ذكر الآثار الواردة في آفات اللسان

و اعلم أن آفات اللسان كثيرة فمنها الكلام فيما لا يعنيك و هو أهون آفات اللسان و مع ذلك فهو عيب

قال النبي ص من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه و

روي أنه ع مر بشهيد يوم أحد فقال أصحابه هنيئا له الجنة قال و ما يدريكم لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه و

قال ابن عباس خمس هي أحسن و أنفع من حمر النعم لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل لا آمن عليه الوزر و لا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا فرب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فأساء و لا تمار حليما و لا سفيها فإن الحليم يقليك و السفيه يؤذيك و اذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به و أعفه عما تحب أن يعفيك عنه و اعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالجرائم . و منها فضول الكلام و كثرته و ترك الاقتصار و كان يقال فضول المنطق و زيادته نقص في العقل و هما ضدان متنافيان كلما زاد أحدهما نقص الآخر .

[ 139 ]

و

قال عبد الله بن مسعود إياكم و فضول الكلام حسب امرئ ما بلغ به حاجته و كان يقال من كثر كلامه كثر سقطه . و قال الحسن فضول الكلام كفضول المال كلاهما مهلك . و منها الخوض في الباطل و الحديث فيما لا يحل كحديث النساء و مجالس الخمر و مقامات الفساق و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخائِضِينَ . و منها المراء و الجدال

قال ع دع المراء و إن كنت محقا و

قال مالك بن أنس المراء يقسي القلب و يورث الضغائن . و قال سفيان الثوري لو خالفت أخي في رمانة فقال حلوة و قلت حامضة لسعي بي إلى السلطان . و كان يقال صاف من شئت ثم أغضبه بالجدال و المراء فليرمينك بداهية تمنعك العيش . و قيل لميمون بن مهران ما لك لا تفارق أخا لك عن قلى قال لأني لا أشاريه و لا أماريه . و منها التقعر في الكلام بالتشدد و التكلف في الألفاظ

قال النبي ص

[ 140 ]

أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون المتشدقون و

قال ع هلك المتنطعون . . . ثلاث مرات و التنطع هو التعمق و الاستقصاء و قال عمر إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان . و منها الفحش و السب و البذاء

قال النبي ص إياكم و الفحش فإن الله لا يحب الفحش و لا يرضى الفحش و

قال ع ليس المؤمن بالطعان و لا باللعان و لا بالسباب و لا البذي‏ء و

قال ع لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوء و منها المزاح الخارج عن قانون الشريعة و كان يقال من مزح استخف به و كان يقال المزاح فحل لا ينتج إلا الشر . و منها الوعد الكاذب و

قد قال النبي ص العدة دين و قد أثنى الله سبحانه على إسماعيل فقال إِنَّهُ كانَ صادِقَ اَلْوَعْدِ و قال سبحانه يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .

[ 141 ]

و منها الكذب في القول و اليمين و الأمر فيهما مشهور . و منها الغيبة و قد تقدم القول فيها . قوله ع و ملبسهم الاقتصاد أي ليس بالثمين جدا و لا بالحقير جدا كالخرق التي تؤخذ من على المزابل و لكنه أمر بين أمرين و كان ع يلبس الكرابيس و هو الخام الغليظ و كذلك كان عمر رضي الله عنه و كان رسول الله ص يلبس اللين تارة و الخشن أخرى . قوله ع و مشيهم التواضع تقديره و صفة مشيهم التواضع فحذف المضاف و هذا مأخوذ من قوله تعالى وَ اِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ . رأى محمد بن واسع ابنا له يمشي و هو يتبختر و يميس في مشيته فصاح به فأقبل فقال له ويلك لو عرفت نفسك لقصدت في مشيك أما أمك فأمة ابتعتها بمائة درهم و أما أبوك فلا أكثر الله في الناس من أمثاله . و الأصل في هذا الباب قوله تعالى وَ لا تَمْشِ فِي اَلْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ اَلْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ اَلْجِبالَ طُولاً . و قوله غضوا أبصارهم أي خفضوها و غمضوها و غضضت طرفي عن كذا احتملت مكروهه . و قوله وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم أي لم يشغلوا سمعهم بشي‏ء غير العلوم النافعة أي لم يشتغلوا بسماع شعر و لا غناء و لا أحاديث أهل الدنيا .

[ 142 ]

قوله نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء يعني أنهم قد طابوا نفسا في البلاء و الشدة كطيب أنفسهم بأحوالهم في الرخاء و النعمة و ذلك لقلة مبالاتهم بشدائد الدنيا و مصائبها و تقدير الكلام من جهة الإعراب نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء فموضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف و الموصول قد حذف العائد إليه و هو الهاء في نزلته كقولك ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته . ثم قال ع إنهم من شدة شوقهم إلى الجنة و من شدة خوفهم من النار تكاد أرواحهم أن تفارق أجسادهم لو لا أن الله تعالى ضرب لهم آجالا ينتهون إليها . ثم ذكر أن الخالق لما عظم في أعينهم استصغروا كل شي‏ء دونه و صاروا لشدة يقينهم و مكاشفتهم كمن رأى الجنة فهو يتنعم فيها و كمن رأى النار و هو يعذب فيها و لا ريب أن من يشاهد هاتين الحالتين يكون على قدم عظيمة من العبادة و الخوف و الرجاء و هذا مقام جليل و مثله

قوله ع في حق نفسه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا و الواو في و الجنة واو مع و قد روي بالعطف بالرفع على أنه معطوف على هم و الأول أحسن . ثم وصفهم بحزن القلوب و نحافة الأجسام و عفة الأنفس و خفة الحوائج و أن شرورهم مأمونة على الناس و أنهم صبروا صبرا يسيرا أعقبهم نعيما طويلا . ثم ابتدأهم فقال تجارة مربحة أي تجارتهم تجارة مربحة فحذف المبتدأ و روي تجارة مربحة بالنصب على أنه مصدر محذوف الفعل . قوله أما الليل بالنصب على الظرفية و روي أما الليل على الابتداء . قوله تالين منصوب على أنه حال إما من الضمير المرفوع بالفاعلية في صافون أو من الضمير المجرور بالإضافة في أقدامهم .

[ 143 ]

و الترتيل التبيين و الإيضاح و هو ضد الإسراع و العجل و يروى يرتلونه على أن الضمير يعود إلى القرآن و الرواية الأولى يعود الضمير فيها إلى أجزاء القرآن . قوله يحزنون به أنفسهم أي يستجلبون لها الحزن به و يستثيرون به دواء دائهم إشارة إلى البكاء فإنه دواء داء الحزين قال الشاعر

فقلت لها إن البكاء لراحة
به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا

و قال آخر

شجاك من ليلتك الطول
فالدمع من عينيك مسدول
و هو إذا أنت تأملته
حزن على الخدين محلول

ثم ذكر أنهم إذا مروا بآية فيها ذكر الثواب مالوا إليها و اطمأنوا بها طمعا في نيله و تطلعت أنفسهم إليها شوقا أي اشرأبت . و نصب أعينهم منصوب على الظرفية و روي بالرفع على أنه خبر أن و الظن هاهنا يمكن أن يكون على حقيقته و يمكن أن يكون بمعنى العلم كقوله تعالى أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ و أصغى إلى الكلام مال إليه بسمعه و زفير النار صوتها . و قد جاء في فضل قراءة القرآن شي‏ء كثير

روي عن النبي ص أنه قال من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظمه الله و

قال ص لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار و

قال أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن

[ 144 ]

و

قال أهل القرآن أهل الله و خاصته و

قال إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل فما جلاؤها قال تلاوة القرآن و ذكر الموت و

قال ع إن الله سبحانه لأشد أذنا إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته و

قال الحسن رحمه الله ما دون القرآن من غنى و لا بعد القرآن من فاقة . ثم ذكر ع صورة صلاتهم و ركوعهم فقال حانون على أوساطهم حنيت العود عطفته يصف هيئة ركوعهم و انحنائهم في الصلاة . مفترشون لجباههم باسطون لها على الأرض . ثم ذكر الأعضاء السبعة التي مباشرتها بالأرض فروض في الصلاة و هي الجبهة و الكفان و الركبتان و القدمان . قوله ع يطلبون إلى الله أي يسألونه يقال طلبت إليك في كذا أي سألتك و الكلام على الحقيقة مقدر فيه حال محذوفة يتعلق بها حرف الجر أي يطلبون سائلين إلى الله في فكاك رقابهم لأن طلب لا يتعدى بحرف الجر . ثم لما فرغ من ذكر الليل قال و أما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء هذه الصفات هي التي يطلع عليها الناظرون لهم نهارا و تلك الصفات المتقدمة من وظائف الليل . ثم ذكر ما هم عليه من الخوف فقال ع إن خوفهم قد براهم بري

[ 145 ]

القداح و هي السهام واحدها قدح فينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى و ما بهم من مرض نظير هذا قول الشاعر

و مخرق عنه القميص تخاله
بين البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته
تحت اللواء على الخميس زعيما

و يقال للمتقين لشدة خوفهم كأنهم مرضى و لا مرض بهم و تقول العرب للكرام من الناس القليلي المأكل و المشرب رافضي اللباس الرفيع ذوي الأجسام النحيفة مراض من غير مرض و يقولون أيضا للمرأة ذات الطرف الغضيض الفاتر ذات الكسل مريضة من غير مرض قال الشاعر

ضعيفة كر الطرف تحسب أنها
حديثة عهد بالإفاقة من سقم

[ 146 ]