191 ـ و من خطبة له ع

يَعْلَمُ عَجِيجَ اَلْوُحُوشِ فِي اَلْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِيَ اَلْعِبَادِ فِي اَلْخَلَوَاتِ وَ اِخْتِلاَفِ اَلنِّينَانِ فِي اَلْبِحَارِ اَلْغَامِرَاتِ وَ تَلاَطُمَ اَلْمَاءِ بِالرِّيَاحِ اَلْعَاصِفَاتِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اَللَّهِ وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي اِبْتَدَأَ خَلْقَكُمْ وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلاَءُ غِشَاءِ عَشَا أَبْصَارِكُمْ وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ العجيج رفع الصوت و كذلك العج و

في الحديث أفضل الحج العج و الثج أي التلبية و إراقة الدم و عجيج أي صوت و مضاعفة اللفظ دليل على تكرير التصويت . و النينان جمع نون و هو الحوت و اختلافها هاهنا هو إصعادها و انحدارها . و نجيب الله منتجبه و مختاره . و سفير وحيه رسول وحيه و الجمع سفراء مثل فقيه و فقهاء .

[ 189 ]

و إليه مرامي مفزعكم إليه تفزعون و تلجئون و يقال فلان مرمى قصدي أي هو الموضع الذي أنحوه و أقصده . و يروى و جلاء عشى أبصاركم بالعين المهملة و الألف المقصورة و الجأش القلب و تقدير الكلام و ضياء سواد ظلمة عقائدكم و لكنه حذف المضاف للعلم به : فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اَللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ وَ دَخِيلاً دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاَعِكُمْ وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلاً لِحِينِ وُرُودِكُمْ وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ فَإِنَّ طَاعَةَ اَللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ اَلشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ اِحْلَوْلَتْ لَهُ اَلْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ اِنْفَرَجَتْ عَنْهُ اَلْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ اَلصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ اَلْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ اَلنِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ اَلْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ اِمْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ

[ 190 ]

الشعار أقرب إلى الجسد من الدثار و الدخيل ما خالط باطن الجسد و هو أقرب من الشعار . ثم لم يقتصر على ذلك حتى أمر بأن يجعل التقوى لطيفا بين الأضلاع أي في القلب و ذلك أمس بالإنسان من الدخيل فقد يكون الدخيل في الجسد و إن لم يخامر القلب . ثم قال و أميرا فوق أموركم أي يحكم على أموركم كما يحكم الأمير في رعيته . و المنهل الماء يرده الوارد من الناس و غيرهم . و قوله لحين ورودكم أي لوقت ورودكم . و الطلبة بكسر اللام ما طلبته من شي‏ء . قوله و مصابيح لبطون قبوركم

جاء في الخبر أن العمل الصالح يضي‏ء قبر صاحبه كما يضي‏ء المصباح الظلمة . و السكن ما يسكن إليه . قوله و نفسا لكرب مواطنكم أي سعة و روحا . و مكتنفة محيطة و الأوار حر النار و الشمس . و عزبت بعدت و احلولت صارت حلوة و تراكمها اجتماعها و تكاثفها . و أسهلت صارت سهلة بعد إنصابها أي بعد إتعابها لكم أنصبته أتعبته . و هطلت سالت و قحوطها قلتها و وتاحتها . و تحدبت عليه عطفت و حنت . نضوبها انقطاعها كنضوب الماء ذهابه .

[ 191 ]

و وبل المطر صار وابلا و هو أشد المطر و أكثره و إرذاذها إتيانها بالرذاذ و هو ضعيف المطر . قوله فعبدوا أنفسكم أي ذللوها و منه طريق معبد . و اخرجوا إليه من حق طاعته أي أدوا المفترض عليكم من العبادة يقال خرجت إلى فلان من دينه أي قضيته إياه : ثُمَّ إِنَّ هَذَا اَلْإِسْلاَمَ دِينُ اَللَّهِ اَلَّذِي اِصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اِصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ أَذَلَّ اَلْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ اَلْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْكَانَ اَلضَّلاَلَةِ بِرُكْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ وَ أَتْأَقَ اَلْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لاَ اِنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لاَ فَكَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لاَ اِنْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لاَ زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لاَ اِنْقِلاَعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لاَ اِنْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لاَ عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لاَ جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لاَ ضَنْكَ لِطُرُقِهِ وَ لاَ وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لاَ سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لاَ عِوَجَ لاِنْتِصَابِهِ وَ لاَ عَصَلَ فِي عُودِهِ وَ لاَ وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لاَ اِنْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ وَ لاَ مَرَارَةَ لِحَلاَوَتِهِ فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي اَلْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا وَ مَنَارٌ اِقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلاَمٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا .

[ 192 ]

جَعَلَ اَللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اَللَّهِ وَثِيقُ اَلْأَرْكَانِ رَفِيعُ اَلْبُنْيَانِ مُنِيرُ اَلْبُرْهَانِ مُضِي‏ءُ اَلنِّيرَانِ عَزِيزُ اَلسُّلْطَانِ مُشْرِفُ اَلْمَنَارِ مُعْوِذُ اَلْمَثَارِ فَشَرِّفُوهُ وَ اِتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ اصطنعه على عينه كلمة تقال لما يشتد الاهتمام به تقول للصانع اصنع لي كذا على عيني أي اصنعه صنعة كاملة كالصنعة التي تصنعها و أنا حاضر أشاهدها بعيني قال تعالى وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي . و أصفاه خيرة خلقه أي آثر به خيرة خلقه و هم المسلمون و ياء خيرة مفتوحة . قال و أقام الله دعائم الإسلام على حب الله و طاعته . و المحاد المخالف قال تعالى مَنْ يُحادِدِ اَللَّهَ أي من يعاد الله كأنه يكون في حد و جهة و ذلك الإنسان في حد آخر و جهة أخرى و كذلك المشاق يكون في شق و الآخر في شق آخر . و أتأق الحياض ملأها و تئق السقاء نفسه يتأق تأقا و كذلك الرجل إذا امتلأ غضبا . قوله بمواتحه و هي الدلاء يمتح بها أي يسقى بها . و الانفصام الانكسار و العفاء الدروس . و الجذ القطع و يروى بالدال المهملة و هو القطع أيضا . و الضنك الضيق .

[ 193 ]

و الوعوثة كثرة في السهولة توجب صعوبة المشي لأن الأقدام تعيث في الأرض . و الوضح البياض . و العوج بفتح العين فيما ينتصب كالنخلة و الرمح و العوج بكسرها فيما لا ينتصب كالأرض و الرأي و الدين . و العصل الالتواء و الاعوجاج ناب أعصل و شجرة عصلة و سهام عصل . و الفج الطريق الواسع بين الجبلين يقول لا وعث فيه أي ليس طريق الإسلام بوعث و قد ذكرنا أن الوعوثة ما هي . قوله فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها الأسناخ جمع سنخ و هو الأصل و أساخها في الأرض أدخلها فيها و ساخت قوائم فرسه في الأرض تسوخ و تسيخ دخلت و غابت . و الآساس بالمد جمع أسس مثل سبب و أسباب و الأسس و الأس و الأساس واحد و هو أصل البناء . و غزرت عيونها بضم الزاي كثرت و شبت نيرانها بضم الشين أوقدت و المنار الأعلام في الفلاة . قوله قصد بها فجاجها أي قصد بنصب تلك الأعلام اهتداء المسافرين في تلك الفجاج فأضاف القصد إلى الفجاج . و روي روادها جمع رائد و هو الذي يسبق القوم فيرتاد لهم الكلأ و الماء . و الذروة أعلى السنام و الرأس و غيرهما . قوله معوذ المثار أي يعجز الناس إثارته و إزعاجه لقوته و متانته

[ 194 ]

ثُمَّ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ اَلدُّنْيَا اَلاِنْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ اَلآْخِرَةِ اَلاِطِّلاَعُ وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ فِي اِنْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اِقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ اِنْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا وَ اِنْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلاَمِهَا وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا جَعَلَهُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ بَلاَغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ وَ رَبِيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلْكِتَابَ نُوراً لاَ تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وَ سِرَاجاً لاَ يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لاَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَ مِنْهَاجاً لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لاَ يُظْلِمُ ضَوْءُهُ وَ فُرْقَاناً لاَ يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَ شِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ فَهُوَ مَعْدِنُ اَلْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ اَلْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ وَ رِيَاضُ اَلْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِيُّ اَلْإِسْلاَمِ وَ بُنْيَانُهُ وَ أَوْدِيَةُ اَلْحَقِّ وَ غِيطَانُهُ وَ بَحْرٌ لاَ يَنْزِفُهُ اَلْمُسْتَنْزِفُونَ وَ عُيُونٌ لاَ يُنْضِبُهَا اَلْمَاتِحُونَ وَ مَنَاهِلُ لاَ يَغِيضُهَا اَلْوَارِدُونَ وَ مَنَازِلُ لاَ يَضِلُّ نَهْجَهَا اَلْمُسَافِرُونَ وَ أَعْلاَمٌ لاَ يَعْمَى عَنْهَا اَلسَّائِرُونَ وَ إِكَامٌ آكَامٌ لاَ يَجُوزُ عَنْهَا اَلْقَاصِدُونَ

[ 195 ]