عقيدة علي في عثمان و رأي المعتزلة في ذلك

فإن قلت أ يجوز على مذهب المعتزلة أن يقال إنه ع كان ينتظر قتل عثمان انتظار المجدب المطر و هل هذا إلا محض مذهب الشيعة . قلت إنه ع لم يقل و انتظرنا قتله و إنما انتظر الغير فيجوز أن يكون أراد انتظار خلعه و عزله عن الخلافة فإن عليا ع عند أصحابنا كان يذهب إلى أن عثمان استحق الخلع بإحداثه و لم يستحق القتل و هذا الكلام إذا حمل على انتظار الخلع كان موافقا لمذهب أصحابنا .

[ 154 ]

فإن قلت أ تقول المعتزلة إن عليا كان يذهب إلى فسق عثمان المستوجب لأجله الخلع قلت كلا حاش لله أن تقول المعتزلة ذلك و إنما تقول إن عليا كان يرى أن عثمان يضعف عن تدبير الخلافة و أن أهله غلبوا عليه و استبدوا بالأمر دونه و استعجزه المسلمون و استسقطوا رأيه فصار حكمه حكم الإمام إذا عمي أو أسره العدو فإنه ينخلع من الإمامة . ثم قال ع الأئمة قوام الله على خلقه أي يقومون بمصالحهم و قيم المنزل هو المدبر له . قال و عرفاؤه على عباده جمع عريف و هو النقيب و الرئيس يقال عرف فلان بالضم عرافة بالفتح مثل خطب خطابة أي صار عريفا و إذا أردت أنه عمل ذلك قلت عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة بالكسر مثل كتب يكتب كتابة . قال و لا يدخل الجنة إلا من عرفهم و عرفوه و لا يدخل النار إلا من أنكرهم و أنكروه هذا إشارة إلى قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال المفسرون ينادى في الموقف يا أتباع فلان و يا أصحاب فلان فينادى كل قوم باسم إمامهم يقول أمير المؤمنين ع لا يدخل الجنة يومئذ إلا من كان في الدنيا عارفا بإمامه و من يعرفه إمامه في الآخرة فإن الأئمة تعرف أتباعها يوم القيامة و إن لم يكونوا رأوهم في الدنيا كما أن النبي ص يشهد للمسلمين و عليهم و إن لم يكن رأى أكثرهم قال سبحانه فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً و

جاء في الخبر

[ 155 ]

المرفوع من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية و أصحابنا كافة قائلون بصحة هذه القضية و هي أنه لا يدخل الجنة إلا من عرف الأئمة أ لا ترى أنهم يقولون الأئمة بعد رسول الله ص فلان و فلان و يعدونهم واحدا واحدا فلو أن إنسانا لا يقول بذلك لكان عندهم فاسقا و الفاسق لا يدخل الجنة عندهم أبدا أعني من مات على فسقه فقد ثبت أن هذه القضية و هي قوله ع لا يدخل الجنة إلا من عرفهم قضية صحيحة على مذهب المعتزلة و ليس قوله و عرفوه بمنكر عند أصحابنا إذا فسرنا قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ على ما هو الأظهر و الأشهر من التفسيرات و هو ما ذكرناه . و بقيت القضية الثانية ففيها الإشكال و هي قوله ع و لا يدخل النار إلا من أنكرهم و أنكروه و ذلك أن لقائل أن يقول قد يدخل النار من لم ينكرهم مثل أن يكون إنسان يعتقد صحة إمامة القوم الذين يذهب أنهم أئمة عند المعتزلة ثم يزني أو يشرب الخمر من غير توبة فإنه يدخل النار و ليس بمنكر للأئمة فكيف يمكن الجمع بين هذه القضية و بين الاعتزال فالجواب أن الواو في قوله و أنكروه بمعنى أو كما في قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فالإنسان المفروض في السؤال و إن كان لا ينكر الأئمة إلا أنهم ينكرونه أي يسخطون يوم القيامة أفعاله يقال أنكرت فعل فلان أي كرهته فهذا هو تأويل الكلام على مذهبنا فأما الإمامية فإنهم يحملون ذلك على تأويل آخر و يفسرون قوله و لا يدخل النار فيقولون أراد و لا يدخل النار دخولا مؤبدا إلا من ينكرهم و ينكرونه .

[ 156 ]

ثم ذكر ع شرف الإسلام و قال إنه مشتق من السلامة و إنه جامع للكرامة و إن الله قد بين حججه أي الأدلة على صحته . ثم بين ما هذه الأدلة فقال من ظاهر علم و باطن حكم أي حكمه من هاهنا للتبيين و التفسير كما تقول دفعت إليه سلاحا من سيف و رمح و سهم و يعني بظاهر علم و باطن حكم و القرآن أ لا تراه كيف أتى بعده بصفات و نعوت لا تكون إلا للقرآن من قوله لا تفنى عزائمه أي آياته المحكمة و براهينه العازمة أي القاطعة و لا تنقضي عجائبه لأنه مهما تأمله الإنسان استخرج منه بفكر غرائب عجائب لم تكن عنده من قبل . فيه مرابيع النعم المرابيع الأمطار التي تجي‏ء في أول الربيع فتكون سببا لظهور الكلأ و كذلك تدبر القرآن سبب للنعم الدينية و حصولها . قوله قد أحمى حماه و أرعى مرعاه الضمير في أحمى يرجع إلى الله تعالى أي قد أحمى الله حماه أي عرضه لأن يحمى كما تقول أ قتلت الرجل أي عرضته لأن يقتل و أ ضربته أي عرضته لأن يضرب أي قد عرض الله تعالى حمى القرآن و محارمه لأن يجتنب و مكن منها و عرض مرعاه لأن يرعى أي مكن من الانتفاع بما فيه من الزواجر و المواعظ لأنه خاطبنا بلسان عربي مبين و لم يقنع ببيان ما لا نعلم إلا بالشرع حتى نبه في أكثره على أدلة العقل

[ 157 ]