150 ـ و من خطبة له ع و يومئ فيها إلى الملاحم

وَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ اَلْغَيِّ وَ تَرْكاً لِمَذَاهِبِ اَلرُّشْدِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ وَ لاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِي‏ءُ بِهِ اَلْغَدُ فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ وَ مَا أَقْرَبَ اَلْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ وَ دُنُوٌّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ أَلاَ وَ إِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ اَلصَّالِحِينَ لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً وَ يُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً وَ يَصْدَعَ شَعْباً وَ يَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ اَلنَّاسِ لاَ يُبْصِرُ اَلْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ اَلْقَيْنِ اَلنَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ وَ يُغْبَقُونَ كَأْسَ اَلْحِكْمَةِ بَعْدَ اَلصَّبُوحِ يذكر ع قوما من فرق الضلال أخذوا يمينا و شمالا أي ضلوا عن الطريق الوسطى التي هي منهاج الكتاب و السنة و ذلك لأن كل فضيلة و حق فهو محبوس بطرفين خارجين عن العدالة و هما جانبا الإفراط و التفريط كالفطانة التي هي محبوسة

[ 127 ]

بالجربزة و الغباوة و الشجاعة التي هي محبوسة بالتهور و الجبن و الجود المحبوس بالتبذير و الشح فمن لم يقع على الطريق الوسطى و أخذ يمينا و شمالا فقد ضل . ثم فسر قوله أخذ يمينا و شمالا فقال ظعنوا ظعنا في مسالك الغي و تركوا مذاهب الرشد تركا و نصب تركا و ظعنا على المصدرية و العامل فيهما من غير لفظهما و هو قوله أخذوا . ثم نهاهم عن استعجال ما هو معد و لا بد من كونه و وجوده و إنما سماه كائنا لقرب كونه كما قال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و نهاهم أن يستبطئوا ما يجي‏ء في الغد لقرب وقوعه كما قال

و إن غدا للناظرين قريب

و قال الآخر

غد ما غد ما أقرب اليوم من غد

و قال تعالى إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ . ثم قال كم من مستعجل أمرا و يحرص عليه فإذا حصل ود أنه لم يحصل قال أبو العتاهية

من عاش لاقى ما يسوء
من الأمور و ما يسر
و لرب حتف فوقه
ذهب و ياقوت و در

و قال آخر

فلا تتمنين الدهر شيئا
فكم أمنية جلبت منية

[ 128 ]

و قال تعالى وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ و تباشير الصبح أوائله . ثم قال يا قوم قد دنا وقت القيامة و ظهور الفتن التي تظهر أمامها . و إبان الشي‏ء بالكسر و التشديد وقته و زمانه و كنى عن تلك الأهوال بقوله و دنو من طلعة ما لا تعرفون لأن تلك الملاحم و الأشراط الهائلة غير معهود مثلها نحو دابة الأرض و الدجال و فتنته و ما يظهر على يده من المخاريق و الأمور الموهمة و واقعة السفياني و ما يقتل فيها من الخلائق الذين لا يحصى عددهم . ثم ذكر أن مهدي آل محمد ص و هو الذي عنى بقوله و إن من أدركها منا يسري في ظلمات هذه الفتن بسراج منير و هو المهدي و أتباع الكتاب و السنة . و يحذو فيها يقتفي و يتبع مثال الصالحين ليحل في هذه الفتن و ربقا أي حبلا معقودا . و يعتق رقا أي يستفك أسرى و ينقذ مظلومين من أيدي ظالمين و يصدع شعبا أي يفرق جماعة من جماعات الضلال و يشعب صدعا يجمع ما تفرق من كلمة أهل الهدى و الإيمان . قوله ع في سترة عن الناس هذا الكلام يدل على استتار هذا الإنسان المشار إليه و ليس ذلك بنافع للإمامية في مذهبهم و إن ظنوا أنه تصريح بقولهم و ذلك لأنه من الجائز أن يكون هذا الإمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان و يكون مستترا مدة و له دعاة يدعون إليه و يقررون أمره ثم يظهر بعد ذلك الاستتار و يملك الممالك

[ 129 ]

و يقهر الدول و يمهد الأرض كما ورد في قوله لا يبصر القائف أي هو في استتار شديد لا يدركه القائف و هو الذي يعرف الآثار و الجمع قافة و لا يعرف أثره و لو استقصى في الطلب و تابع النظر و التأمل . و يقال شحذت السكين أشحذه شحذا أي حددته يريد ليحرضن في هذه الملاحم قوم على الحرب و قتل أهل الضلال و لتشحذن عزائمهم كما يشحذ الصيقل السيف و يرقق حده . ثم وصف هؤلاء القوم المشحوذي العزائم فقال تجلى بصائرهم بالتنزيل أي يكشف الرين و الغطاء عن قلوبهم بتلاوة القرآن و إلهامهم تأويله و معرفة أسراره . ثم صرح بذلك فقال و يرمى بالتفسير في مسامعهم أي يكشف لهم الغطاء و تخلق المعارف في قلوبهم و يلهمون فهم الغوامض و الأسرار الباطنة و يغبقون كأس الحكم بعد الصبوح أي لا تزال المعارف الربانية و الأسرار الإلهية تفيض عليهم صباحا و مساء فالغبوق كناية عن الفيض الحاصل لهم في الآصال و الصبوح كناية عما يحصل لهم منه في الغدوات و هؤلاء هم العارفون الذين جمعوا بين الزهد و الحكمة و الشجاعة و حقيق بمثلهم أن يكونوا أنصارا لولي الله الذي يجتبيه و يخلقه في آخر أوقات الدنيا فيكون خاتمة أوليائه و الذي يلقى عصا التكليف عنده : مِنْهَا وَ طَالَ اَلْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا اَلْخِزْيَ وَ يَسْتَوْجِبُوا اَلْغِيَرَ حَتَّى إِذَا اِخْلَوْلَقَ

[ 130 ]

اَلْأَجَلُ وَ اِسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى اَلْفِتَنِ وَ اِشْتَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اَللَّهِ بِالصَّبْرِ وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي اَلْحَقِّ حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ اَلْقَضَاءِ اِنْقِطَاعَ مُدَّةِ اَلْبَلاَءِ حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ هذا الكلام يتصل بكلام قبله لم يذكره الرضي رحمه الله و هو وصف فئة ضالة قد استولت و ملكت و أملى لها الله سبحانه قال ع و طال الأمد بهم ليستكملوا الخزي و يستوجبوا الغير أي النعم التي يغيرها بهم من نعم الله سبحانه كما قال وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً و كما قال تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . حتى إذا اخلولق الأجل أي قارب أمرهم الانقضاء من قولك اخلولق السحاب أي استوى و صار خليقا بأن يمطر و اخلولق الرسم استوى مع الأرض . و استراح قوم إلى الفتن أي صبا قوم من شيعتنا و أوليائنا إلى هذه الفئة و استراحوا إلى ضلالها و فتنتها و اتبعوها . و اشتالوا عن لقاح حربهم أي رفعوا أيديهم و سيوفهم عن أن يشبوا الحرب بينهم و بين هذه الفئة مهادنة لها و سلما و كراهية للقتال يقال شال فلان كذا أي رفعه و اشتال افتعل هو في نفسه كقولك حجم زيد عمرا و احتجم هو نفسه و لقاح حربهم هو بفتح اللام مصدر من لقحت الناقة . قوله لم يمنوا هذا جواب قوله حتى إذا و الضمير في يمنوا راجع إلى

[ 131 ]

العارفين الذين تقدم ذكرهم في الفصل السابق ذكره يقول حتى إذا ألقى هؤلاء السلام إلى هذه الفئة عجزا عن القتال و استراحوا من منابذتهم بدخولهم في ضلالتهم و فتنتهم إما تقية منهم أو لشبهة دخلت عليهم أنهض الله تعالى هؤلاء العارفين الشجعان الذين خصهم بحكمته و أطلعهم على أسرار ملكوته فنهضوا و لم يمنوا على الله تعالى بصبرهم و لم يستعظموا أن يبذلوا في الحق نفوسهم قال حتى إذا وافق قضاء الله تعالى و قدره كي ينهض هؤلاء بقضاء الله و قدره في انقضاء مدة تلك الفئة و ارتفاع ما كان شمل الخلق من البلاء بملكها و إمرتها حمل هؤلاء العارفون بصائرهم على أسيافهم و هذا معنى لطيف يعني أنهم أظهروا بصائرهم و عقائدهم و قلوبهم للناس و كشفوها و جردوها من أجفانها مع تجريد السيوف من أجفانها فكأنها شي‏ء محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف و لا ريب أن السيوف المجردة من أجلى الأجسام للأبصار فكذلك ما يكون محمولا عليها و من الناس من فسر هذا الكلام فقال أراد بالبصائر جمع بصيرة و هو الدم فكأنه أراد طلبوا ثأرهم و الدماء التي سفكتها هذه الفئة و كأن تلك الدماء المطلوب ثأرها محمولة على أسيافهم التي جردوها للحرب و هذا اللفظ قد قاله بعض الشعراء المتقدمين بعينه

راحوا بصائرهم على أكتافهم
و بصيرتي يعدو بها عتد وأى

و فسره أبو عمرو بن العلاء فقال يريد أنهم تركوا دم أبيهم و جعلوه خلفهم أي لم يثأروا به و أنا طلبت ثأري و كان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول في هذا البيت البصيرة الترس أو الدرع و يرويه حملوا بصائرهم

[ 132 ]

حَتَّى إِذَا قَبَضَ اَللَّهُ رَسُولَهُ رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى اَلْأَعْقَابِ وَ غَالَتْهُمُ اَلسُّبُلُ وَ اِتَّكَلُوا عَلَى اَلْوَلاَئِجِ وَ وَصَلُوا غَيْرَ اَلرَّحِمِ وَ هَجَرُوا اَلسَّبَبَ اَلَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ وَ نَقَلُوا اَلْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي اَلْحَيْرَةِ وَ ذَهَلُوا فِي اَلسَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى اَلدُّنْيَا رَاكِنٍ أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ رجعوا على الأعقاب تركوا ما كانوا عليه قال سبحانه وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً . و غالتهم السبل أهلكهم اختلاف الآراء و الأهواء غاله كذا أي أهلكه و السبل الطرق . و الولائج جمع وليجة و هي البطانة يتخذها الإنسان لنفسه قال سبحانه وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً . و وصلوا غير الرحم أي غير رحم رسول الله ص فذكرها ع

[ 133 ]

ذكرا مطلقا غير مضاف للعلم بها كما يقول القائل أهل البيت فيعلم السامع أنه أراد أهل بيت الرسول . و هجروا السبب يعني أهل البيت أيضا و هذه إشارة إلى

قول النبي ص خلفت فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فعبر أمير المؤمنين عن أهل البيت بلفظ السبب لما كان النبي ص قال حبلان و السبب في اللغة الحبل . عنى بقوله أمروا بمودته قول الله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ . قوله و نقلوا البناء عن رص أساسه الرص مصدر رصصت الشي‏ء أرصه أي ألصقت بعضه ببعض و منه قوله تعالى كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ و تراص القوم في الصف أي تلاصقوا فبنوه في غير موضعه و نقلوا الأمر عن أهله إلى غير أهله . ثم ذمهم ع و قال إنهم معادن كل خطيئة و أبواب كل ضارب في غمرة الغمرة الضلال و الجهل و الضارب فيها الداخل المعتقد لها . قد ماروا في الحيرة مار يمور إذا ذهب و جاء فكأنهم يسبحون في الحيرة كما يسبح الإنسان في الماء . و ذهل فلان بالفتح يذهل على سنة من آل فرعون أي على طريقة و آل فرعون أتباعه قال تعالى أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذابِ

[ 134 ]

من منقطع إلى الدنيا لا هم له غيرها راكن مخلد إليها قال الله تعالى وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أو مفارق للدين مباين مزايل . فإن قلت أي فرق بين الرجلين و هل يكون المنقطع إلى الدنيا إلا مفارقا للدين قلت قد يكون في أهل الضلال من هو مفارق للدين مباين و ليس براكن إلى الدنيا و لا منقطع إليها كما نرى كثيرا من أحبار النصارى و رهبانهم . فإن قلت أ ليس هذا الفصل صريحا في تحقيق مذهب الإمامية قلت لا بل نحمله على أنه عنى ع أعداءه الذين حاربوه من قريش و غيرهم من أفناء العرب في أيام صفين و هم الذين نقلوا البناء و هجروا السبب و وصلوا غير الرحم و اتكلوا على الولائج و غالتهم السبل و رجعوا على الأعقاب كعمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و مروان بن الحكم و الوليد بن عقبة و حبيب بن مسلمة و بسر بن أرطاة و عبد الله بن الزبير و سعيد بن العاص و حوشب و ذي الكلاع و شرحبيل بن السمط و أبي الأعور السلمي و غيرهم ممن تقدم ذكرنا له في الفصول المتعلقة بصفين و أخبارها فإن هؤلاء نقلوا الإمامة عنه ع إلى معاوية فنقلوا البناء عن رص أصله إلى غير موضعه . فإن قلت لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأولته لأنه قال ع حتى إذا قبض الله رسوله رجع قوم على الأعقاب فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرسول ص و ما ذكرته أنت كان بعد قبض الرسول بنيف و عشرين سنة . قلت ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لما مات رسول الله ص و أضمروا في أنفسهم مشاقة أمير المؤمنين و أذاه و قد كان فيهم من

[ 135 ]

يتحكك به في أيام أبي بكر و عمر و عثمان و يتعرض له و لم يكن أحد منهم و لا من غيرهم يقدم على ذلك في حياة رسول الله و لا يمتنع أيضا أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام بالكلية فإن كثيرا من أصحابنا يطعنون في إيمان بعض من ذكرناه و يعدونهم من المنافقين و قد كان سيف رسول الله ص يقمعهم و يردعهم عن إظهار ما في أنفسهم من النفاق فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك خصوصا فيما يتعلق بأمير المؤمنين الذي ورد في حقه ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ببغض علي بن أبي طالب و هو خبر محقق مذكور في الصحاح . فإن قلت يمنعك من هذا التأويل قوله و نقلوا البناء عن رص أساسه فجعلوه في غير موضعه و ذلك لأن إذا ظرف و العامل فيها قوله رجع قوم على الأعقاب و قد عطف عليه قوله و نقلوا البناء فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في الظرف المذكور و هو وقت قبض الرسول وجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في ذلك الوقت أيضا لأن أحد الفعلين معطوف على الآخر و لم ينقل أحد وقت قبض الرسول ص البناء إلى معاوية عن أمير المؤمنين ع و إنما نقل عنه إلى شخص آخر و في إعطاء العطف حقه إثبات مذهب الإمامية صريحا . قلت إذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا وقت قبض النبي ص فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظرف و لا يجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في تلك الحال أيضا بل يجوز أن يكون واقعا في زمان آخر إما بأن تكون الواو للاستئناف لا للعطف أو بأن تكون للعطف في مطلق الحدث لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزمان المخصوص كقوله تعالى حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ

[ 136 ]

يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ فالعامل في الظرف استطعما و يجب أن يكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة و لا يجب أن تكون جميع الأفعال المذكورة المعطوفة واقعة حال الإتيان أيضا أ لا ترى أن من جملتها فأقامه و لم يكن إقامة الجدار حال إتيانهما القرية بل متراخيا عنه بزمان ما اللهم إلا أن يقول قائل أشار بيده إلى الجدار فقام أو قال له قم فقام لأنه لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنا للإتيان إلا على هذا الوجه و هذا لم يكن و لا قاله مفسر و لو كان قد وقع على هذا الوجه لما قال له لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً لأن الأجر إنما يكون على اعتمال عمل فيه مشقة و إنما يكون فيه مشقة إذا بناه بيده و باشره بجوارحه و أعضائه . و اعلم أنا نحمل كلام أمير المؤمنين ع على ما يقتضيه سؤدده الجليل و منصبه العظيم و دينه القويم من الإغضاء عما سلف ممن سلف فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر فإما أن يكون ما كانوا فيه حقهم أو حقه فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة أو لما رآه من المصلحة و على كلا التقديرين فالواجب علينا أن نطبق بين آخر أفعاله و أقواله بالنسبة إليهم و بين أولها فإن بعد تأويل ما يتأوله من كلامه ليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد و العدل الآيات المتشابهة في القرآن و لم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الأصول المقررة فكذلك هاهنا

[ 137 ]