حكم الغيبة في الدين

و اعلم أن العلماء ذكروا في حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرت نقصانا في بدنه مثل أن تقول الأقرع أو الأعور أو في نسبه نحو أن تقول ابن النبطي و ابن الإسكاف أو الزبال أو الحائك أو خلقه نحو سيئ الخلق أو بخيل

[ 67 ]

أو متكبر أو في أفعاله الدنيئة نحو قولك كذاب و ظالم و متهاون بالصلاة أو الدنيوية نحو قولك قليل الأدب متهاون بالناس كثير الكلام كثير الأكل أو في ثوبه كقولك وسخ الثياب كبير العمامة طويل الأذيال . و قد قال قوم لا غيبة في أمور الدين لأن المغتاب إنما ذم ما ذمه الله تعالى و احتجوا بما روي أنه ذكر لرسول الله ص امرأة و كثرة صومها و صلاتها و لكنها تؤذي جارتها فقال هي في النار و لم ينكر عليهم غيبتهم إياها .

و روي أن امرأة ذكرت عنده ع بأنها بخيلة فقال فما خيرها إذن . و أكثر العلماء على أن الغيبة في أمور الدين محرمة أيضا و ادعوا الإجماع على أن من ذكر غيره بما يكرهه فهو مغتاب سواء أ كان في الدين أو في غيره قالوا و المخالف مسبوق بهذا الإجماع و قالوا و

قد روي عن النبي ص أنه قال هل تدرون ما الغيبة قالوا الله و رسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكرهه فقائل قال أ رأيت يا رسول الله إن كان ذلك في أخي قال إن كان فيه فقد اغتبته و إن لم يكن فقد بهته . قالوا و

روى معاذ بن جبل أن رجلا ذكر عند رسول الله ص فقال قوم ما أعجزه فقال ع اغتبتم صاحبكم فقالوا قلنا ما فيه فقال إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه . قالوا و ما احتج به الزاعمون أن لا غيبة في الدين ليس بحجة لأن الصحابة إنما ذكرت ذلك في مجلس رسول الله ص لحاجتها إلى تعرف الأحكام بالسؤال و لم يكن غرضها التنقص . و اعلم أن الغيبة ليست مقصورة على اللسان فقط بل كل ما عرفت به صاحبك

[ 68 ]

نقص أخيك فهو غيبة فقد يكون ذلك باللسان و قد يكون بالإشارة و الإيماء و بالمحاكاة نحو أن تمشي خلف الأعرج متعارجا و بالكتاب فإن القلم أحد اللسانين . و إذا ذكر المصنف شخصا في تصنيفه و هجن كلامه فهو غيبة فأما قوله قال قوم كذا فليس بغيبة لأنه لم يعين شخصا بعينه . و

كان رسول الله ص يقول ما بال أقوام يقولون كذا فكان لا يعين و يكون مقصوده واحدا بعينه و أخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المراءين و ذلك نحو أن يذكر عندهم إنسان فيقول قائلهم الحمد لله الذي لم يبلنا بدخول أبواب السلطان و التبذل في طلب الحطام و قصده أن يفهم الغير عيب ذلك الشخص فتخرج الغيبة في مخرج الحمد و الشكر لله تعالى فيحصل من ذلك غيبة المسلم و يحصل منه الرياء و إظهار التعفف عن الغيبة و هو واقع فيها و كذلك يقول لقد ساءني ما يذكر به فلان نسأل الله أن يعصمه و يكون كاذبا في دعوى أنه ساءه و في إظهار الدعاء له بل لو قصد الدعاء له لأخفاه في خلوة عقب صلواته و لو كان قد ساءه لساءه أيضا إظهار ما يكرهه ذلك الإنسان . و اعلم أن الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب كالغيبة بل أشد لأنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها حكاية يستخرج الغيبة منه بذلك و إذا كان السامع الساكت شريك المغتاب فما ظنك بالمجتهد في حصول الغيبة و الباعث على الاستزادة منها و قد روي أن أبا بكر و عمر ذكرا إنسانا عند رسول الله فقال أحدهما إنه لنئوم ثم أخرج رسول الله ص خبزا قفارا فطلبا منه أدما فقال قد ائتدمتما قالا ما نعلمه قال بلى بما أكلتما من لحم صاحبكما فجمعهما في الإثم و قد

[ 69 ]

كان أحدهما قائلا و الآخر مستمعا فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه فإن خاف فبقلبه و إن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر لزمه ذلك فإن قال بلسانه اسكت و هو مريد للغيبة بقلبه فذلك نفاق و لا يخرجه عن الإثم إلا أن يكرهه بقلبه و لا يكفي أن يشير باليد أي اكفف أو بالحاجب و العين فإن ذلك استحقار للمذكور بل ينبغي أن يذب عنه صريحا

فقد قال رسول الله ص من أذل عنده مؤمن و هو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رءوس الخلائق