أقوال مأثورة في ذم الغيبة و الاستماع إلى المغتابين

و نحن نذكر مما ورد في الغيبة لمعا نافعة على عادتنا في ذكر الشي‏ء عند مرورنا على ما يقتضيه و يستدعيه . و قد ورد في الكتاب العزيز ذم الغيبة قال سبحانه وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً و

قال رسول الله ص لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا يغتب بعضكم بعضا و كونوا عباد الله إخوانا و

روى جابر و أبو سعيد عنه ص إياكم و الغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا إن الرجل يزني فيتوب الله عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه و

روى أنس عنه ص مررت ليلة أسري بي فرأيت قوما يخمشون وجوههم بأظافيرهم فسألت جبريل عنهم فقال هؤلاء الذين يغتابون الناس و

في حديث سلمان قلت يا رسول الله علمني خيرا ينفعني الله به قال لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أرفضت من دلوك في إناء المستقي و الق أخاك ببشر حسن و لا تغتابنه إذا أدبر و

في حديث البراء بن عازب خطبنا رسول الله ص حتى أسمع العواتق في بيوتهن فقال ألا لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتتبع عورة أخيه تتبع الله عورته و من يتتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته

[ 61 ]

و

في حديث أنس أن رسول الله ص قال في يوم صوم إن فلانة و فلانة كانتا تأكلان اليوم شحم امرأة مسلمة يعني الغيبة فمرهما فلتتقيئا فقاءت كل واحدة منهما علقة دم و

في الصحاح المجمع عليها أنه ع مر بقبرين جديدين فقال إنهما ليعذبان و ما يعذبان بكبير أما أحدهما فكان يغتاب الناس و أما الآخر فكان لا يتنزه من البول و دعا بجريدة رطبة فكسرها اثنتين أو قال دعا بجريدتين ثم غرسهما في القبرين و قال أما إنه سيهون من عذابهما ما دامتا رطبتين و

في حديث ابن عباس أن رجلين من أصحابه اغتابا بحضرته رجلا و هو يمشي ع و هما يمشيان معه فمر على جيفة فقال انهشا منها فقالا يا رسول الله أ و ننهش الجيفة فقال ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه و

في حديث أبي هريرة من أكل لحم أخيه حيا قرب إليه لحمه في الآخرة فقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله و يضج و يكلح و روي أن رجلين كانا عند باب المسجد فمر بهما رجل كان مخنثا فترك ذلك فقالا لقد بقي عنده منه شي‏ء فأقيمت الصلاة فصليا مع الناس و ذلك يجول في أنفسهما فأتيا عطاء بن أبي رباح فسألاه فأمرهما أن يعيدا الوضوء و الصلاة و إن كانا صائمين أن يقضيا صيام ذلك اليوم . و عن مجاهد وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الهمزة الطعان في الناس و اللمزة النمام . و عن الحسن و الله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في الجسد .

[ 62 ]

بعضهم أدركنا السلف و هم لا يرون العبادة في الصوم و لا في الصلاة و لكن في الكف عن أعراض الناس . ابن عباس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك و هذا مشتق من كلام أمير المؤمنين ع . أبو هريرة يبصر أحدهما القذى في عين أخيه و لا يبصر الجذع في عين نفسه و هذا كالأول . الحسن يا ابن آدم إنك إن قضيت حقيقة الإيمان فلا تعب الناس بعيب هو فيك حتى تبدأ بإصلاح ذلك العيب من نفسك فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك و أحب العباد إلى الله من كان هكذا . و

يروى أن المسيح ع مر على جيفة كلب فقال بعض التلامذة ما أشد نتنه فقال المسيح ما أشد بياض أسنانه كأنه نهاهم عن غيبة الكلب و نبههم إلى أنه لا ينبغي أن يذكر من كل شي‏ء إلا أحسنه . و

سمع علي بن الحسين ع رجلا يغتاب آخر فقال إن لكل شي‏ء إداما و إدام كلاب الناس الغيبة و

في خطبة حجة الوداع أيها الناس إن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إن الله حرم الغيبة كما حرم المال و الدم عمر : ما يمنعكم إذا رأيتم من يخرق أعراض الناس أن تعربوا عليه أي تقبحوا قالوا نخاف سفهه و شره قال ذلك أدنى ألا تكونوا شهداء

أنس يرفعه من مات على الغيبة حشر يوم القيامة مزرقة عيناه ينادى بالويل و الندامة يعرف أهله و لا يعرفونه

[ 63 ]

و قال هشام بن عبد الملك في بعض ولد الوليد بن عقبة

أبلغ أبا وهب إذا ما لقيته
بأنك شر الناس غيبا لصاحب
فتبدي له بشرا إذا ما لقيته
و تلسعه بالغيب لسع العقارب

مر الشعبي بقوم يغتابونه في المسجد و فيهم بعض أصدقائه فأخذ بعضادتي الباب و قال

هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما استحلت

و من كلام بعض الحكماء أبصر الناس بالعوار المعوار هذا مثل قول الشاعر

و أجرأ من رأيت بظهر غيب
على عيب الرجال ذوو العيوب

قيل لشبيب بن شبة بن عقال ما بال عبد الله بن الأهتم يغتابك و ينتقصك قال لأنه شقيقي في النسب و جاري في البلد و شريكي في الصنعة . دخل أبو العيناء على المتوكل و عنده جلساؤه فقال له يا محمد كلهم كانوا في غيبتك منذ اليوم و لم يبق أحد لم يذممك غيري فقال

إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زال غضبان علي لئامها

قال بعضهم بت بالبصرة ليلة مع المسجديين فلما كان وقت السحر حركهم واحد فقال إلى كم هذا النوم عن أعراض الناس و قيل لشاعر وصله بعض الرؤساء و أنعم عليه ما صنع بك فلان قال ما وفت نعمته بإساءته منعني لذة الثلب و حلاوة الشكوى . أعرابي من عاب سفلة فقد رفعه و من عاب شريفا فقد وضع نفسه .

[ 64 ]

نظر بعض السلف إلى رجل يغتاب رجلا و قال يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا فانظر ما ذا تقول . ابن عباس ما الأسد الضاري على فريسة بأسرع من الدني‏ء في عرض السري بعضهم

و مطروفة عيناه عن عيب نفسه
فإن لاح عيب من أخيه تبصرا

و قالت رابعة العدوية إذا نصح الإنسان لله أطلعه الله تعالى على مساوئ عمله فتشاغل بها عن ذكر مساوئ خلقه . قال عبد الله بن عروة بن الزبير لابنه يا بني عليك بالدين فإن الدنيا ما بنت شيئا إلا هدمه الدين و إذا بنى الدين شيئا لم تستطع الدنيا هدمه أ لا ترى علي بن أبي طالب و ما يقول فيه خطباء بني أمية من ذمه و عيبه و غيبته و الله لكأنما يأخذون بناصيته إلى السماء أ لا تراهم كيف يندبون موتاهم و يرثيهم شعراؤهم و الله لكأنما يندبون جيف الحمر . و من كلام بعض الصالحين الورع في المنطق أشد منه في الذهب و الفضة لأنك إذا استودعك أخوك مالا لم تجد بك نفسك لخيانة فيه و قد استودعك عرضه و أنت تغتابه و لا تبالي . كان محمد بن سيرين قد جعل على نفسه كلما اغتاب أحدا أن يتصدق بدينار و كان إذا مدح أحدا قال هو كما يشاء الله و إذا ذمه قال هو كما يعلم الله . الأحنف في خلتان لا أغتاب جليسي إذا قام عني و لا أدخل بين القوم فيما لم يدخلوني فيه . قيل لرجل من العرب من السيد فيكم قال الذي إذا أقبل هبناه و إذا أدبر اغتبناه .

[ 65 ]

قيل للربيع بن خيثم ما نراك تعيب أحدا فقال لست راضيا على نفسي فأتفرغ لذكر عيوب الناس ثم قال

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها
لنفسي في نفسي عن الناس شاغل

عبد الله بن المبارك قلت لسفيان ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ما سمعته يغتاب عدوا قال هو و الله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها . سئل فضيل عن غيبة الفاسق فقال لا تشتغل بذكره و لا تعود لسانك الغيبة أشغل لسانك بذكر الله و إياك ذكر الناس فإن ذكر الناس داء و ذكر الله دواء . بعض الشعراء

و لست بذي نيرب في الصديق
خئون العشيرة سبابها
و لا من إذا كان في مجلس
أضاع القبيلة و اغتابها
و لكن أبجل ساداتها
و لا أتعلم ألقابها

و كان يقال الغيبة فاكهة القراء و قيل لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أي اللحمان أطيب قال لحوم الناس هي و الله أطيب من لحوم الدجاج و الدراج يعني الغيبة . ابن المغيرة لا تذكر الميت بسوء فتكون الأرض أكتم عليه منك . و كان عبد الملك بن صالح الهاشمي إذا ذكر عنده الميت بسوء يقول كفوا عن أسارى الثرى . و

في الأثر سامع الغيبة أحد المغتابين .

[ 66 ]

أبو نواس

ما حطك الواشون من رتبة
عندي و ما ضرك مغتاب
كأنهم أثنوا و لم يعلموا
عليك عندي بالذي عابوا

الحسن ذم الرجل في السر مدح له في العلانية .

علي ع الغيبة جهد العاجز أخذه المتنبي فقال

و أكبر نفسي عن جزاء بغيبة
و كل اغتياب جهد من ما له جهد

بلغ الحسن أن رجلا اغتابه فأهدى إليه طبقا من رطب فجاءه الرجل معتذرا و قال أصلحك الله اغتبتك فأهديت لي قال إنك أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافئك . أتى رجل عمرو بن عبيد الله فقال له إن الأسواري لم يزل أمس يذكرك و يقول عمرو الضال فقال له يا هذا و الله ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه و لا رعيت حقي حين بلغت عن أخي ما أكرهه أعلمه أن الموت يعمنا و البعث يحشرنا و القيامة تجمعنا و الله يحكم بيننا