نسب أصحاب الرس

قوله ع أين أصحاب مدائن الرس قيل إنهم أصحاب شعيب

[ 95 ]

النبي ص و كانوا عبدة أصنام و لهم مواش و آبار يسقون منها . و الرس بئر عظيمة جدا انخسفت بهم و هم حولها فهلكوا و خسفت بأرضهم كلها و ديارهم و قيل الرس قرية بفلج اليمامة كان بها قوم من بقايا ثمود بغوا فأهلكوا . و قيل قوم من العرب القديمة بين الشام و الحجاز و كانت العنقاء تختطف صبيانهم فتقتلهم فدعوا الله أن ينقذهم منها فبعث إليهم حنظلة بن صفوان فدعاهم إلى الدين على أن يقتل العنقاء فشارطوه على ذلك فدعا عليها فأصابتها الصاعقة فلم يفوا له و قتلوه فأهلكوا . و قيل هم أصحاب الأخدود و الرس هو الأخدود و قيل الرس أرض بأنطاكية قتل فيها حبيب النجار . و قيل بل كذب أهلها نبيهم و رسوه في بئر أي رموه فيها . و قيل إن الرس نهر في إقليم الباب و الأبواب مبدؤه من مدينة طراز و ينتهي إلى نهر الكر فيختلط به حتى يصب في بحر الخزر كان هناك ملوك أولو بأس و قدرة فأهلكهم الله ببغيهم : مِنْهَا قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ اَلْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ اَلْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ اَلتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ اَلَّتِي يَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ اَلَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اِغْتَرَبَ اَلْإِسْلاَمُ وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ اَلْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ

[ 96 ]

هذا الكلام فسره كل طائفة على حسب اعتقادها فالشيعة الإمامية تزعم أن المراد به المهدي المنتظر عندهم و الصوفية يزعمون أنه يعني به ولي الله في الأرض و عندهم أن الدنيا لا تخلو عن الأبدال و هم الأربعون و عن الأوتاد و هم سبعة و عن القطب و هو واحد فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطبا عوضه و صار أحد الأربعين وتدا عوض الوتد و صار بعض الأولياء الذين يصطفيهم الله تعالى أبدالا عوض ذلك البدل . و أصحابنا يزعمون أن الله تعالى لا يخلي الأمة من جماعة من المؤمنين العلماء بالعدل و التوحيد و أن الإجماع إنما يكون حجة باعتبار أقوال أولئك العلماء لكنه لما تعذرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع سائر العلماء و إنما الأصل قول أولئك . قالوا و كلام أمير المؤمنين ع ليس يشير فيه إلى جماعة أولئك العلماء من حيث هم جماعة و لكنه يصف حال كل واحد منهم فيقول من صفته كذا و من صفته كذا . و الفلاسفة يزعمون أن مراده ع بهذا الكلام العارف و لهم في العرفان و صفات أربابه كلام يعرفه من له أنس بأقوالهم و ليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد ص في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى و إن لم يكن الآن موجودا فليس في الكلام ما يدل على وجوده الآن و قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا و التكليف لا ينقضي إلا عليه . قوله ع قد لبس للحكمة جنتها الجنة ما يستتر به من السلاح كالدرع و نحوها و لبس جنة الحكمة قمع النفس عن المشتهيات و قطع علائق النفس عن

[ 97 ]

المحسوسات فإن ذلك مانع للنفس عن أن يصيبها سهام الهوى كما تمنع الدرع الدارع عن أن يصيبه سهام الرماية . ثم عاد إلى صفة هذا الشخص فقال و أخذ بجميع أدبها من الإقبال عليها أي شدة الحرص و الهمة . ثم قال و المعرفة بها أي و المعرفة بشرفها و نفاستها . ثم قال و التفرغ لها لأن الذهن متى وجهته نحو معلومين تخبط و فسد و إنما يدرك الحكمة بتخلية السر من كل ما مر سواها . قال فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها هذا مثل

قوله ع الحكمة ضالة المؤمن و من كلام الحكماء لا يمنعك من الانتفاع بالحكمة حقارة من وجدتها عنده كما لا يمنعك خبث تراب المعدن من التقاط الذهب . و وجدت بخط أبي محمد عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله في تعاليق مسودة أبياتا للعطوي و هي

قد رأينا الغزال و الغصن و النجمين
شمس الضحى و بدر التمام
فو حق البيان يعضده البرهان
في مأقط شديد الخصام
ما رأينا سوى المليحة شيئا
جمع الحسن كله في نظام
هي تجري مجرى الأصالة في الرأي
و مجرى الأرواح في الأجسام

و قد كتب ابن الخشاب بخطه تحت المليحة ما أصدقه إن أراد بالمليحة الحكمة قوله ع و حاجته التي يسأل عنها هو مثل قوله ضالته التي يطلبها . ثم قال هو مغترب إذا اغترب الإسلام يقول هذا الشخص يخفي نفسه و يحملها

[ 98 ]

إذا اغترب الإسلام و اغتراب الإسلام أن يظهر الفسق و الجور على الصلاح و العدل

قال ع بدأ الإسلام غريبا و سيعود كما بدأ . قال و ضرب بعسيب ذنبه و ألصق الأرض بجرانه هذا من تمام قوله إذا اغترب الإسلام أي إذا صار الإسلام غريبا مقهورا و صار الإسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعسيبه و هو أصل الذنب و يلصق جرانه و هو صدره في الأرض فلا يكون له تصرف و لا نهوض . ثم عاد إلى صفة الشخص المذكور . و قال بقية من بقايا حججه خليفة من خلائف أنبيائه الضمير هاهنا يرجع إلى الله سبحانه و إن لم يجر ذكره للعلم به كما قال حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ و يمكن أن يقال إن الضمير راجع إلى مذكور و هو الإسلام أي من بقايا حجج الإسلام و خليفة من خلائف أنبياء الإسلام . فإن قلت ليس للإسلام إلا نبي واحد . قلت بل له أنبياء كثير قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ و قال سبحانه ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً و كل الأنبياء دعوا إلى ما دعا إليه محمد ص من التوحيد و العدل فكلهم أنبياء للإسلام . فإن قلت أ ليس لفظ الحجة و لفظ الخليفة مشعرا بما تقوله الإمامية . قلت لا فإن أهل التصوف يسمون صاحبهم حجة و خليفة و كذلك الفلاسفة

[ 99 ]

و أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنين في كل عصر لأنهم حجج الله أي إجماعهم حجة و قد استخلفهم الله في أرضه ليحكموا بحكمه . و على ما اخترناه نحن فالجواب ظاهر : أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ اَلْمَوَاعِظَ اَلَّتِي وَعَظَ بِهَا اَلْأَنْبِيَاءُ اَلْأَنْبِيَاءُ بِهِمْ أُمَمَهُمْ وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ اَلْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ اَلطَّرِيقَ وَ يُرْشِدُكُمُ اَلسَّبِيلَ أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أَزْمَعَ اَلتَّرْحَالَ عِبَادُ اَللَّهِ اَلْأَخْيَارُ وَ بَاعُوا قَلِيلاً مِنَ اَلدُّنْيَا لاَ يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ اَلآْخِرَةِ لاَ يَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا اَلَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّينَ أَلاَّ يَكُونُوا اَلْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ اَلْغُصَصَ وَ يَشْرَبُونَ اَلرَّنْقَ قَدْ وَ اَللَّهِ لَقُوا اَللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ اَلْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ أَيْنَ إِخْوَانِيَ اَلَّذِينَ رَكِبُوا اَلطَّرِيقَ وَ مَضَوْا عَلَى اَلْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَ أَيْنَ اِبْنُ اَلتَّيِّهَانِ وَ أَيْنَ ذُو اَلشَّهَادَتَيْنِ وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ اَلَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى اَلْمَنِيَّةِ وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى اَلْفَجَرَةِ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ ع بِيَدِهِ إِلَى عَلَى لِحْيَتِهِ اَلشَّرِيفَةِ اَلْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ اَلْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ ع أَوْهِ أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ اَلَّذِينَ قَرَءُوا اَلْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ تَدَبَّرُوا اَلْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ

[ 100 ]

أَحْيَوُا اَلسُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا اَلْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اَلْجِهَادَ اَلْجِهَادَ عِبَادَ اَللَّهِ أَلاَ وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ اَلرَّوَاحَ إِلَى اَللَّهِ فَلْيَخْرُجْ قَالَ نَوْفٌ وَ عَقَدَ لِلْحُسَيْنِ ع فِي عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ فِي عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِأَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ فِي عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخْرَ وَ هُوَ يُرِيدُ اَلرَّجْعَةَ إِلَى صِفِّينَ فَمَا دَارَتِ اَلْجُمُعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ اَلْمَلْعُونُ اِبْنُ اَلْمُلْجَمِ لَعَنَهُ اَللَّهُ فَتَرَاجَعَتِ اَلْعَسَاكِرُ فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِيهَا تَخْتَطِفُهَا اَلذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ بثثت لكم المواعظ فرقتها و نشرتها و الأوصياء الذين يأتمنهم الأنبياء على الأسرار الإلهية و قد يمكن ألا يكونوا خلفاء بمعنى الإمرة و الولاية فإن مرتبتهم أعلى من مراتب الخلفاء . و حدوتكم سقتكم كما تحدى الإبل فلم تستوسقوا أي لم تجتمعوا قال

مستوسقات لم يجدن سائقا

قوله يطأ بكم الطريق أي يحملكم على المنهاج الشرعي و يسلك بكم مسلك الحق كأنه جعلهم ضالين عن الطريق التي يطلبونها .

[ 101 ]

و قال أ تريدون إماما غيري يوقفكم على الطريق التي تطلبونها حتى تطئوها و تسلكوها . ثم ذكر أنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا و هو الهدى و الرشاد فإنه كان في أيام رسول الله ص و خلفائه مقبلا ثم أدبر عند استيلاء معاوية و أتباعه و أقبل منها ما كان مدبرا و هو الضلال و الفساد و معاوية عند أصحابنا مطعون في دينه منسوب إلى الإلحاد قد طعن فيه ص و روى فيه شيخنا أبو عبد الله البصري في كتاب نقض السفيانية على الجاحظ و روى عنه أخبارا كثيرة تدل على ذلك و قد ذكرناها في كتابنا في مناقضة السفيانية . و روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك أن معاوية سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله فقالها ثلاثا فقال أشهد أن محمدا رسول الله فقال لله أبوك يا ابن عبد الله لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين . قوله ع و أزمع الترحال أي ثبت عزمهم عليه يقال أزمعت الأمر و لا يقال أزمعت على الأمر هكذا يقول الكسائي و أجازه الخليل و الفراء . ثم قال ع إنه لم يضر إخواننا القتلى بصفين كونهم اليوم ليسوا بأحياء حياتنا المشوبة بالنغص و الغصص . و يقال ماء رنق بالتسكين أي كدر رنق الماء بالكسر يرنق رنقا فهو رنق و أرنقته أي كدرته و عيش رنق بالكسر أي كدر . ثم أقسم أنهم لقوا الله فوفاهم أجورهم و هذا يدل على ما يذهب إليه جمهور أصحابنا من نعيم القبر و عذابه . ثم قال ع أين إخواني ثم عددهم فقال أين عمار

[ 102 ]