نسب جعدة بن هبيرة

و أما جعدة بن هبيرة فهو ابن أخت أمير المؤمنين ع أمه أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم و أبوه هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب و كان جعدة فارسا شجاعا فقيها و ولي خراسان لأمير المؤمنين ع و هو من الصحابة الذين أدركوا رسول الله ص يوم الفتح مع أمه أم هانئ بنت أبي طالب و هرب أبو هبيرة بن أبي وهب ذلك اليوم هو و عبد الله بن الزبعرى إلى نجران .

[ 78 ]

و روى أهل الحديث أن أم هانئ كانت يوم الفتح في بيتها فدخل عليها هبيرة بن أبي وهب بعلها و رجل من بني عمه هاربين من علي ع و هو يتبعهما و بيده السيف فقامت أم هانئ في وجهه دونهما و قالت ما تريده منهما و لم تكن رأته من ثماني سنين فدفع في صدرها فلم تزل عن موضعها و قالت أ تدخل يا علي بيتي و تهتك حرمتي و تقتل بعلي و لا تستحيي مني بعد ثماني سنين فقال إن رسول الله ص أهدر دمهما فلا بد أن أقتلهما فقبضت على يده التي فيها السيف فدخلا بيتا ثم خرجا منه إلى غيره ففاتاه

و جاءت أم هانئ إلى رسول الله ص فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين و فاطمة ابنته تستره بثوبها فوقفت حتى أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف فقال مرحبا و أهلا بأم هانئ ما جاء بك فأخبرته خبر بعلها و ابن عمه و دخول علي ع بيتها بالسيف فجاء علي ع و رسول الله ص يضحك فقال له ما صنعت بأم هانئ فقال سلها يا رسول الله ما صنعت بي و الذي بعثك بالحق لقد قبضت على يدي و فيها السيف فما استطعت أن أخلصها إلا بعد لأي و فاتني الرجلان فقال ص لو ولد أبو طالب الناس كلهم لكانوا شجعانا قد أجرنا من أجارت أم هانئ و أمنا من أمنت فلا سبيل لك عليهما . فأما هبيرة فلم يرجع و أما الرجل الآخر فرجع فلم يعرض له . قالوا و أقام هبيرة بن أبي وهب بنجران حتى مات بها كافرا و روى له محمد بن إسحاق في كتاب المغازي شعرا أوله

أ شاقتك هند أم أتاك سؤالها
كذاك النوى أسبابها و انفتالها

يذكر فيه أم هانئ و إسلامها و أنه مهاجر لها إذ صبت إلى الإسلام و من جملته

[ 79 ]

فإن كنت قد تابعت دين محمد
و قطعت الأرحام منك حبالها
فكوني على أعلى سحوق بهضبة
ململمة غبراء يبس قلالها

و قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب ولدت أم هانئ لهبيرة بن أبي وهب بنين أربعة جعدة و عمرا و هانئا و يوسف و قال و جعدة الذي يقول

أبي من بني مخزوم إن كنت سائلا
و من هاشم أمي لخير قبيل
فمن ذا الذي ينأى علي بخاله
كخالي علي ذي الندى و عقيل

المدرعة الجبة و تدرع لبسها و ربما قالوا تمدرع . و ثفنة البعير واحدة ثفناته و هو ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ فيغلظ و يكثف كالركبتين و غيرهما و يقال ذو الثفنات الثلاثة لعلي بن الحسين و علي بن عبد الله بن العباس ع و لعبد الله بن وهب الراسبي رئيس الخوارج لأن طول السجود كان قد أثر في ثفناتهم قال دعبل

[ 80 ]

ديار علي و الحسين و جعفر
و حمزة و السجاد ذي الثفنات

و مصائر الأمور جمع مصير و هو مصدر صار إلى كذا و معناه المرجع قال تعالى وَ إِلَى اَللَّهِ اَلْمَصِيرُ فأما المصدر من صار الشي‏ء كذا فمصير و صيرورة و القياس في مصدر صار إليه أي رجع مصارا كمعاش و إنما جمع المصدر هاهنا لأن الخلائق يرجعون إلى الله تعالى في أحوال مختلفة في الدنيا و في الدار الآخرة فجمع المصدر و إن كان يقع بلفظه على القليل و الكثير لاختلاف وجوهه كقوله تعالى وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ اَلظُّنُونَا . و عواقب الأمر جمع عاقبة و هي آخر الشي‏ء . ثم قسم الحمد فجعله على ثلاثة أقسام أحدها الحمد على عظيم إحسانه و هو أصول نعمه تعالى كالحياة و القدرة و الشهوة و غيرها مما لا يدخل جنسه تحت مقدور القادر . و ثانيها الحمد على نير برهانه و هو ما نصبه في العقول من العلوم البديهية المفضية إلى العلوم النظرية بتوحيده و عدله . و ثالثها الحمد على أرزاقه النامية أي الزائدة و ما يجري مجراها من إطالة الأعمار و كثرة الأرزاق و سائر ضروب الإحسان الداخلة في هذا القسم . ثم بالغ في الحمد حمدا يكون لحقه قضاء و لشكره أداء و ذلك لأن الحمد و الشكر و لو بلغ

[ 81 ]

أقصى غاياته لم يصل إلى أن يكون قاضيا لحق الله تعالى و لا مؤديا لشكره و لكنه قال ذلك على سبيل المبالغة . ثم قال و إلى ثوابه مقربا و لحسن مزيده موجبا و ذلك لأن الشكر يوجب الثواب و المزيد قال الله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ أي أثبكم و قال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . ثم شرع في الاستعانة بالله ففصلها أحسن تفصيل فذكر أنه يستعين به استعانة راج لفضله في الآخرة مؤمل لنفعه في الدنيا واثق بدفعه المضار عنه و ذلك لأنه أراد أن يحتوي على وجوه ما يستعان به تعالى لأجله فذكر الأمور الإيجابية و أعقبها بالأمور السلبية فالأولى جلب المنافع و الثانية دفع المضار . و الطول الإفضال و الإذعان الانقياد و الطاعة . و أناب إليه أقبل و تاب و خنع خضع و المصدر الخنوع و لاذ به لجأ إليه : لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي اَلْعِزِّ مُشَارَكاً وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لاَ زَمَانٌ وَ لَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَ لاَ نُقْصَانٌ بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ اَلتَّدْبِيرِ اَلْمُتْقَنِ وَ اَلْقَضَاءِ اَلْمُبْرَمِ فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلاَ عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلاَ سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لاَ مُبْطِئَاتٍ وَ لَوْ لاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ إِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ

[ 82 ]

وَ لاَ مَسْكَناً لِمَلاَئِكَتِهِ وَ لاَ مَصْعَداً لِلْكَلِمِ اَلطَّيِّبِ وَ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ نفى ع أن يكون البارئ سبحانه مولودا فيكون له شريك في العز و الإلهية و هو أبوه الذي ولده و إنما قال ذلك جريا على عادة ملوك البشر فإن الأكثر أن الملك يكون ابن ملك قبله و نفى أن يكون له ولد جريا أيضا على عادة البشر في أن كل والد في الأكثر فإنه يهلك قبل هلاك الولد و يرثه الولد و هذا النمط من الاحتجاج يسمى خطابة و هو نافع في مواجهة العرب به و أراد من الاحتجاج إثبات العقيدة فتارة تثبت في نفوس العلماء بالبرهان و تارة تثبت في نفوس العوام بالخطابة و الجدل . ثم نفى أن يتقدمه وقت أو زمان و الوقت هو الزمان و إنما خالف بين اللفظين و أتى بحرف العطف كقوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً . و نفى أن يتعاوره أي تختلف عليه زيادة أو نقصان يقال عاورت زيدا الضرب أي فعلت به من الضرب مثل ما فعل بي و اعتوروا الشي‏ء أي تداولوه فيما بينهم و كذلك تعوروه و تعاوروه و إنما ظهرت الواو في اعتوروا لأنه في معنى تعاوروا فبني عليه و لو لم يكن في معناه لاعتلت كما قالوا اجتوروا لما كان في معنى تجاوروا التي لا بد من صحة الواو فيها لسكون الألف قبلها و اعتورت الرياح رسم الدار اختلفت عليه . فإن قلت هذا يقتضي أن يقول و لم يتعاوره زيادة و نقصان لأن التعاور يستدعي الضدين معا و لا ينبغي أن يقول و لا نقصان كما لا يجوز أن تقول لم يختلف زيد و لا عمرو

[ 83 ]

قلت لما كانت مراتب الزيادة مختلفة جاز أن يقال لا يعتوره الزيادة فكذلك القول في جانب النقصان و جرى كل واحد من النوعين مجرى أشياء متنافية تختلف على الموضع الموصوف بها . قوله ع موطدات أي ممهدات مثبتات . و العمد جمع عماد نحو إهاب و أهب و إدام و أدم و هو على خلاف القياس و منه قوله تعالى فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ و قوله تعالى خَلَقَ اَلسَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها و السند ما يستند إليه . ثم قال دعاهن فأجبن طائعات هذا من باب المجاز و التوسع لأن الجماد لا يدعى و أما من قال إن السماوات أحياء ناطقة فإنه لم يجعلهن مكلفات ليقال و لو لا إقرارهن له بالربوبية لما فعل كذا بل يقول ذلك على وجه آخر و لكن لغة العرب تنطق بمثل هذا المجاز نحو قول الراجز

امتلأ الحوض و قال قطني
مهلا رويدا قد ملأت بطني

و منه قوله تعالى اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . و منه قول مكاتب لبني منقر التميميين كان قد ظلع بمكاتبته فأتى قبر غالب بن صعصعة فاستجار به و أخذ منه حصيات فشدهن في عمامته ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره و قال إني قد قلت شعرا قال هاته فأنشده

[ 84 ]

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما
خشيت الردى أو أن أرد على قسر
بقبر امرئ يقري المئين عظامه
و لم يك إلا غالبا ميت يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما
فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر

فقال ما اسمك فقال لهذم قال يا لهذم حكمك مسمطا قال ناقة كوماء سوداء الحدقة قال يا جارية اطرحي لنا حبلا ثم قال يا لهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت من إبل الناس فتخير لهذم على عينه ناقة و رمى بالحبل في عنقها و جاء صاحبها فقال له الفرزدق اغد علي أوفك ثمنها فجعل لهذم يقودها و الفرزدق يسوقها حتى أخرجها من البيوت إلى الصحراء فصاح به الفرزدق يا لهذم قبح الله أخسرنا فخبر الشاعر عن القبر بقوله فقال لي استقدم أمامك و القبر و الميت الذي فيه لا يخبران و لكن العرب و أهل الحكمة من العجم يجعلون كل دليل قولا و جوابا أ لا ترى إلى قول زهير

أ من أم أوفى دمنة لم تكلم

و إنما كلامها عنده أن تبين ما يرى من الآثار فيها عن قدم العهد بأهلها . و من كلام بعض الحكماء هلا وقفت على تلك الجنان و الحيطان فقلت أيتها الجنان أين من شق أنهارك و غرس أشجارك و جنى ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا . و قال النعمان بن المنذر و معه عدي بن زيد في ظل شجرات مونقات يشرب

[ 85 ]

فقال عدي أبيت اللعن و أراد أن يعظه أ تدري ما تقول هذه الشجرات قال ما تقول قال

رب ركب قد أناخوا حولنا
يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم
و كذاك الدهر يودي بالرجال

فتنغص النعمان يومه ذلك . و المذعن المنقاد المطيع و المتلكئ المتوقف و الكلم الطيب شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا ص رسوله و العمل الصالح أداء الواجبات و النوافل و اللفظات من القرآن العزيز . و المصعد موضع الصعود و لا شبهة أن السماء أشرف من الأرض على رأي المليين و على رأي الحكماء أما أهل الملة فلأن السماء مصعد الأعمال الصالحة و محل الأنوار و مكان الملائكة و فيها العرش و الكرسي و الكواكب المدبرات أمرا و أما الحكماء فلأمور أخرى تقتضيها أصولهم : جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً يَسْتَدِلُّ بِهَا اَلْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ اَلْأَقْطَارِ لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا اِدْلِهْمَامُ سُجُفِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ لاَ اِسْتَطَاعَتْ جَلاَبِيبُ سَوَادِ اَلْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي اَلسَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ اَلْقَمَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ

[ 86 ]

غَسَقٍ دَاجٍ وَ لاَ لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ اَلْأَرَضِينَ اَلْمُتَطَأْطِئَاتِ وَ لاَ فِي يَفَاعِ اَلسُّفْعِ اَلْمُتَجَاوِرَاتِ وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ اَلرَّعْدُ فِي أُفُقِ اَلسَّمَاءِ وَ مَا تَلاَشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ اَلْغَمَامِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ اَلْأَنْوَاءِ وَ اِنْهِطَالُ اَلسَّمَاءِ وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ اَلْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ اَلذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا وَ مَا يَكْفِي اَلْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ مِنَ اَلْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا أعلاما أي يستدل بها و الفجاج جمع فج و هو الطريق في الجبل . ثم قال إن ادلهمام سواد الليل أي شدة ظلمته لم يمنع الكواكب من الإضاءة و كذلك أيضا لم يمنع ظلام الليل القمر من تلألؤ نوره و إنما خص القمر بالذكر و إن كان من جملة الكواكب لشرفه بما يظهر للأبصار من عظم حجمه و شدة إضاءته فصار كقوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ و قد روى بعض الرواة ادلهمام بالنصب و جعله مفعولا و ضوء نورها بالرفع و جعله فاعلا و هذه الرواية أحسن في صناعة الكتابة لمكان الازدواج أي لا القمر و لا الكواكب تمنع الليل من الظلمة و لا الليل يمنع الكواكب و القمر من الإضاءة . و السجف جمع سجف و هو الستر و يجوز فتح السين . و شاع تفرق و التلألؤ اللمعان و الجلابيب الثياب و الغسق الظلمة و الساجي الساكن و الداجي المظلم و المتطأطئ المنخفض و السفع المتجاورات هاهنا الجبال و سماها سفعا لأن السفعة سواد مشرب بحمرة و كذلك لونها في الأكثر .

[ 87 ]

و اليفاع الأرض المرتفعة و التجلجل صوت الرعد و ما تلاشت عنه بروق الغمام هذه الكلمة أهمل بناءها كثير من أئمة اللغة و هي صحيحة و قد جاءت و وردت قال ابن الأعرابي لشا الرجل إذا اتضع و خس بعد رفعة و إذا صح أصلها صح استعمال الناس تلاشى الشي‏ء بمعنى اضمحل . و قال القطب الراوندي تلاشى مركب من لا شي‏ء و لم يقف على أصل الكلمة و قد ظهر الآن أن معنى كلامه ع أنه سبحانه يعلم ما يصوت به الرعد و يعلم ما يضمحل عنه البرق . فإن قلت و هل يقصد الرعد بجلجلته معنى معقولا ليقال إن البارئ يعلمه ثم ما المراد بكونه عالما بما يضمحل البرق عنه . قلت قد يكون تعالى يحدث في الرعد جلجلة أي صوتا ليهلك به قوما أو لينفع به قوما فعلمه بما تتضمنه تلك الجلجلة هو معنى قولنا يعلم ما يصوت به الرعد و لا ريب أن البرق يلمع فيضي‏ء أقطارا مخصوصة ثم يتلاشى عنها فالبارئ سبحانه عالم بتلك الأقطار التي يتلاشى البرق عنها . فإن قلت هو سبحانه عالم بما يضيئه البرق و بما لا يضيئه فلما ذا خص بالعالمية ما يتلاشى عنه البرق . قلت لأن علمه بما ليس بمضي‏ء بالبرق أعجب و أغرب لأن ما يضيئه البرق يمكن أن يعلمه أولو الأبصار الصحيحة فأراد ع أن يشرح من صفاته سبحانه ما هو بخلاف المعتاد بين البشر ليكون إعظام السامعين له سبحانه أتم و أكمل . و العواصف الرياح الشديدة و أضافها إلى الأنواء لأن أكثر ما يكون عصفانها في الأنواء و هي جمع نوء و هو سقوط النجم من منازل القمر الثمانية و العشرين في المغرب

[ 88 ]

مع الفجر و طلوع رقيبه من المشرق مقابلا له من ساعته و مدة النوء ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما . قال أبو عبيد و لم يسمع في النوء أنه المسقوط إلا في هذا الموضع و كانت العرب تضيف الرياح و الأمطار و الحر و البرد إلى الساقط منها . و قال الأصمعي بل إلى الطالع في سلطانه فتقول مطرنا بنوء كذا و كذا و نهى النبي ص عن ذلك و الجمع أنواء و نوءان أيضا مثل بطن و بطنان و عبد و عبدان قال حسان بن ثابت

و يثرب تعلم أنا بها
إذا قحط القطر نوءانها

و الانهطال الانصباب و مسقط القطرة من المطر موضع سقوطها و مقرها موضع قرارها و مسحب الذرة الصغيرة من النمل و مجرها موضع سحبها و جرها . و هذا الفصل من فصيح الكلام و نادره و يتضمن من توحيد الله تعالى و تمجيده و الثناء عليه ما يشهد لنفسه : وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لاَ يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لاَ يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ وَ لاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَ لاَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَ لاَ يُحَدُّ بِأَيْنٍ وَ لاَ يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ وَ لاَ يُخْلَقُ بِعِلاَجٍ وَ لاَ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ اَلَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً بِلاَ جَوَارِحَ وَ لاَ أَدَوَاتٍ وَ لاَ نُطْقٍ وَ لاَ لَهَوَاتٍ بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا اَلْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ

[ 89 ]

جِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جُنُودَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ اَلْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ وَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو اَلْهَيْئَاتِ وَ اَلْأَدَوَاتِ وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَمٍ وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ ليس يعني بالكائن هاهنا ما يعنيه الحكماء و المتكلمون بل مراده الموجود أي هو الموجود قبل أن يكون الكرسي و العرش و غيرهما و الأوائل يزعمون أن فوق السماوات السبع سماء ثامنة و سماء تاسعة و يقولون إن الثامنة هي الكرسي و إن التاسعة هي العرش . قوله ع لا يدرك بوهم الوهم هاهنا الفكرة و التوهم . و لا يقدر بفهم أي لا تستطيع الأفهام أن تقدره و تحده . و لا يشغله سائل كما يشغل السؤال منا من يسألونه . و لا ينقصه العطاء كما ينقص العطاء خزائن الملوك . و لا يبصر بجارحة و لا يحد بأين و لفظة أين في الأصل مبنية على الفتح فإذا نكرتها صارت اسما متمكنا كما قال الشاعر

ليت شعري و أين مني ليت
إن ليتا و إن لوا عناء

و إن شئت قلت إنه تكلم بالاصطلاح الحكمي و الأين عندهم حصول الجسم في المكان و هو أحد المقولات العشر .

[ 90 ]

قوله ع و لا يوصف بالأزواج أي صفات الأزواج و هي الأصناف قال سبحانه وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . قوله و لا يخلق بعلاج أي لا يحتاج في إيجاد المخلوقات إلى معالجة و مزاولة . قوله و كلم موسى تكليما من الألفاظ القرآنية و المراد هاهنا من ذكر المصدر تأكيد الأمر و إزالة لبس عساه يصلح للسامع فيعتقد أنه أراد المجاز و أنه لم يكن كلام على الحقيقة . قوله و أراه من آياته عظيما ليس يريد به الآيات الخارجة عن التكليم كانشقاق البحر و قلب العصا لأنه يكون بإدخال ذلك بين قوله تكليما و قوله بلا جوارح و لا أدوات و لا نطق و لا لهوات مستهجنا و إنما يريد أنه أراد بتكليمه إياه عظيما من آياته و ذلك أنه كان يسمع الصوت من جهاته الست ليس على حد سماع كلام البشر من جهة مخصوصة و له دوي و صلصلة كوقع السلاسل العظيمة على الحصى الأصم . فإن قلت أ تقول إن الكلام حل أجساما مختلفة من الجهات الست . قلت لا و إنما حل الشجرة فقط و كان يسمع من كل جهة و الدليل على حلوله في الشجرة قوله تعالى فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ اَلْوادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى‏ فلا يخلو إما أن يكون النداء حل الشجرة أو المنادي حلها و الثاني باطل فثبت الأول . ثم قال ع لمن يتكلف أن يصف ربه إن كنت صادقا أنك قد وصلت إلى

[ 91 ]

معرفة صفته فصف لنا الملائكة فإن معرفة ذات الملك أهون من معرفة ذات الأول سبحانه . و حجرات القدس جمع حجرة و مرجحنين مائلين إلى جهة تحت خضوعا لجلال البارئ سبحانه ارجحن الحجر إذا مال هاويا متولهة عقولهم أي حائرة ثم قال إنما يدرك بالصفات و يعرف كنه ما كان ذا هيئة و أداة و جارحة و ما ينقضي و يفنى و يتطرق إليه العدم و واجب الوجود سبحانه بخلاف ذلك . و تحت قوله أضاء بنوره كل ظلام إلى آخر الفصل معنى دقيق و سر خفي و هو أن كل رذيلة في الخلق البشري مع معرفته بالأدلة البرهانية غير مؤثرة و لا قادحة في جلالة المقام الذي قد بلغ إليه و ذلك نحو أن يكون العارف بخيلا أو جبانا أو حريصا أو نحو ذلك و كل فضيلة في الخلق البشري مع الجهل به سبحانه فليست بفضيلة في الحقيقة و لا معتد بها لأن نقيصة الجهل به تكسف تلك الأنوار و تمحق فضلها و ذلك نحو أن يكون الجاهل به سبحانه جوادا أو شجاعا أو عفيفا أو نحو ذلك و هذا يطابق ما يقوله الأوائل من أن العارف المذنب يشقى بعد الموت قليلا ثم يعود إلى النعيم السرمدي و أن الجاهل ذا العبادة و الإحسان يشقى بعد الموت شقاء مؤبدا و مذهب الخلص من مرجئة الإسلام يناقض هذه اللفظات و يقال إنه مذهب أبي حنيفة رحمه الله و يمكن تأويلها على مذهب أصحابنا بأن يقال كل ظلام من المعاصي الصغائر فإنه ينجلي بضياء معرفته و طاعته و كل طاعة يفعلها المكلف مع الكفر به سبحانه فإنها غير نافعة و لا موجبة ثوابا و يكون هذا التأويل من باب صرف اللفظ عن عمومه إلى خصوصه

[ 92 ]

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي أَلْبَسَكُمُ اَلرِّيَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ اَلْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى اَلْبَقَاءِ سِلْماً أَوْ لِدَفْعِ اَلْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع اَلَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ مَعَ اَلنُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ اَلزُّلْفَةِ فَلَمَّا اِسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اِسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ اَلْفَنَاءِ بِنَبَالِ اَلْمَوْتِ وَ أَصْبَحَتِ اَلدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَ اَلْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْقُرُونِ اَلسَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَيْنَ اَلْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْعَمَالِقَةِ أَيْنَ اَلْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ اَلرَّسِّ اَلَّذِينَ قَتَلُوا اَلنَّبِيِّينَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ اَلْمُرْسَلِينَ وَ أَحْيَوْا سُنَنَ اَلْجَبَّارِينَ أَيْنَ اَلَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَ هَزَمُوا اَلْأُلُوفَ بِالْأُلُوفِ وَ عَسْكَرُوا اَلْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا اَلْمَدَائِنَ الرياش اللباس و أسبغ أوسع و إنما ضرب المثل بسليمان ع لأنه كان ملك الإنس و الجن و لم يحصل لغيره ذلك و من الناس من أنكر هذا لأن اليهود و النصارى يقولون إنه لم يتعد ملكه حدود الشام بل بعض الشام و ينكرون حديث الجن و الطير و الريح و يحملون ما ورد من ذلك على وجوه و تأويلات عقلية معنوية ليس هذا موضع ذكرها . و الزلفة القرب و الطعمة بضم الطاء المأكلة يقال قد جعلت هذه الضيعة طعمة لزيد . و القسي جمع قوس و أصلها قووس على فعول كضرب و ضروب إلا أنهم قدموا

[ 93 ]

اللام فقالوا قسو على فلوع ثم قلبت الواو ياء و كسروا القاف كما كسروا عين عصي فصارت قسي