فصل في ذكر بعض غرائب الطيور و ما فيها من عجائب

و اعلم أنه ع قد أتى بالعلة الطبيعية في عدم إبصارها نهارا و هو انفعال حاسة بصرها عن الضوء الشديد و قد يعرض مثل ذلك لبعض الناس و هو المرض المسمى روز كور أي أعمى النهار و يكون ذلك عن إفراط التحلل في الروح النوري فإذا لقي حر النهار أصابه قمر ثم يستدرك ذلك برد الليل فيزول فيعود الإبصار .

[ 184 ]

و أما طيرانها من غير ريش فإنه ليس بذلك الطيران الشديد و إنما هو نهوض و خفة أفادها الله تعالى إياه بواسطة الطبيعة و التصاق الولد بها لأنها تضمه إليها بالطبع و ينضم إليها كذلك و تستعين على ضمه برجليها و بقصر المسافة و جملة الأمر أنه تعجب من عجيب و في الأحاديث العامية قيل للخفاش لما ذا لا جناح لك قال لأني تصوير مخلوق قيل فلما ذا لا تخرج نهارا قال حياء من الطيور يعنون أن المسيح ع صوره و أن إليه الإشارة بقوله تعالى وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي . و في الطير عجائب و غرائب لا تهتدي العقول إليها و يقال إن ضربين من الحيوان أصمان لا يسمعان و هما النعام و الأفاعي . و تقول العرب إن الظليم يسمع بعينه و أنفه لا يحتاج معهما إلى حاسة أخرى و الكراكي يجمعها أمير لها كيعسوب النحل و لا يجمعها إلا أزواجا و العصافير آلفة للناس آنسة بهم لا تسكن دارا حتى يسكنها إنسان و متى سكنتها لم تقم فيها إذا خرج الإنسان منها فبفراقه تفارق و بسكناه تسكن و يذكر أهل البصرة أنه إذا كان زمن الخروج إلى البساتين لم يبق في البصرة عصفور إلا خرج إليها إلا ما أقام على بيضه و فراخه و قد يدرب العصفور فيستجيب من المكان البعيد و يرجع . و قال شيخنا أبو عثمان بلغني أنه درب فيرجع من ميل و ليس في الأرض رأس أشبه برأس الحية من رأس العصفور و ليس في الحيوان الذي يعايش الناس أقصر عمرا منه قيل لأجل السفاد الذي يستكثر منه و يتميز الذكر من الأنثى في العصافير تميز الديك

[ 185 ]

من الدجاجة لأن له لحية و لا شي‏ء أحنى على ولده منه و إذا عرض له شي‏ء صاح فأقبلت إليه العصافير يساعدنه و ليس لشي‏ء في مثل جسم العصفور من شدة وطئه إذا مشى أو على السطح ما للعصفور فإنك إذا كنت تحت السطح و وقع حسبت وقعته وقعة حجر و ذكور العصافير لا تعيش إلا سنة و كثيرا ما تجلب الحيات إلى المنازل لأن الحيات تتبعها حرصا على ابتلاع بيضها و فراخها . و يقال إن الدجاجة إذا باضت بيضتين في يوم واحد و تكرر ذلك ماتت و إذا هرمت الدجاجة لم يكن لأواخر ما تبيضه صفرة و إذا لم يكن للبيضة مح لم يخلق فيها فروج لأن غذاءه المح ما دام في البيضة و قد يكون للبيضة محان فتنفقص عن فروجين يخلقان من البياض و يغتذيان بالمحين لأن الفراريج تخلق من البياض و تغتذي بالصفرة و كل ديك فإنه يلتقط الحبة فيحذف بها إلى الدجاجة سماحا و إيثارا و لهذا قالوا أسمح من لاقطة يعنون الديكة إلا ديكة مرو بخراسان فإنها تطرد دجاجها عن الحب و تنزعه من أفواهها فتبتلعه . و الحمامة بلهاء و في أمثالهم أحمق من حمامة و هي مع حمقها مهتدية إلى مصالح نفسها و فراخها . قال ابن الأعرابي قلت لشيخ من العرب من علمك هذا قال علمني الذي علم الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن . و الهداية في الحمام لا تكون إلا في الخضر و السمر فأما الأسود الشديد السواد فهو كالزنجي القليل المعرفة و الأبيض ضعيف القوة و إذا خرج الجوزل عن بيضته علم أبواه أن حلقه لا يتسع للغذاء فلا يكون لهما هم إلا أن ينفخا في حلقه الريح لتتسع حوصلته بعد التحامها ثم يعلمن أنه لا يحتمل في أول اغتذائه أن يزق بالطعم فيزقانه باللعاب المختلط

[ 186 ]

بقواهما و قوى الطعم ثم يعلمان أن حوصلته تحتاج إلى دباغ فيأكلان من شورج أصول الحيطان و هو شي‏ء من الملح الخالص و التراب فيزقانه به فإذا علما أنه قد اندبغ زقاه بالحب الذي قد غب في حواصلهما ثم بالذي هو أطرى فأطرى حتى يتعود فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج و يتشوف فتطلبه نفسه و يحرص عليه فإذا فطماه و بلغا منتهى حاجته إليهما نزع الله تلك الرحمة منهما و أقبل بهما على طلب نسل آخر . و يقال إن حية أكلت بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر على رأسها و يدنو منها حتى دلعت الحية لسانها و فتحت فاها تريده و تهم به فألقى فيها حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت . و من دعاء الصالحين يا رزاق النعاب في عشه و ذلك أن الغراب إذا فقص عن فراخه فقص عنها بيض الألوان فينفر عنها و لا يزقها فتنفتح أفواهها فيأتيها ذباب يتساقط في أفواهها فيكون غذاءها إلى أن تسود فينقطع الذباب عنها و يعود الغراب إليها فيأنس بها و يغذيها . و الحبارى تدبق جناح الصقر بذرقها ثم يجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة حتى يموت و لذلك يحاول الحبارى العلو عليه و يحاول هو العلو عليها و لا يتجاسر أن يدنو منها متسفلا عنها و يقال إن الحبارى تموت كمدا إذا انحسر عنها ريشها و رأت صويحباتها تطير .

[ 187 ]

و كل الطير يتسافد بالأستاه إلا الحجل فإن الحجلة تكون في سفالة الريح و اليعقوب في علاوتها فتلقح منه كما تلقح النخلة من الفحال بالريح . و الحبارى شديد الحمق يقال إنها أحمق الطير و هي أشد حياطة لبيضها و فراخها . و العقعق مع كونه أخبث الطير و أصدقها خبثا و أشدها حذرا ليس في الأرض طائر أشد تضييعا لبيضه و فراخه منه . و من الطير ما يؤثر التفرد كالعقاب و منه ما يتعايش زوجا كالقطا . و الظليم يبتلع الحديد المحمى ثم يميعه في قانصته حتى يحيله كالماء الجاري و في ذلك أعجوبتان التغذي بما لا يغذى به و استمراؤه و هضمه شيئا لو طبخ بالنار أبدا لما انحل . و كما سخر الحديد لجوف الظليم فأحاله سخر الصخر الأصم لأذناب الجراد إذا أراد أن يلقي بيضه غرس ذنبه في أشد الأرض صلابة فانصدع له و ذلك من فعل الطبيعة بتسخير الصانع القديم سبحانه كما أن عود الحلفاء الرخو الدقيق المنبت يلقى في نباته الآجر و الخزف الغليظ فيثقبه . و قد رأيت في مسناة سور بغداد في حجر صلد نبعة نبات قد شقت و خرجت من موضع لو حاول جماعة أن يضربوه بالبيارم الشديدة مدة طويلة لم يؤثر فيه أثرا . و قد قيل إن إبرة العقرب أنفذ في الطنجير و الطست . و في الظليم شبه من البعير من جهة المنسم و الوظيف و العنق و الخزامة التي في أنفه

[ 188 ]

و شبه من الطائر من جهة الريش و الجناحين و الذنب و المنقار ثم إن ما فيه من شبه الطير جذبه إلى البيض و ما فيه من شبه البعير لم يجذبه إلى الولادة . و يقال إن النعامة مع عظم عظامها و شدة عدوها لا مخ فيها و أشد ما يكون عدوها أن تستقبل الريح فكلما كان أشد لعصوفها كان أشد لحضرها تضع عنقها على ظهرها ثم تخرق الريح و من أعاجيبها أن الصيف إذا دخل و ابتدأ البسر في الحمرة ابتدأ لون وظيفها في الحمرة فلا يزالان يزدادان حمرة إلى أن تنتهي حمرة البسر و لذلك قيل للظليم خاضب و من العجب أنها لا تأنس بالطير و لا بالإبل مع مشاكلتها للنوعين و لا يكاد يرى بيضها مبددا البتة بل تصفه طولا صفا مستويا على غاية الاستواء حتى لو مددت عليه خيط المسطر لما وجدت لبعضه خروجا عن البعض ثم تعطي لكل واحدة نصيبها من الحضن . و الذئب لا يعرض لبيض النعام ما دام الأبوان حاضرين فإنهما متى نقفاه ركبه الذكر فطحره و أدركته الأنثى فركضته ثم أسلمته إلى الذكر و ركبته عوضه فلا يزالان يفعلان به ذلك حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا و النعام قد يتخذ في الدور و ضرره شديد لأن النعامة ربما رأت في أذن الجارية قرطا فيه حجر أو حبة لؤلؤ فخطفته و أكلته و خرمت الأذن أو رأت ذلك في لبتها فضربت بمنقارها اللبة فخرقتها

[ 189 ]