اختلاف الفرق الإسلامية في كون الأئمة من قريش

و قد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة فقال قوم من قدماء أصحابنا إن النسب ليس بشرط فيها أصلا و إنها تصلح في القرشي و غير القرشي إذا كان فاضلا مستجمعا للشرائط المعتبرة و اجتمعت الكلمة عليه و هو قول الخوارج . و قال أكثر أصحابنا و أكثر الناس إن النسب شرط فيها و إنها لا تصلح إلا في العرب خاصة و من العرب في قريش خاصة و قال أكثر أصحابنا معنى

قول النبي ص الأئمة من قريش أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطا فيها . و قال بعض أصحابنا معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبدا ممن يصلح للإمامة فأوجبوا بهذا الخبر وجود من يصلح من قريش لها في كل عصر و زمان . و قال معظم الزيدية إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين لا تصلح في غير البطنين و لا تصح إلا بشرط أن يقوم بها و يدعو إليها فاضل زاهد عالم عادل شجاع سائس و بعض الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي ع و هو من أقوالهم الشاذة . و أما الراوندية فإنهم خصصوها بالعباس رحمه الله و ولده من بين بطون قريش كلها و هذا القول هو الذي ظهر في أيام المنصور و المهدي و أما الإمامية فإنهم جعلوها سارية في ولد الحسين ع في أشخاص مخصوصين و لا تصلح عندهم لغيرهم . و جعلها الكيسانية في محمد بن الحنفية و ولده و منهم من نقلها منه إلى ولد غيره . فإن قلت إنك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة و أصولهم فما قولك في هذا

[ 88 ]

الكلام و هو تصريح بأن الإمامة لا تصلح من قريش إلا في بني هاشم خاصة و ليس ذلك بمذهب للمعتزلة لا متقدميهم و لا متأخريهم . قلت هذا الموضع مشكل و لي فيه نظر و إن صح أن عليا ع قاله قلت كما قال لأنه ثبت عندي

أن النبي ص قال إنه مع الحق و أن الحق يدور معه حيثما دار و يمكن أن يتأول و يطبق على مذهب المعتزلة فيحمل على أن المراد به كمال الإمامة كما حمل

قوله ص لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد على نفي الكمال لا على نفي الصحة : مِنْهَا آثَرُوا عَاجِلاً وَ أَخَّرُوا آجِلاً وَ تَرَكُوا صَافِياً وَ شَرِبُوا آجِناً كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ اَلْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلاَئِقُهُ ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لاَ يُبَالِي مَا غَرَّقَ أَوْ كَوَقْعِ اَلنَّارِ فِي اَلْهَشِيمِ لاَ يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ أَيْنَ اَلْعُقُولُ اَلْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ اَلْهُدَى وَ اَلْأَبْصَارُ اَللاَّمِحَةُ إِلَى مَنَازِلِ اَلتَّقْوَى أَيْنَ اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ اِزْدَحَمُوا عَلَى اَلْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى اَلْحَرَامِ وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ اَلْجَنَّةِ وَ اَلنَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ اَلْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ وَ أَقْبَلُوا إِلَى اَلنَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا وَ دَعَاهُمُ اَلشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا

[ 89 ]

آثروا اختاروا و أخروا تركوا الآجن الماء المتغير أجن الماء يأجن و يأجن . و بسئ به ألفه و ناقة بسوء ألفت الحالب و لا تمنعه و شابت عليه مفارقه طال عهده به مذ زمن الصبا حتى صار شيخا و صبغت به خلائقه ما صارت طبعا لأن العادة طبيعة ثانية . مزبدا أي ذو زبد و هو ما يخرج من الفم كالرغوة يضرب مثلا للرجل الصائل المقتحم . و التيار معظم اللجة و المراد به هاهنا السيل و الهشيم دقاق الحطب . و لا يحفل بفتح حرف المضارعة لأن الماضي ثلاثي أي لا يبالي . و الأبصار اللامحة الناظرة و تشاحوا تضايقوا كل منهم يريد ألا يفوته ذلك و أصله الشح و هو البخل . فإن قلت هذا الكلام يرجع إلى الصحابة الذين تقدم ذكرهم في أول الخطبة . قلت لا و إن زعم قوم أنه عناهم بل هو إشارة إلى قوم ممن يأتي من الخلف بعد السلف أ لا تراه قال كأني أنظر إلى فاسقهم قد صحب المنكر فألفه و هذا اللفظ إنما يقال في حق من لم يوجد بعد كما قال في حق الأتراك كأني أنظر إليهم قوما كأن وجوههم المجان و كما قال في حق صاحب الزنج كأني به يا أحنف قد سار في الجيش و كما قال في الخطبة التي ذكرناها آنفا كأني به قد نعق بالشام يعني به عبد الملك و حوشي ع أن يعني بهذا الكلام الصحابة لأنهم ما آثروا العاجل و لا أخروا الآجل و لا صحبوا المنكر و لا أقبلوا كالتيار لا يبالي ما غرق و لا كالنار لا تبالي ما أحرقت و لا ازدحموا على الحطام و لا تشاحوا على الحرام و لا صرفوا عن الجنة وجوههم و لا أقبلوا

[ 90 ]

إلى النار بأعمالهم و لا دعاهم الرحمن فولوا و لا دعاهم الشيطان فاستجابوا و قد علم كل أحد حسن سيرتهم و سداد طريقتهم و إعراضهم عن الدنيا و قد ملكوها و زهدهم فيها و قد تمكنوا منها و لو لا قوله كأني أنظر إلى فاسقهم لم أبعد أن يعني بذلك قوما ممن عليه اسم الصحابة و هو ردي‏ء الطريقة كالمغيرة بن شعبة و عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و معاوية و جماعة معدودة أحبوا الدنيا و استغواهم الشيطان و هم معدودون في كتب أصحابنا و من اشتغل بعلوم السيرة و التواريخ عرفهم بأعيانهم

[ 91 ]