يوم القادسية

و اعلم أن هذا الكلام قد اختلف في الحال التي قاله فيها لعمر فقيل قاله له في

[ 97 ]

غزاة القادسية و قيل في غزاة نهاوند و إلى هذا القول الأخير ذهب محمد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير و إلى القول الأول ذهب المدائني في كتاب الفتوح و نحن نشير إلى ما جرى في هاتين الوقعتين إشارة خفيفة على مذهبنا في ذكر السير و الأيام . فأما وقعة القادسية فكانت في سنة أربع عشرة للهجرة استشار عمر المسلمين في أمر القادسية فأشار عليه علي بن أبي طالب في رواية أبي الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني ألا يخرج بنفسه و

قال إنك إن تخرج لا يكن للعجم همة إلا استئصالك لعلمهم أنك قطب رحى العرب فلا يكون للإسلام بعدها دولة و أشار عليه غيره من الناس أن يخرج بنفسه فأخذ برأي علي ع . و روى غير المدائني أن هذا الرأي أشار به عبد الرحمن بن عوف قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري لما بدا لعمر في المقام بعد أن كان عزم على الشخوص بنفسه أمر سعد بن أبي وقاص على المسلمين و بعث يزدجرد رستم الأرمني أميرا على الفرس فأرسل سعد النعمان بن مقرن رسولا إلى يزدجرد فدخل عليه و كلمه بكلام غليظ فقال يزدجرد لو لا أن الرسل لا تقتل لقتلتك ثم حمله وقرا من تراب على رأسه و ساقه حتى أخرجه من باب من أبواب المدائن و قال ارجع إلى صاحبك فقد كتبت إلى رستم أن يدفنه و جنده من العرب في خندق القادسية ثم لأشغلن العرب بعدها بأنفسهم و لأصيبنهم بأشد مما أصابهم به سابور ذو الأكتاف فرجع النعمان إلى سعد فأخبره فقال لا تخف فإن الله قد ملكنا أرضهم تفاؤلا بالتراب . قال أبو جعفر و تثبط رستم عن القتال و كرهه و آثر المسالمة و استعجله يزدجرد مرارا و استحثه على الحرب و هو يدافع بها و يرى المطاولة و كان عسكره مائة و عشرين ألفا

[ 98 ]

و كان عسكر سعد بضعا و ثلاثين ألفا و أقام رستم بريدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسية إلى المدائن كلما تكلم رستم كلمة أداها بعضهم إلى بعض حتى تصل إلى سمع يزدجرد في وقتها و شهد وقعة القادسية مع المسلمين طليحة بن خويلد و عمرو بن معديكرب و الشماخ بن ضرار و عبدة بن الطبيب الشاعر و أوس بن معن الشاعر و قاموا في الناس ينشدونهم الشعر و يحرضونهم و قرن أهل فارس أنفسهم بالسلاسل لئلا يهربوا فكان المقرنون منهم نحو ثلاثين ألفا و التحم الفريقان في اليوم الأول فحملت الفيلة التي مع رستم على الخيل فطحنتها و ثبت لها جمع من الرجالة و كانت ثلاثة و ثلاثين فيلا منها فيل الملك و كان أبيض عظيما فضربت الرجال خراطيم الفيلة بالسيوف فقطعتها و ارتفع عواؤها و أصيب في هذا اليوم و هو اليوم الأول خمسمائة من المسلمين و ألفان من الفرس و وصل في الثاني أبو عبيدة بن الجراح من الشام في عساكر من المسلمين فكان مددا لسعد و كان هذا اليوم على الفرس أشد من اليوم الأول قتل من المسلمين ألفان و من المشركين عشرة آلاف و أصبحوا في اليوم الثالث على القتال و كان عظيما على العرب و العجم معا و صبر الفريقان و قامت الحرب ذلك اليوم و تلك الليلة جمعاء لا ينطقون كلامهم الهرير فسميت ليلة الهرير . و انقطعت الأخبار و الأصوات عن سعد و رستم و انقطع سعد إلى الصلاة و الدعاء و البكاء و أصبح الناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها و الحرب قائمة بعد إلى وقت الظهر فأرسل الله تعالى ريحا عاصفا في اليوم الرابع أمالت الغبار و النقع على العجم فانكسروا و وصلت العرب إلى سرير رستم و قد قام عنه ليركب جملا و على رأسه العلم فضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم فوقه فقطع حباله و وقع على هلال أحد العدلين فأزال فقار ظهره و مضى رستم نحو العتيق فرمى نفسه فيه و اقتحم هلال عليه فأخذ

[ 99 ]

برجله و خرج به يجره حتى ألقاه تحت أرجل الخيل و قد قتله و صعد السرير فنادى أنا هلال أنا قاتل رستم فانهزمت الفرس و تهافتوا في العقيق فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا و نهبت أموالهم و أسلابهم و كانت عظيمة جدا و أخذت العرب منهم كافورا كثيرا فلم يعبئوا به لأنهم لم يعرفوه و باعوه من قوم بملح كيلا بكيل و سروا بذلك و قالوا أخذنا منهم ملحا طيبا و دفعنا إليهم ملحا غير طيب و أصابوا من الجامات من الذهب و الفضة ما لا يقع عليه العد لكثرته فكان الرجل منهم يعرض جامين من ذهب على صاحبه ليأخذ منه جاما واحدا من فضة يعجبه بياضها و يقول من يأخذ صفراوين ببيضاء . و بعث سعد بالأنفال و الغنائم إلى عمر فكتب إلى سعد لا تتبع الفرس و قف مكانك و اتخذه منزلا فنزل موضع الكوفة اليوم و اختط مسجدها و بنى فيها الخطط للعرب