ذكر يوم الجمل و مسير عائشة إلى القتال

و روى أبو مخنف قال حدثنا إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس و روى جرين بن يزيد عن عامر الشعبي و روى محمد بن إسحاق عن حبيب بن عمير قالوا جميعا لما خرجت عائشة و طلحة و الزبير من مكة إلى البصرة طرقت ماء الحوأب و هو ماء لبني عامر بن صعصعة فنبحتهم الكلاب فنفرت صعاب إبلهم فقال قائل منهم لعن الله الحوأب فما أكثر كلابها فلما سمعت عائشة ذكر الحوأب قالت أ هذا ماء الحوأب قالوا نعم فقالت ردوني ردوني فسألوها ما شأنها ما بدا لها

فقالت إني سمعت رسول الله ص يقول كأني بكلاب

[ 311 ]

ماء يدعى الحوأب قد نبحت بعض نسائي ثم قال لي إياك يا حميراء أن تكونيها فقال لها الزبير مهلا يرحمك الله فإنا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثيرة فقالت أ عندك من يشهد بأن هذه الكلاب النابحة ليست على ماء الحوأب فلفق لها الزبير و طلحة خمسين أعرابيا جعلا لهم جعلا فحلفوا لها و شهدوا أن هذا الماء ليس بماء الحوأب فكانت هذه أول شهادة زور في الإسلام فسارت عائشة لوجهها .

قال أبو مخنف و حدثنا عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ص قال يوما لنسائه و هن عنده جميعا ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها و شمالها قتلى كثيرة كلهم في النار و تنجو بعد ما كادت . قلت و أصحابنا المعتزلة رحمهم الله يحملون قوله ع و تنجو على نجاتها من النار و الإمامية يحملون ذلك على نجاتها من القتل و محملنا أرجح لأن لفظة في النار أقرب إليه من لفظة القتلى و القرب معتبر في هذا الباب أ لا ترى أن نحاة البصريين أعملوا أقرب العاملين نظرا إلى القرب . قال أبو مخنف و حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن الزبير و طلحة أغذا السير بعائشة حتى انتهوا إلى حفر أبي موسى الأشعري و هو قريب من البصرة و كتبا إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و هو عامل علي ع على البصرة أن أخل لنا دار الإمارة فلما وصل كتابهما إليه بعث الأحنف بن قيس فقال له إن هؤلاء القوم قدموا علينا و معهم زوجة رسول الله و الناس إليها سراع كما ترى فقال الأحنف

[ 312 ]

إنهم جاءوك بها للطلب بدم عثمان و هم الذين ألبوا على عثمان الناس و سفكوا دمه و أراهم و الله لا يزايلون حتى يلقوا العداوة بيننا و يسفكوا دماءنا و أظنهم و الله سيركبون منك خاصة ما لا قبل لك به إن لم تتأهب لهم بالنهوض إليهم فيمن معك من أهل البصرة فإنك اليوم الوالي عليهم و أنت فيهم مطاع فسر إليهم بالناس و بادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة فيكون الناس لهم أطوع منهم لك . فقال عثمان بن حنيف الرأي ما رأيت لكنني أكره الشر و أن أبدأهم به و أرجو العافية و السلامة إلى أن يأتيني كتاب أمير المؤمنين و رأيه فأعمل به ثم أتاه بعد الأحنف حكيم بن جبلة العبدي من بني عمرو بن وديعة فأقرأه كتاب طلحة و الزبير فقال له مثل قول الأحنف و أجابه عثمان بمثل جوابه للأحنف فقال له حكيم فأذن لي حتى أسير إليهم بالناس فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين و إلا نابذتهم على سواء . فقال عثمان لو كان ذلك رأيي لسرت إليهم نفسي قال حكيم أما و الله إن دخلوا عليك هذا المصر لينتقلن قلوب كثير من الناس إليهم و ليزيلنك عن مجلسك هذا و أنت أعلم فأبى عليه عثمان .

قال و كتب علي إلى عثمان لما بلغه مشارفة القوم البصرة من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف أما بعد فإن البغاة عاهدوا الله ثم نكثوا و توجهوا إلى مصرك و ساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى الله به و الله أشد بأسا و أشد تنكيلا فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة و الرجوع إلى الوفاء بالعهد و الميثاق الذي فارقونا عليه فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا

[ 313 ]

عندك و إن أبو إلا التمسك بحبل النكث و الخلاف فناجزهم القتال حتى يحكم الله بينك و بينهم و هو خير الحاكمين و كتبت كتابي هذا إليك من الربذة و أنا معجل المسير إليك إن شاء الله . و كتبه عبيد الله بن أبي رافع في سنة ست و ثلاثين . قال فلما وصل كتاب علي ع إلى عثمان أرسل إلى أبي الأسود الدؤلي و عمران بن الحصين الخزاعي فأمرهما أن يسيرا حتى يأتياه بعلم القوم و ما الذي أقدمهم فانطلقا حتى إذا أتيا حفر أبي موسى و به معسكر القوم فدخلا على عائشة فنالاها و وعظاها و أذكراها و ناشداها الله فقالت لهما القيا طلحة و الزبير فقاما من عندها و لقيا الزبير فكلماه فقال لهما إنا جئنا للطلب بدم عثمان و ندعو الناس إلى أن يردوا أمر الخلافة شورى ليختار الناس لأنفسهم فقالا له إن عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها و أنت تعلم قتلة عثمان من هم و أين هم و إنك و صاحبك و عائشة كنتم أشد الناس عليه و أعظمهم إغراء بدمه فأقيدوا من أنفسكم و أما إعادة أمر الخلافة شورى فكيف و قد بايعتم عليا طائعين غير مكرهين و أنت يا أبا عبد الله لم يبعد العهد بقيامك دون هذا الرجل يوم مات رسول الله ص و أنت آخذ قائم سيفك تقول ما أحد أحق بالخلافة منه و لا أولى بها منه و امتنعت من بيعة أبي بكر فأين ذلك الفعل من هذا القول . فقال لهما اذهبا فالقيا طلحة فقاما إلى طلحة فوجداه أخشن الملمس شديد العريكة قوي العزم في إثارة الفتنة و إضرام نار الحرب فانصرفا إلى عثمان بن حنيف فأخبراه و قال له أبو الأسود

يا ابن حنيف قد أتيت فانفر
و طاعن القوم و جالد و اصبر

[ 314 ]

و ابرز لها مستلئما و شمر

فقال ابن حنيف إي و الحرمين لأفعلن و أمر مناديه فنادى في الناس السلاح السلاح فاجتمعوا إليه و قال أبو الأسود

أتينا الزبير فدانى الكلام
و طلحة كالنجم أو أبعد
و أحسن قوليهما فادح
يضيق به الخطب مستنكد
و قد أوعدونا بجهد الوعيد
فأهون علينا بما أوعدوا
فقلنا ركضتم و لم ترملوا
و أصدرتم قبل أن توردوا
فإن تلقحوا الحرب بين الرجال
فملقحها حده الأنكد
و إن عليا لكم مصحر
ألا إنه الأسد الأسود
أما إنه ثالث العابدين
بمكة و الله لا يعبد
فرخوا الخناق و لا تعجلوا
فإن غدا لكم موعد

قال و أقبل القوم فلما انتهوا إلى المربد قام رجل من بني جشم فقال أيها الناس أنا فلان الجشمي و قد أتاكم هؤلاء القوم فإن كانوا أتوكم خائفين لقد أتوكم من المكان الذي يأمن فيه الطير و الوحش و السباع و إن كانوا إنما أتوكم بطلب دم عثمان فغيرنا ولي قتله فأطيعوني أيها الناس و ردوهم من حيث أقبلوا فإنكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس و الفتنة الصماء التي لا تبقي و لا تذر . قال فحصبه ناس من أهل البصرة فأمسك . قال و اجتمع أهل البصرة إلى المربد حتى ملئوه مشاة و ركبانا فقام طلحة فأشار إلى الناس بالسكون ليخطب فسكتوا بعد جهد فقال أما بعد فإن عثمان بن عفان كان من أهل السابقة و الفضيلة و من المهاجرين الأولين الذي رضي الله عنهم و رضوا عنه

[ 315 ]

و نزل القرآن ناطقا بفضلهم و أحد أئمة المسلمين الوالين عليكم بعد أبي بكر و عمر صاحبي رسول الله ص و قد كان أحدث أحداثا نقمنا عليه فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا فعدا عليه امرؤ ابتز هذه الأمة أمرها غصبا بغير رضا منها و لا مشورة فقتله و ساعده على ذلك قوم غير أتقياء و لا أبرار فقتل محرما بريئا تائبا و قد جئناكم أيها الناس نطلب بدم عثمان و ندعوكم إلى الطلب بدمه فإن نحن أمكننا الله من قتلته قتلناهم به و جعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين و كانت خلافة رحمة للأمة جميعا فإن كل من أخذ الأمر من غير رضا من العامة و لا مشورة منها ابتزازا كان ملكه ملكا عضوضا و حدثا كثيرا . ثم قام الزبير فتكلم بمثل كلام طلحة . فقام إليهما ناس من أهل البصرة فقالوا لهما أ لم تبايعا عليا فيمن بايعه ففيم بايعتما ثم نكثتما فقالا ما بايعنا و ما لأحد في أعناقنا بيعة و إنما استكرهنا على بيعة فقال ناس قد صدقا و أحسنا القول و قطعا بالثواب و قال ناس ما صدقا و لا أصابا في القول حتى ارتفعت الأصوات . قال ثم أقبلت عائشة على جملها فنادت بصوت مرتفع أيها الناس أقلوا الكلام و اسكتوا فأسكت الناس لها فقالت إن أمير المؤمنين عثمان قد كان غير و بدل ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قتل مظلوما تائبا و إنما نقموا عليه ضربه بالسوط و تأميره الشبان و حمايته موضع الغمامة فقتلوه محرما في حرمة الشهر و حرمة البلد ذبحا كما يذبح الجمل ألا و إن قريشا رمت غرضها بنبالها و أدمت أفواهها بأيديها و ما نالت بقتلها إياه شيئا و لا سلكت به سبيلا

[ 316 ]

قاصدا أما و الله ليرونها بلايا عقيمة تنتبه النائم و تقيم الجالس و ليسلطن عليهم قوم لا يرحمونهم و يسومونهم سوء العذاب . أيها الناس إنه ما بلغ من ذنب عثمان ما يستحل به دمه مصتموه كما يماص الثوب الرحيض ثم عدوتم عليه فقتلتموه بعد توبته و خروجه من ذنبه و بايعتم ابن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة ابتزازا و غصبا تراني أغضب لكم من سوط عثمان و لسانه و لا أغضب لعثمان من سيوفكم ألا إن عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ثم اجعلوا الأمر شورى بين الرهط الذين اختارهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و لا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان . قال فماج الناس و اختلطوا فمن قائل القول ما قالت و من قائل يقول و ما هي و هذا الأمر إنما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها و ارتفعت الأصوات و كثر اللغط حتى تضاربوا بالنعال و تراموا بالحصى . ثم إن الناس تمايزوا فصاروا فريقين فريق مع عثمان بن حنيف و فريق مع عائشة و أصحابها . قال و حدثنا الأشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن أبي الخليل قال لما نزل طلحة و الزبير المربد أتيتهما فوجدتهما مجتمعين فقلت لهما ناشدتكما الله و صحبة رسول الله ص ما الذي أقدمكما أرضنا هذه فلم يتكلما فأعدت عليهما فقالا بلغنا أن بأرضكم هذه دنيا فجئنا نطلبها .

[ 317 ]

قال و قد روى محمد بن سيرين عن الأحنف بن قيس أنه لقيهما فقالا له مثل مقالتهما الأولى إنما جئنا لطلب الدنيا . و

قد روى المدائني أيضا نحوا مما روى أبو مخنف قال بعث علي ع ابن عباس يوم الجمل إلى الزبير قبل الحرب فقال له إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لكم أ لم تبايعني طائعا غير مكره فما الذي رابك مني فاستحللت به قتالي قال فلم يكن له جواب إلا أنه قال لي إنا مع الخوف الشديد لنطمع لم يقل غير ذلك

قال أبو إسحاق فسألت محمد بن علي بن الحسين ع ما تراه يعني بقوله هذا فقال أما و الله ما تركت ابن عباس حتى سألته عن هذا فقال يقول إنا مع الخوف الشديد مما نحن عليه نطمع أن نلي مثل الذي وليتم و

قال محمد بن إسحاق حدثني جعفر بن محمد ع عن أبيه عن ابن عباس قال بعثني علي ع يوم الجمل إلى طلحة و الزبير و بعث معي بمصحف منشور و إن الريح لتصفق ورقه فقال لي قل لهما هذا كتاب الله بيننا و بينكم فما تريدان فلم يكن لهما جواب إلا أن قالا نريد ما أراد كأنهما يقولان الملك فرجعت إلى علي فأخبرته . و قد روى قاضي القضاة رحمه الله في كتاب المغني عن وهب بن جرير قال قال رجل من أهل البصرة لطلحة و الزبير إن لكما فضلا و صحبة فأخبراني عن مسيركما

[ 318 ]

هذا و قتالكما أ شي‏ء أمركما به رسول الله ص أم رأي رأيتماه فأما طلحة فسكت و جعل ينكت في الأرض و أما الزبير فقال ويحك حدثنا أن هاهنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها . و جعل قاضي القضاة هذا الخبر حجة في أن طلحة تاب و أن الزبير لم يكن مصرا على الحرب و الاحتجاج بهذا الخبر على هذا المعنى ضعيف و إن صح هو و ما قبله إنه لدليل على حمق شديد و ضعف عظيم و نقص ظاهر و ليت شعري ما الذي أحوجهما إلى هذا القول و إذا كان هذا في أنفسهما فهلا كتماه . ثم نعود إلى خبرهما قال أبو مخنف فلما أقبل طلحة و الزبير من المربد يريدان عثمان بن حنيف فوجداه و أصحابه قد أخذوا بأفواه السكك فمضوا حتى انتهوا إلى موضع الدباغين فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف فشجرهم طلحة و الزبير و أصحابهما بالرماح فحمل عليهم حكيم بن جبلة فلم يزل هو و أصحابه يقاتلونهم حتى أخرجوهم من جميع السكك و رماهم النساء من فوق البيوت بالحجارة فأخذوا إلى مقبرة بني مازن فوقفوا بها مليا حتى ثابت إليهم خيلهم ثم أخذوا على مسناة البصرة حتى انتهوا إلى الرابوقة ثم أتوا سبخة دار الرزق فنزلوها . قال و أتاهما عبد الله بن حكيم التميمي لما نزلا السبخة بكتب كانا كتباها إليه فقال لطلحة يا أبا محمد أ ما هذا كتبك إلينا قال بلى قال فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان و قتله حتى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه فلعمري ما هذا رأيك لا تريد إلا هذه الدنيا مهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من علي ما عرض عليك من البيعة

[ 319 ]

فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعتك ثم جئت لتدخلنا في فتنتك فقال إن عليا دعاني إلى بيعته بعد ما بايع الناس فعلمت لو لم أقبل ما عرضه علي لم يتم لي ثم يغرى بي من معه . قال ثم أصبحنا من غد فصفا للحرب و خرج عثمان بن حنيف إليهما في أصحابه فناشدهما الله و الإسلام و أذكرهما بيعتهما عليا ع فقالا نطلب بدم عثمان فقال لهما و ما أنتما و ذاك أين بنوه أين بنو عمه الذين هم أحق به منكم كلا و الله و لكنكما حسدتماه حيث اجتمع الناس عليه و كنتما ترجوان هذا الأمر و تعملان له و هل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما فشتماه شتما قبيحا و ذكرا أمه فقال للزبير أما و الله لو لا صفية و مكانها من رسول الله فإنها أدنتك إلى الظل و أن الأمر بيني و بينك يا ابن الصعبة يعني طلحة أعظم من القول لأعلمتكما من أمركما ما يسوءكما اللهم إني قد أعذرت إلى هذين الرجلين . ثم حمل عليهم و اقتتل الناس قتالا شديدا ثم تحاجزوا و اصطلحوا على أن يكتب بينهم كتاب صلح فكتب . هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الأنصاري و من معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و طلحة و الزبير و من معهما من المؤمنين و المسلمين من شيعتهما أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة و الرحبة و المسجد و بيت المال و المنبر و أن لطلحة و الزبير و من معهما أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة و لا يضار بعضهم بعضا في طريق و لا فرضة و لا سوق و لا شرعة و لا مرفق حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فإن أحبوا دخلوا فيما دخلت فيه الأمة و إن أحبوا لحق كل قوم بهواهم و ما أحبوا من

[ 320 ]

قتال أو سلم أو خروج أو إقامة و على الفريقين بما كتبوا عهد الله و ميثاقه و أشد ما أخذه على نبي من أنبيائه من عهد و ذمة . و ختم الكتاب و رجع عثمان بن حنيف حتى دخل دار الإمارة و قال لأصحابه ألحقوا رحمكم الله بأهلكم و ضعوا سلاحكم و داووا جرحاكم فمكثوا كذلك أياما . ثم إن طلحة و الزبير قالا إن قدم علي و نحن على هذه الحال من القلة و الضعف ليأخذن بأعناقنا فأجمعا على مراسلة القبائل و استمالة العرب فأرسلا إلى وجوه الناس و أهل الرئاسة و الشرف يدعوانهم إلى الطلب بدم عثمان و خلع علي و إخراج ابن حنيف من البصرة فبايعهم على ذلك الأزد و ضبة و قيس بن عيلان كلها إلا الرجل و الرجلين من القبيلة كرهوا أمرهم فتواروا عنهم و أرسلوا إلى هلال بن وكيع التميمي فلم يأتهم فجاءه طلحة و الزبير إلى داره فتوارى عنهما فقالت له أمه ما رأيت مثلك أتاك شيخا قريش فتواريت عنهما فلم تزل به حتى ظهر لهما و بايعهما و معه بنو عمرو بن تميم كلهم و بنو حنظلة إلا بني يربوع فإن عامتهم كانوا شيعة علي ع و بايعهم بنو دارم كلهم إلا نفرا من بني مجاشع ذوي دين و فضل . فلما استوسق لطلحة و الزبير أمرهما خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح و مطر و معهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع و ظاهروا فوقها بالثياب فانتهوا إلى المسجد وقت الصلاة الفجر و قد سبقهم عثمان بن حنيف إليه و أقيمت الصلاة فتقدم عثمان ليصلي بهم فأخره أصحاب طلحة و الزبير و قدموا الزبير فجاءت السبابجة و هم الشرط حرس بيت المال فأخرجوا الزبير و قدموا عثمان فغلبهم أصحاب الزبير فقدموا الزبير و أخروا عثمان فلم يزالوا كذلك حتى كادت الشمس تطلع و صاح بهم أهل المسجد أ لا تتقون أصحاب محمد و قد طلعت الشمس فغلب الزبير فصلى بالناس فلما انصرف من

[ 321 ]

صلاته صاح بأصحابه المستسلحين أن خذوا عثمان بن حنيف فأخذوه بعد أن تضارب هو و مروان بن الحكم بسيفيهما فلما أسر ضرب ضرب الموت و نتف حاجباه و أشفار عينيه و كل شعرة في رأسه و وجهه و أخذوا السبابجة و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بعثمان بن حنيف إلى عائشة فقالت لأبان بن عثمان اخرج إليه فاضرب عنقه فإن الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله فنادى عثمان يا عائشة و يا طلحة و يا زبير إن أخي سهل بن حنيف خليفة علي بن أبي طالب على المدينة و أقسم بالله إن قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم و أهليكم و رهطكم فلا يبقى أحد منكم فكفوا عنه و خافوا أن يقع سهل بن حنيف بعيالاتهم و أهلهم بالمدينة فتركوه . و أرسلت عائشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة فإنه قد بلغني الذي صنعوا بك قال فذبحهم و الله الزبير كما يذبح الغنم ولي ذلك منهم عبد الله ابنه و هم سبعون رجلا و بقيت منهم طائفة مستمسكين ببيت المال قالوا لا ندفعه إليكم حتى يقدم أمير المؤمنين فسار إليهم الزبير في جيش ليلا فأوقع بهم و أخذ منهم خمسين أسيرا فقتلهم صبرا . قال أبو مخنف فحدثنا الصقعب بن زهير قال كانت السبابجة القتلى يومئذ أربعمائة رجل قال فكان غدر طلحة و الزبير بعثمان بن حنيف أول غدر كان في الإسلام و كان السبابجة أول قوم ضربت أعناقهم من المسلمين صبرا قال و خيروا عثمان بن حنيف بين أن يقيم أو يلحق بعلي فاختار الرحيل فخلوا سبيله فلحق بعلي ع فلما رآه بكى و قال له فارقتك شيخا و جئتك أمرد فقال علي إنا لله و إنا إليه راجعون قالها ثلاثا .

[ 322 ]

قلت السبابجة لفظة معربة قد ذكرها الجوهري في كتاب الصحاح قال هم قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة و حراس السجن و الهاء للعجمة و النسب قال يزيد بن مفرغ الحميري

و طماطيم من سبابيج خزر
يلبسوني مع الصباح القيودا

قال فلما بلغ حكيم بن جبلة ما صنع القوم بعثمان بن حنيف خرج في ثلاثمائة من عبد القيس مخالفا لهم و منابذا فخرجوا إليه و حملوا عائشة على جمل فسمي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر و يوم علي يوم الجمل الأكبر . و تجالد الفريقان بالسيوف فشد رجل من الأزد من عسكر عائشة على حكيم بن جبلة فضرب رجله فقطعها و وقع الأزدي عن فرسه فجثا حكيم فأخذ رجله فرمى بها الأزدي فصرعه ثم دب إليه فقتله متكئا عليه خانقا له حتى زهقت نفسه فمر بحكيم إنسان و هو يجود بنفسه فقال من فعل بك قال وسادي فنظر فإذا الأزدي تحته و كان حكيم شجاعا مذكورا . قال و قتل مع حكيم إخوة له ثلاثة و قتل أصحابه كلهم و هم ثلاثمائة من عبد القيس و القليل منهم من بكر بن وائل فلما صفت البصرة لطلحة و الزبير بعد قتل حكيم و أصحابه و طرد ابن حنيف عنهما اختلفا في الصلاة و أراد كل منهما أن يؤم بالناس و خاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما له و رضا بتقدمه فأصلحت بينهما عائشة بأن جعلت عبد الله بن الزبير و محمد بن طلحة يصليان بالناس هذا يوما و هذا يوما . قال أبو مخنف ثم دخلا بيت المال بالبصرة فلما رأوا ما فيه من الأموال قال الزبير وَعَدَكُمُ اَللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ فنحن أحق

[ 323 ]

بها من أهل البصرة فأخذا ذلك المال كله فلما غلب علي ع رد تلك الأموال إلى بيت المال و قسمها في المسلمين . و قد ذكرنا فيما تقدم كيفية الوقعة و مقتل الزبير فارا عن الحرب خوفا أو توبة و نحن نقول إنها توبة و ذكرنا مقتل طلحة و الاستيلاء على أم المؤمنين و إحسان علي ع إليها و إلى من أسر في الحرب أو ظفر به بعدها