فصل في القرآن و ذكر الآثار التي وردت بفضله

و اعلم أن هذا الفصل من أحسن ما ورد في تعظيم القرآن و إجلاله و قد قال الناس في هذا الباب فأكثروا . و من الكلام المروي عن أمير المؤمنين ع في ذكر القرآن أيضا ما

رواه ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار عنه ع أيضا و هو مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب و طعمها طيب و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب و لا ريح لها و مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و طعمها مر و مثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر و ريحها منتنة و قال الحسن رحمه الله قراء القرآن ثلاثة رجل اتخذه بضاعة فنقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس و رجل حفظ حروفه و ضيع حدوده و استدر به الولاة و استطال به على أهل بلاده و قد كثر الله هذا الضرب من حملة القرآن لا كثرهم الله و رجل قرأ القرآن فبدأ بما يعلم من دواء القرآن فوضعه على داء قلبه فسهر ليله و انهملت عيناه و تسربل بالخشوع و ارتدى بالحزن فبذاك و أمثاله يسقى الناس الغيث و ينزل النصر و يدفع البلاء و الله لهذا الضرب من حملة القرآن أعز و أقل من الكبريت الأحمر

[ 21 ]

و

في الحديث المرفوع إن من تعظيم جلال الله إكرام ذي الشيبة في الإسلام و إكرام الإمام العادل و إكرام حملة القرآن و

في الخبر المرفوع أيضا لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو فإني أخاف أن يناله العدو . و كانت الصحابة تكره بيع المصاحف و تراه عظيما و كانوا يكرهون أن يأخذ المعلم على تعليم القرآن أجرا . و

كان ابن عباس يقول إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن

و قال ابن مسعود لكل شي‏ء ديباجة و ديباجة القرآن آل حم

قيل لابن عباس أ يجوز أن يحلى المصحف بالذهب و الفضة فقال حليته في جوفه و

قال النبي ص أصفر البيوت جوف صفر من كتاب الله و قال الشعبي إياكم و تفسير القرآن فإن الذي يفسره إنما يحدث عن الله . الحسن رحمه الله رحم الله امرأ عرض نفسه و عمله على كتاب الله فإن وافق حمد الله و سأله الزيادة و إن خالف أعتب و راجع من قريب . حفظ عمر بن الخطاب سورة البقرة فنحر و أطعم .

وفد غالب بن صعصعة على علي ع و معه ابنه الفرزدق فقال له من أنت فقال غالب بن صعصعة المجاشعي قال ذو الإبل الكثيرة قال نعم قال ما فعلت إبلك قال أذهبتها النوائب و ذعذعتها الحقوق قال ذاك خير سبلها

[ 22 ]

ثم قال يا أبا الأخطل من هذا الغلام معك قال ابني و هو شاعر قال علمه القرآن فهو خير له من الشعر فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه و آلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن فما حله حتى حفظه و ذلك قوله

و ما صب رجلي في حديد مجاشع
مع القد إلا حاجة لي أريدها

قلت تحت قوله ع يا أبا الأخطل قبل أن يعلم أن ذلك الغلام ولده و أنه شاعر سر غامض و يكاد يكون إخبارا عن غيب فليلمح . الفضيل بن عياض بلغني أن صاحب القرآن إذا وقف على معصية خرج القرآن من جوفه فاعتزل ناحية و قال أ لهذا حملتني . قلت و هذا القول على سبيل المثل و التخويف من مواقعة المعاصي لمن يحفظ القرآن .

أنس قال قال لي رسول الله ص يا ابن أم سليم لا تغفل عن قراءة القرآن صباحا و مساء فإن القرآن يحيي القلب الميت و ينهى عن الفحشاء و المنكر . كان سفيان الثوري إذا دخل شهر رمضان ترك جميع العبادة و أقبل على قراءة القرآن من المصحف .

كعب الأحبار قال الله تعالى لموسى ع مثل كتاب محمد في الكتب مثل سقاء فيه لبن كلما مخضته استخرجت منه زبدا . أسلم الخواص كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة فقلت لنفسي يا أسلم اقرأ القرآن كأنك تسمعه من رسول الله ص فجاءت حلاوة قليلة فقلت اقرأه كأنك تسمعه من جبرئيل ع فازدادت الحلاوة فقلت اقرأه كأنك تسمعه من الله عز و جل حين تكلم به فجاءت الحلاوة كلها .

[ 23 ]

بعض أرباب القلوب إن الناس يجمزون في قراءة القرآن ما خلا المحبين فإن لهم خان إشارات إذا مروا به نزلوا يريد آيات من القرآن يقفون عندها فيفكرون فيها .

في الحديث المرفوع ما من شفيع من ملك و لا نبي و لا غيرهما أفضل من القرآن و

في الحديث المرفوع أيضا من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر عظمة الله و

جاء في بعض الآثار إن الله تعالى خلق بعض القرآن قبل أن يخلق آدم و قرأه على الملائكة فقالوا طوبى لأمة ينزل عليها هذا و طوبى لأجواف تحمل هذا و طوبى لألسنة تنطق بهذا و

قال النبي ص إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله و ما جلاؤها قال قراءة القرآن و ذكر الموت و

عنه ع ما أذن الله لشي‏ء أذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن و

عنه ع إن ربكم لأشد أذنا إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته و

عنه ع أنت تقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرؤه

ابن مسعود رحمه الله ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون و بنهاره إذ الناس مفطرون و بحزنه إذ الناس يفرحون و ببكائه إذ الناس يضحكون و بخشوعه إذ الناس يختالون و ينبغي لحامل القرآن أن يكون سكيتا زميتا لينا و لا ينبغي أن يكون جافيا و لا مماريا و لا صياحا و لا حديدا و لا صخابا .

[ 24 ]

بعض السلف إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه حتى يفرغ منها و إن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها قيل كيف ذاك قال إذا أحل حلالها و حرم حرامها صلت عليه و إلا لعنته .

ابن مسعود أنزل الله عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدهم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا و قد أسقط العمل به

ابن عباس لأن أقرأ البقرة و آل عمران أرتلهما و أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة . ثابت البناني كابدت في القرآن عشرين سنة و تنعمت به عشرين سنة : اَلْعَمَلَ اَلْعَمَلَ ثُمَّ اَلنِّهَايَةَ اَلنِّهَايَةَ وَ اَلاِسْتِقَامَةَ اَلاِسْتِقَامَةَ ثُمَّ اَلصَّبْرَ اَلصَّبْرَ وَ اَلْوَرَعَ اَلْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وَ إِنَّ لِلْإِسْلاَمِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَى اَللَّهِ مِمَّا اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَ حَجِيجٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ عَنْكُمْ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْقَدَرَ اَلسَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَ اَلْقَضَاءَ اَلْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ وَ إِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اَللَّهِ وَ حُجَّتِهِ قَالَ اَللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ تَعَالَى إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ

[ 25 ]

اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اَللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى اَلطَّرِيقَةِ اَلصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ثُمَّ لاَ تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لاَ تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَ لاَ تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ اَلْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اَللَّهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ النصب على الإغراء و حقيقته فعل مقدر أي الزموا العمل و كرر الاسم لينوب أحد اللفظين عن الفعل المقدر و الأشبه أن يكون اللفظ الأول هو القائم مقام الفعل لأنه في رتبته أمرهم بلزوم العمل ثم أمرهم بمراعاة العاقبة و الخاتمة و عبر عنها بالنهاية و هي آخر أحوال المكلف التي يفارق الدنيا عليها إما مؤمنا أو كافرا أو فاسقا و الفعل المقدر هاهنا راعوا و أحسنوا و أصلحوا و نحو ذلك . ثم أمرهم بالاستقامة و أن يلزموها و هي أداء الفرائض . ثم أمرهم بالصبر عليها و ملازمته و بملازمة الورع . ثم شرع بعد هذا الكلام المجمل في تفصيله فقال إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم و هذا

لفظ رسول الله ص أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم و إن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم و المراد بالنهاية و الغاية أن يموت الإنسان على توبة من فعل القبيح و الإخلال بالواجب . ثم أمرهم بالاهتداء بالعلم المنصوب لهم و إنما يعني نفسه ع . ثم ذكر أن للإسلام غاية و أمرهم بالانتهاء إليها و هي أداء الواجبات و اجتناب المقبحات . ثم أوضح ذلك بقوله و اخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه و بين لكم

[ 26 ]

من وظائفه فكشف بهذا الكلام معنى الغاية التي أجملها أولا ثم ذكر أنه شاهد لهم و محاج يوم القيامة عنهم و هذا إشارة إلى قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ . و حجيج فعيل بمعنى فاعل و إنما سمى نفسه حجيجا عنهم و إن لم يكن ذلك الموقف موقف مخاصمة لأنه إذا شهد لهم فكأنه أثبت لهم الحجة فصار محاجا عنهم . قوله ع ألا و إن القدر السابق قد وقع يشير به إلى خلافته . و هذه الخطبة من أوائل الخطب التي خطب بها أيام بويع بعد قتل عثمان و في هذا إشارة إلى أن رسول الله ص قد أخبره أن الأمر سيفضى إليه منتهى عمره و عند انقضاء أجله . ثم أخبرهم أنه سيتكلم بوعد الله تعالى و محجته على عباده في قوله إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا . . . الآية و معنى الآية أن الله تعالى وعد الذين أقروا بالربوبية و لم يقتصروا على الإقرار بل عقبوا ذلك بالاستقامة أن ينزل عليهم الملائكة عند موتهم بالبشرى و لفظة ثم للتراخي و الاستقامة مفضلة على الإقرار باللسان لأن الشأن كله في الاستقامة و نحوها قوله تعالى إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أي ثم ثبتوا على الإقرار و مقتضياته و الاستقامة هاهنا هي الاستقامة الفعلية شافعة للاستقامة القولية و قد اختلف فيه قول أمير المؤمنين ع و أبي بكر فقال أمير المؤمنين ع أدوا الفرائض و قال أبو بكر استمروا على التوحيد .

[ 27 ]

و روي أن أبا بكر تلاها و قال ما تقولون فيها فقالوا لم يذنبوا فقال حملتم الأمر على أشده فقالوا قل قال لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان و رأي أبي بكر في هذا الموضع إن ثبت عنه يؤكد مذهب الإرجاء و قول أمير المؤمنين ع يؤكد مذهب أصحابنا . و

روى سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به فقال قل لا إله إلا الله ثم استقم فقلت ما أخوف ما تخافه علي فقال هذا و أخذ بلسان نفسه ص و تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلائِكَةُ عند الموت أو في القبر أو عند النشور . و أَلاَّ تَخافُوا أن بمعنى أي أو تكون خفيفة من الثقيلة و أصله أنه لا تخافوا و الهاء ضمير الشأن . و قد فسر أمير المؤمنين الاستقامة المشترطة في الآية فقال قد أقررتم بأن الله ربكم فاستقيموا على كتابه و على منهاج أمره و على الطريقة الصالحة من عبادته . لا تمرقوا منها مرق السهم إذا خرج من الرمية مروقا . و لا تبتدعوا لا تحدثوا ما لم يأت به الكتاب و السنة . و لا تخالفوا عنها تقول خالفت عن الطريق أي عدلت عنها . قال فإن أهل المروق منقطع بهم بفتح الطاء انقطع بزيد بضم الهمزة فهو منقطع به إذا لم يجد بلاغا و وصولا إلى المقصد

[ 28 ]

ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَ تَهْزِيعَ اَلْأَخْلاَقِ وَ تَصْرِيفَهَا وَ اِجْعَلُوا اَللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْيَخْزُنِ اَلرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اَللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ يَخْزُنَ لِسَانَهُ وَ إِنَّ لِسَانَ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَ إِنَّ قَلْبَ اَلْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَ إِنَّ اَلْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لاَ يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَيْهِ وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ص لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَ لاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ نَقِيُّ اَلرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اَللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ تهزيع الأخلاق تغييرها و أصل الهزع الكسر أسد مهزع يكسر الأعناق و يرض العظام و لما كان المتصرف بخلقه الناقل له من حال قد أعدم سمته الأولى كما يعدم الكاسر صورة المكسور اشتركا في مسمى شامل لهما فاستعمل التهزيع في الخلق للتغيير و التبديل مجازا . قوله و اجعلوا اللسان واحدا نهى عن النفاق و استعمال الوجهين . قال و ليخزن الرجل لسانه أي ليحبسه فإن اللسان يجمح بصاحبه فيلقيه في الهلكة .

[ 29 ]

ثم ذكر أنه لا يرى التقوى نافعة إلا مع حبس اللسان قال فإن لسان المؤمن وراء قلبه و قلب الأحمق وراء لسانه و شرح ذلك و بينه . فإن قلت المسموع المعروف لسان العاقل من وراء قلبه و قلب الأحمق وراء لسانه كيف نقله إلى المؤمن و المنافق . قلت لأنه قل أن يكون المنافق إلا أحمق و قل أن يكون العاقل إلا مؤمنا فلأكثرية ذلك استعمل لفظ المؤمن و أراد العاقل و لفظ المنافق و أراد الأحمق . ثم روى الخبر المذكور عن النبي ص و هو مشهور . ثم أمرهم بالاجتهاد في أن يلقوا الله تعالى و كل منهم نقي الراحة من دماء المسلمين و أموالهم سليم اللسان من أعراضهم و

قد قال النبي ص إنما المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده فسلامتهم من لسانه سلامة أعراضهم و سلامتهم من يده سلامة دمائهم و أموالهم و انتصاب تهزيع على التحذير و حقيقته تقدير فعل و صورته جنبوا أنفسكم تهزيع الأخلاق فإياكم قائم مقام أنفسكم و الواو عوض عن الفعل المقدر و أكثر ما يجي‏ء بالواو و قد جاء بغير واو في قول الشاعر

إياك إياك المراء فإنه
إلى الشر دعاء و للشر جالب

و كان يقال ينبغي للعاقل أن يتمسك بست خصال فإنها من المروءة أن يحفظ دينه و يصون عرضه و يصل رحمه و يحمي جاره و يرعى حقوق إخوانه و يخزن عن البذاء لسانه و

في الخبر المرفوع من كفي شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه دخل الجنة .

[ 30 ]

فالقبقب البطن و الذبذب الفرج و اللقلق اللسان . و قال بعض الحكماء من علم أن لسانه جارحة من جوارحه أقل من اعتمالها و استقبح تحريكها كما يستقبح تحريك رأسه أو منكبه دائما : وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ اَلْعَامَ مَا اِسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَ يُحَرِّمُ اَلْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ اَلنَّاسُ لاَ يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ لَكِنَّ اَلْحَلاَلَ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ وَ اَلْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَقَدْ جَرَّبْتُمُ اَلْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ اَلْأَمْثَالُ لَكُمْ وَ دُعِيتُمْ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْوَاضِحِ فَلاَ يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ وَ لاَ يَعْمَى عَنْهُ إِلاَّ أَعْمَى وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِالْبَلاَءِ وَ اَلتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْعِظَةِ وَ أَتَاهُ اَلتَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ رَجُلاَنِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لاَ ضِيَاءُ حُجَّةٍ يقول إن الأحكام الشرعية لا يجوز بعد ثبوت الأدلة عليها من طريق النص أن تنقض باجتهاد و قياس بل كل ما ورد به النص تتبع مورد النص فيه فما استحللته عاما أول فهو في هذا العام حلال لك و كذلك القول في التحريم و هذا هو مذهب أكثر أصحابنا أن النص مقدم على القياس و قد ذكرناه في كتبنا في أصول الفقه . و أول هاهنا لا ينصرف لأنه صفة على وزن أفعل .

[ 31 ]

و قال إن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم أي ما أحدثوه من القياس و الاجتهاد و ليس هذا بقادح في القياس و لكنه مانع من تقديمه على النص و هكذا يقول أصحابنا . قوله و ضرستموها بالتشديد أي أحكمتموها تجربة و ممارسة يقال قد ضرسته الحرب و رجل مضرس . قوله فلا يصم عن ذلك إلا أصم أي لا يصم عنه إلا من هو حقيق أن يقال عنه إنه أصم كما تقول ما يجهل هذا الأمر إلا جاهل أي بالغ في الجهل . ثم قال من لم ينفعه الله بالبلاء أي بالامتحان و التجربة لم تنفعه المواعظ و جاءه النقص من بين يديه حتى يتخيل فيما أنكره أنه قد عرفه و ينكر ما قد كان عارفا به و سمى اعتقاد العرفان و تخيله عرفانا على المجاز . ثم قسم الناس إلى رجلين إما متبع طريقة و منهاجا أو مبتدع ما لا يعرف و ليس بيده حجة فالأول المحق و الثاني المبطل . و الشرعة المنهاج و البرهان الحجة : فَإِنَّ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ اَللَّهِ اَلْمَتِينُ وَ سَبَبُهُ اَلْأَمِينُ وَ فِيهِ رَبِيعُ اَلْقَلْبِ وَ يَنَابِيعُ اَلْعِلْمِ وَ مَا لِلْقَلْبِ جَلاَءٌ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ اَلْمُتَذَكِّرُونَ وَ بَقِيَ اَلنَّاسُونَ أَوِ اَلْمُتَنَاسُونَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ وَ إِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ يَا اِبْنَ آدَمَ اِعْمَلِ اَلْخَيْرَ وَ دَعِ اَلشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ

[ 32 ]

إنما جعله حبل الله لأن الحبل ينجو من تعلق به من هوة و القرآن ينجو من الضلال من يتعلق به . و جعله متينا أي قويا لأنه لا انقطاع له أبدا و هذه غاية المتانة و القوة . و متن الشي‏ء بالضم أي صلب و قوي و سببه الأمين مثل حبله المتين و إنما خالف بين اللفظين على قاعدة الخطابة . و فيه ربيع القلب لأن القلب يحيا به كما تحيا الأنعام برعي الربيع . و ينابيع العلم لأن العلم منه يتفرع كما يخرج الماء من الينبوع و يتفرع إلى الجداول و الجلاء بالكسر مصدر جلوت السيف يقول لا جلاء لصدأ القلوب من الشبهات و الغفلات إلا القرآن . ثم قال إن المتذكرين قد ذهبوا و ماتوا و بقي الناسون الذين لا علوم لهم أو المتناسون الذين عندهم العلوم و يتكلفون إظهار الجهل لأغراض دنيوية تعرض لهم و روي و المتناسون بالواو . ثم قال أعينوا على الخير إذا رأيتموه بتحسينه عند فاعله و بدفع الأمور المانعة عنه و بتسهيل أسبابه و تسنية سبله و إذا رأيتم الشر فاذهبوا عنه و لا تقاربوه و لا تقيموا أنفسكم في مقام الراضي به الموافق على فعله ثم روى لهم الخبر . و الجواد القاصد السهل السير لا سريع يتعب بسرعته و لا بطي‏ء يفوت الغرض ببطئه

[ 33 ]

أَلاَ وَ إِنَّ اَلظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ فَظُلْمٌ لاَ يُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لاَ يُتْرَكُ وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ يُطْلَبُ فَأَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّ اَللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ اَلْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ اَلْهَنَاتِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي لاَ يُتْرَكُ فَظُلْمُ اَلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً اَلْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لاَ ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَ لَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ فَإِيَّاكُمْ وَ اَلتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اَللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ اَلْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَ لاَ مِمَّنْ بَقِيَ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ اَلنَّاسِ وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ وَ اِشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ قسم ع الظلم ثلاثة أقسام أحدها ظلم لا يغفر و هو الشرك بالله أي أن يموت الإنسان مصرا على الشرك و يجب عند أصحابنا أن يكون أراد الكبائر و إن لم يذكرها لأن حكمها حكم الشرك عندهم .

[ 34 ]

و ثانيها الهنات المغفورة و هي صغائر الذنوب هكذا يفسر أصحابنا كلامه ع . و ثالثها ما يتعلق بحقوق البشر بعضهم على بعض فإن ذلك لا يتركه الله هملا بل لا بد من عقاب فاعله و إنما أفرد هذا القسم مع دخوله في القسم الأول لتميزه بكونه متعلقا بحقوق بني آدم بعضهم على بعض و ليس الأول كذلك . فإن قلت لفظه ع مطابق للآية و هي قوله تعالى إِنَّ اَللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ و الآية و لفظه ع صريحان في مذهب المرجئة لأنكم إذا فسرتم قوله لمن يشاء بأن المراد به أرباب التوبة قيل لكم فالمشركون هكذا حالهم يقبل الله توبتهم و يسقط عقاب شركهم بها فلأي معنى خصص المشيئة بالقسم الثاني و هو ما دون الشرك و هل هذا إلا تصريح بأن الشرك لا يغفر لمن مات عليه و ما دونه من المعاصي إذا مات الإنسان عليه لا يقطع له بالعقاب و لا لغيره بل أمره إلى الله . قلت الأصوب في هذا الموضع ألا يجعل قوله لمن يشاء معنيا به التائبون بل نقول المراد أن الله لا يستر في موقف القيامة من مات مشركا بل يفضحه على رءوس الأشهاد كما قال تعالى وَ يَقُولُ اَلْأَشْهادُ هؤُلاءِ اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ . و أما من مات على كبيرة من أهل الإسلام فإن الله تعالى يستره في الموقف و لا يفضحه بين الخلائق و إن كان من أهل النار و يكون معنى المغفرة في هذه الآية الستر و تغطية حال العاصي في موقف الحشر و قد يكون من أهل الكبائر ممن يقر بالإسلام

[ 35 ]

لعظيم كبائره جدا فيفضحه الله تعالى في الموقف كما يفضح المشرك فهذا معنى قوله وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . فأما الكلام المطول في تأويلات هذه الآية فمذكور في كتبنا الكلامية . و اعلم أنه لا تعلق للمرجئة و لا جدوى عليهم من عموم لفظ الآية لأنهم قد وافقونا على أن الفلسفي غير مغفور له و ليس بمشرك فإذا أراد بقوله تعالى إِنَّ اَللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ و من جرى مجرى المشركين قيل لهم و نحن نقول إن الزاني و القاتل يجريان مجرى المشركين كما أجريتم الفلاسفة مجرى المشركين فلا تنكروا علينا ما لم تنكروه على أنفسكم . ثم ذكر ع أن القصاص في الآخرة شديد ليس كما يعهده الناس من عقاب الدنيا الذي هو ضرب السوط و غايته أن يذوق الإنسان طعم الحديد و هو معنى قوله جرحا بالمدى جمع مدية و هي السكين بل هو شي‏ء آخر عظيم لا يعبر النطق عن كنهه و شدة نكاله و ألمه