ذكر الخوف و ما ورد فيه من الآثار

و اعلم أن الخوف مقام جليل من مقامات العارفين و هو أحد الأركان التي هي أصول هذا الفن و هو التقوى التي حث الله تعالى عليها و قال إن أكرم الناس عنده أشدهم خوفا له و في هذه الآية وحدها كفاية و إذا نظرت القرآن العزيز وجدت أكثره ذكر المتقين و هم الخائفون و

قال النبي ص من خاف الله خافه كل شي‏ء و من خاف غير الله خوفه الله من كل شي‏ء و

قال ع أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا و أحسنكم فيما أمر به و نهى عنه نظرا . و قال يحيى بن معاذ مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة . و قال ذو النون المصري ينبغي أن يكون الخوف أغلب من الرجاء فإن الرجاء إذا غلب تشوش القلب . و قيل لبعض الصالحين من آمن الخلق غدا قال أشدهم خوفا اليوم . و قيل للحسن يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام من أصحابك يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال إنك و الله لأن تصحب قوما يخوفونك حتى تدرك الأمن خير لك من أن تصحب قوما يؤمنونك حتى يدركك الخوف .

و قيل للنبي ص في قوله تعالى وَ اَلَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هم الذين يعصون و يخافون المعصية قال لا بل الرجل يصوم و يتصدق و يخاف ألا يقبل منه

[ 147 ]

و

قال ص ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله أو قطرة دم أريقت في سبيل الله و

قال ع سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله و ذكر منهم رجلا ذكر الله في خلوة ففاضت عيناه . قوله ع و يقول قد خولطوا أي أصابتهم جنة . ثم قال و لقد خالطهم أمر عظيم أي مازجهم خوف عظيم تولهوا لأجله فصاروا كالمجانين . ثم ذكر أنهم لا يستكثرون في كثير من أعمالهم و لا يرضيهم اجتهادهم و أنهم يتهمون أنفسهم و ينسبونها إلى التقصير في العبادة و إلى هذا نظر المتنبي فقال

يستصغر الخطر الكبير لنفسه
و يظن دجلة ليس تكفي شاربا

قال و من أعمالهم مشفقون أي مشفقون من عباداتهم ألا تقبل و إلى هذا نظر أبو تمام فقال

يتجنب الآثام ثم يخافها
فكأنما حسناته آثام

و مثل قوله أنا أعلم بنفسي من غيري قوله ع لمن زكاه نفاقا أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك . و قوله اللهم لا تؤاخذني بما يقولون إلى آخر الكلام مفرد مستقل بنفسه منقول عنه ع أنه قال لقوم مر عليهم و هم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له و منهم الذام فقال اللهم لا تؤاخذني الكلمات إلى آخرها و معناه اللهم

[ 148 ]

إن كان ما ينسبه الذامون إلي من الأفعال الموجبة الذم حقا فلا تؤاخذني بذلك و اغفر لي ما لا يعلمونه من أفعالي و إن كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلني أفضل مما يظنونه في : فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلاً فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلاَلٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ اَلْأَعْمَالَ اَلصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ اَلشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ اَلذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ اَلْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ اَلْفَضْلِ وَ اَلرَّحْمَةِ إِنِ اِسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لاَ يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لاَ يَبْقَى يَمْزُجُ اَلْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ اَلْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلاً زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ اَلْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ اَلشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي اَلْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي اَلذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي اَلذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ اَلْغَافِلِينَ

[ 149 ]

يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلاً خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي اَلزَّلاَزِلِ وَقُورٌ وَ فِي اَلْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي اَلرَّخَاءِ شَكُورٌ لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لاَ يُضِيعُ مَا اُسْتُحْفِظَ وَ لاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لاَ يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لاَ يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لاَ يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لاَ يَدْخُلُ فِي اَلْبَاطِلِ وَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ اَلْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اَللَّهُ هُوَ اَلَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ اَلنَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لاَ دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ع أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ اَلْمَوَاعِظُ اَلْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ع وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لاَ يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لاَ يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلاً لاَ تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ اَلشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ

[ 150 ]

هذه الألفاظ التي أولها قوة في دين بعضها يتعلق حرف الجر فيه بالظاهر فيكون موضعه نصبا بالمفعولية و بعضها يتعلق بمحذوف فيكون موضعه نصبا أيضا على الصفة و نحن نفصلها . فقوله قوة في دين حرف الجر هاهنا متعلق بالظاهر و هو قوة تقول فلان قوي في كذا و على كذا كما تقول مررت بكذا و بلغت إلى كذا . و و حزما في لين هاهنا لا يتعلق حرف الجر بالظاهر لأنه لا معنى له أ لا ترى أنك لا تقول فلان حازم في اللين لأن اللين ليس أمرا يحزم الإنسان فيه و ليس كما تقول فلان حازم في رأيه أو في تدبيره فوجب أن يكون حرف الجر متعلقا بمحذوف تقديره و حزما كائنا في لين . و كذلك قوله و إيمانا في يقين حرف الجر متعلق بمحذوف أي كائنا في يقين أي مع يقين . فإن قلت الإيمان هو اليقين فكيف قال و إيمانا في يقين قلت الإيمان هو الاعتقاد مضافا إلى العمل و اليقين هو سكون القلب فقط فأحدهما غير الآخر . قوله و حرصا في علم حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر و في بمعنى على كقوله تعالى لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ . قوله و قصدا في غنى حرف الجر متعلق بمحذوف أي هو مقتصد مع كونه غنيا و ليس يجوز أن يكون متعلقا بالظاهر لأنه لا معنى لقولك اقتصد في الغنى إنما يقال اقتصد في النفقة و ذلك الاقتصاد موصوف بأنه مقارن للغنى و مجامع له .

[ 151 ]

قوله و خشوعا في عبادة حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين معا . قوله و تجملا في فاقة حرف الجر هاهنا متعلق بمحذوف و لا يصح تعلقه بالظاهر لأنه إنما يقال فلان يتجمل في لباسه و مروءته مع كونه ذا فاقة و لا يقال يتجمل في الفاقة على أن يكون التجمل متعديا إلى الفاقة . قوله و صبرا في شدة حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين . قوله و طلبا في حلال حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر و في بمعنى اللام . قوله و نشاطا في هدى حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين . قوله و تحرجا عن طمع حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر لا غير . قوله يعمل الأعمال الصالحة و هو على وجل قد تقدم مثله . قوله يمسي و همه الشكر هذه درجة عظيمة من درجات العارفين و قد أثنى الله تعالى على الشكر و الشاكرين في كتابه في مواضع كثيرة نحو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ فقرن الشكر بالذكر . و قال تعالى ما يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ . و قال تعالى وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ . و لعلو مرتبة الشكر طعن إبليس في بني آدم فقال وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ و قد صدقه الله تعالى في هذا القول فقال وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ اَلشَّكُورُ .

[ 152 ]

و قال بعض أصحاب المعاني قد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر و لم يستثن فقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . و استثنى في خمسة أمور و هي الإغناء و الإجابة و الرزق و المغفرة و التوبة . فقال فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ . و قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ . و قال يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ . و قال وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . و قال وَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ . و قال بعضهم كيف لا يكون الشكر مقاما جليلا و هو خلق من أخلاق الربوبية قال تعالى في صفة نفسه وَ اَللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ . و قد جعل الله تعالى مفتاح كلام أهل الجنة فقال وَ قالُوا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ و جعله خاتمة كلامهم أيضا فقال وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ .

و قيل للنبي ص قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فلم تقوم الليل و تتعب نفسك قال أ فلا أكون عبدا شكورا .

[ 153 ]

قوله ع و يصبح و همه الذكر هذه أيضا درجة كبيرة عظيمة من درجات العارفين قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ قال بعض العارفين لأصحابه أنا أعلم متى يذكرني ربي ففزعوا منه فقال إذا ذكرته ذكرني و تلا الآية فسكتوا . و قال يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً . و قال فَاذْكُرُوا اَللَّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ . و قال فَاذْكُرُوا اَللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً . و قال فَإِذا قَضَيْتُمُ اَلصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اَللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ . و قال اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ . و قال في ذم المنافقين وَ لا يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً . و قال وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً . و قال وَ لَذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ . و

قال النبي ص ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم و

قال ص من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله

[ 154 ]

و

سئل ع أي الأعمال أفضل قال أن تموت و لسانك رطب بذكر الله و

قال ص حكاية عن الله تعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي و إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه و إذا تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا و إذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا و إذا مشى إلي هرولت إليه و

قال ص ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة و غشيتهم الرحمة و ذكرهم الله فيمن عنده . قوله ع يبيت حذرا و يصبح فرحا حذرا لما حذر من الغفلة و فرحا بما أصاب من الفضل و الرحمة . و قد تقدم ذكر الخوف . و قد عرض ع هاهنا بالرجاء المقابل للخوف فإن فرح العارف بما أصاب من الفضل و الرحمة يمكن أن يحمل على أنه فرح بمجرد ما أصاب من فضل الله و رحمته . و يمكن أن يحمل على أنه فرح بما يرجوه من ثواب الله و نعيمه لذا استدل على وصوله إليه و قوي ظنه بظفره به بما عجل الله تعالى له من الفضل و الرحمة في الدنيا و مقام الرجاء للعارفين مقام شريف و هو في مقابلة مقام الخوف و هو المقام الذي يوجد العارف فيه فرحا قال الله تعالى إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اَللَّهِ وَ أَقامُوا اَلصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ

[ 155 ]

و

قال النبي ص حكاية عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء

دخل ص على رجل من أصحابه و هو يجود بنفسه فقال كيف تجدك قال أجدني أخاف ذنوبي و أرجو رحمة ربي فقال ص ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه و أمنه مما خافه . قوله ع إن استصعبت عليه نفسه أي صارت صعبة غير منقادة يقول إذا لم تطاوعه نفسه إلى ما هي كارهة له لم يعطها مرادها فيما تحبه . قوله ع قرة عينه فيما لا يزول و زهادته فيما لا يبقى يقال للفرح المسرور إنه لقرير العين و قرت عينه تقر و المراد بردها لأن دمعة السرور باردة و دمعة الحزن حارة . و هذا الكلام يحتمل أمرين أحدهما أن يعني بما لا يزول البارئ سبحانه و هذا مقام شريف جدا أعظم من سائر المقامات و هو حب العارف لله سبحانه و قد أنكره قوم فقالوا لا معنى لمحبة البارئ إلا المواظبة على طاعته و نحوه قول أصحابنا المتكلمين إن محبة الله تعالى للعبد هي إرادته لثوابه و محبة العبد للبارئ هي إرادته لطاعته فليست المحبة عندهم شيئا زائدا على الإرادة و لا يجوز أن تتعلق بذات الله سبحانه لأن الإرادة لا تتعلق إلا بالحدوث و خالفهم شيخنا أبو الحسن فقال إن الإرادة يمكن أن تتعلق بالباقي ذكر ذلك في الكلام في الأكوان في أول التصفح فأما إثبات الحب في الجملة فقد نطق به القرآن قال سبحانه يُحِبُّهُمْ

[ 156 ]

وَ يُحِبُّونَهُ و قال أيضا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ و قال إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ و

في الحديث أن النبي ص نظر إلى مصعب بن عمير مقبلا و عليه إهاب كبش قد تمنطق به فقال انظروا إلى الرجل الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام و الشراب فدعاه حب الله و رسوله إلى ما ترون و

يقال إن عيسى ع مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم و تغيرت ألوانهم فقال ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا الخوف من النار قال حق على الله أن يؤمن من يخافه ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا و تغيرا فقال ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا الشوق إلى الجنة فقال حق على الله أن يعطي من رجاه ثم مر إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا و على وجوههم مثل المرائي من النور فقال ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا حب الله عز و جل فقال أنتم المقربون ثلاثا . و قال بعض العارفين

أحبك حبين حب الهوى
و حبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواكا
و أما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد من ذا و لا ذاك لي
و لكن لك الحمد في ذا و ذاكا

[ 157 ]

ليس يريد بكشف الحجب و الرؤية ما يظنه الظاهريون من أنها الإبصار بالعين بل المعرفة التامة و ذلك لأن المعارف النظرية يصح أن تصير ضرورية عند جمهور أصحابنا فهذا أحد محملي الكلام . و ثانيهما أن يريد بما لا يزول نعيم الجنة و هذا أدون المقامين لأن الخلص من العارفين يحبونه و يعشقونه سبحانه لذاته لا خوفا من النار و لا شوقا إلى الجنة و قد قال بعضهم لست أرضى لنفسي أن أكون كأجير السوء إن دفعت إليه الأجرة رضي و فرح و إن منعها سخط و حزن إنما أحبه لذاته . و قال بعض شعرائهم شعرا من جملته

فهجره أعظم من ناره
و وصله أطيب من جنته

و قد جاء في كلام أمير المؤمنين ع من هذا الكثير نحو

قوله لم أعبده خوفا و لا طمعا لكني وجدته أهلا للعبادة فعبدته . قوله ع يمزج الحلم بالعلم أي لا يحلم إلا عن علم بفضل الحلم ليس كما يحلم الجاهلون . قوله و القول بالعمل أي لا يقتصر على القول و مثل هذا قول الأحوص

و أراك تفعل ما تقول و بعضهم
مذق اللسان يقول ما لا يفعل

قوله ع تراه قريبا أمله أي ليست نفسه متعلقة بما عظم من آمال الدنيا و إنما قصارى أمره أن يؤمل القوت و الملبس قليلا زلله أي خطؤه . قوله منزورا أكله أي قليلا و يحمد من الإنسان الأكل النزر قال أعشى باهلة

[ 158 ]

تكفيه حزة فلذ إن ألم بها
من الشواء و يكفي شربه الغمر

و قال متمم بن نويرة

لقد كفن المنهال تحت ردائه
فتى غير مبطان العشيات أروعا

قوله ع مكظوما غيظه كظم الغيظ من الأخلاق الشريفة

قال زيد بن علي ع ما سرني بجرعة غيظ أتجرعها و أصبر عليها حمر النعم . و جاء رجل إلى الربيع بن زياد الحارثي فقال يا أبا عبد الرحمن إن فلانا يغتابك و ينال منك فقال و الله لأغيظن من أمره بذلك قال الرجل و من أمره قال الشيطان عدو الله استغواه ليؤثمه و أراد أن يغضبني عليه فأكافئه و الله لا أعطيه ما أحب من ذلك غفر الله لنا و له . و جهل إنسان على عمر بن عبد العزيز فقال أظنك أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف عافاك الله . و

قال النبي ص الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل و

قال إنسان لرسول الله ص أوصني فقال لا تغضب فأعاد عليه السؤال فقال لا تغضب فقال زدني فقال لا أجد مزيدا . و من كلام بعض الحكماء لا يفي عز الغضب بذلة الاعتذار .

[ 159 ]

قوله إن كان في الغافلين معناه أنه لا يزال ذاكر الله تعالى سواء كان جالسا مع الغافلين أو مع الذاكرين أما إذا كان مع الغافلين فإنه يذكر الله بقلبه و أما إذا كان مع الذاكرين فإنه يذكر بقلبه و لسانه . قوله ع يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه من

كلام المسيح ع في الإنجيل أحبوا أعداءكم و صلوا قاطعيكم و اعفوا عن ظالميكم و باركوا على لاعنيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي تشرق شمسه على الصالحين و الفجرة و ينزل مطره على المطيعين و الأثمة . قوله ع بعيدا فحشه ليس يعني به أنه قد يفحش تارة و يترك الفحش تارات بل لا فحش له أصلا فكنى عن العدم بالبعد لأنه قريب منه . قوله لينا قوله العارف بسام طلق الوجه لين القول و في صفات النبي ص ليس بفظ و لا صخاب . قوله في الزلازل وقور أي لا تحركه الخطوب الطارقة و يقال إن علي بن الحسين ع كان يصلي فوقعت عليه حية فلم يتحرك لها ثم انسابت بين قدميه فما حرك إحداهما عن مكانه و لا تغير لونه . قوله لا يحيف على من يبغض هذا من الأخلاق الشريفة النبوية و في كلام أبي بكر في صفات من يصلح للإمامة إن رضي لم يدخله رضاه في باطل و إن غضب لم يخرجه غضبه عن الحق . قوله يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه لأنه إن أنكر ثم شهد عليه فقد ثبت كذبه و إن سكت ثم شهد عليه فقد أقام نفسه في مقام الريبة .

[ 160 ]

قوله و لا ينابز بالألقاب هذا من قوله تعالى وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ . قوله و لا يضار بالجار

في الحديث المرفوع أوصاني ربي بالجار حتى ظننت أن يورثه قوله و لا يشمت بالمصائب نظير قول الشاعر

فلست تراه شامتا بمصيبة
و لا جزعا من طارق الحدثان

قوله إن صمت لم يغمه صمته أي لا يحزن لفوات الكلام لأنه يرى الصمت مغنما لا مغرما . قوله و إن ضحك لم يعل صوته هكذا كان ضحك رسول الله ص أكثره التبسم و قد يفر أحيانا و لم يكن من أهل القهقهة و الكركرة . قوله و إن بغي عليه صبر هذا من قول الله تعالى ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ . قوله نفسه منه في عناء لأنه يتعبها بالعبادة و الناس لا يلقون منه عنتا و لا أذى فحالهم بالنسبة إليه خلاف حال نفسه بالنسبة إليه . قوله فصعق همام أغمي عليه و مات قال الله تعالى فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ

[ 161 ]