين به الجاعلين له عديلا أي مثلا و هو من الألفاظ القرآنية أيضا قال الله تعالى بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ : مِنْهَا وَ إِنَّمَا اَلدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ اَلْأَعْمَى لاَ يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً وَ اَلْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ وَ يَعْلَمُ أَنَّ اَلدَّارَ وَرَاءَهَا فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ وَ اَلْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ وَ اَلْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ وَ اَلْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ شبه الدنيا و ما بعدها بما يتصوره الأعمى من الظلمة التي يتخيلها و كأنها محسوسة له و ليست بمحسوسة على الحقيقة و إنما هي عدم الضوء كمن يطلع في جب ضيق فيتخيل ظلاما فإنه لم ير شيئا و لكن لما عدم الضوء فلم ينفذ البصر تخيل أنه يرى الظلمة فأما من يرى المبصرات في الضياء فإن بصره ينفذ فيشاهد المحسوسات يقينا و هذه حال

[ 276 ]

الدنيا و الآخرة أهل الدنيا منتهى بصرهم دنياهم و يظنون أنهم يبصرون شيئا و ليسوا بمبصرين على الحقيقة و لا حواسهم نافذة في شي‏ء و أهل الآخرة قد نفذت أبصارهم فرأوا الآخرة و لم يقف إحساسهم على الدنيا خاصة فأولئك هم أصحاب الأبصار على الحقيقة و هذا معنى شريف من معاني أصحاب الطريقة و الحقيقة و إليه الإشارة بقوله سبحانه أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها فأما قوله فالبصير منها شاخص و الأعمى إليها شاخص فمن مستحسن التجنيس و هذا هو الذي يسميه أرباب الصناعة الجناس التام فالشاخص الأول الراحل و الشاخص الثاني من شخص بصره بالفتح إذا فتح عينه نحو الشي‏ء مقابلا له و جعل لا يطرف