اختلاف الأقوال في عمر الدنيا

قوله ع حين دنا من الدنيا الانقطاع أي أزفت الآخرة و قرب وقتها و قد اختلف الناس في ذلك اختلافا شديدا فذهب قوم إلى أن عمر الدنيا خمسون ألف سنة قد ذهب بعضها و بقي بعضها . و اختلفوا في مقدار الذاهب و الباقي و احتجوا لقولهم بقوله تعالى تَعْرُجُ اَلْمَلائِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قالوا اليوم هو إشارة إلى الدنيا و فيها يكون عروج الملائكة و الروح إليه و اختلافهم بالأمر من عنده إلى خلقه و إلى رسله قالوا و ليس قول بعض المفسرين أنه عنى يوم القيامة بمستحسن لأن يوم القيامة لا يكون للملائكة و الروح عروج إليه سبحانه لانقطاع التكليف و لأن المؤمنين إما أن يطول عليهم ذلك اليوم بمقدار خمسين ألف سنة أو يكون هذا مختصا بالكافرين فقط و يكون قصيرا على المؤمنين و الأول باطل لأنه أشد من عذاب جهنم و لا يجوز أن يلقى المؤمن هذه المشقة و الثاني باطل لأنه لا يجوز أن يكون الزمان الواحد طويلا قصيرا بالنسبة إلى شخصين اللهم إلا أن يكون أحدهما نائما أو ممنوا بعلة تجري مجرى النوم فلا يحس بالحركة و معلوم أن حال المؤمنين بعد بعثهم ليست هذه الحال . قالوا و ليست هذه الآية مناقضة للآية الأخرى و هي قوله تعالى يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّماءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و ذلك لأن سياق الكلام يدل على أنه أراد به الدنيا و ذلك لأنه قد ورد في الخبر أن

[ 196 ]

بين الأرض و السماء مسيرة خمسمائة عام فإذا نزل الملك إلى الأرض ثم عاد إلى السماء فقد قطع في ذلك اليوم مسيرة ألف عام أ لا ترى إلى قوله يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّماءِ إِلَى اَلْأَرْضِ أي ينزل الملك بالوحي و الأمر و الحكم من السماء إلى الأرض ثم يعود راجعا إليه و عارجا صاعدا إلى السماء فيجتمع من نزوله و صعوده مقدار مسير ألف سنة . و ذكر حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتابه المسمى تواريخ الأمم أن اليهود تذهب إلى أن عدد السنين من ابتداء التناسل إلى سنة الهجرة لمحمد ص أربعة آلاف و اثنتان و أربعون سنة و ثلاثة أشهر . و النصارى تذهب إلى أن عدد ذلك خمسة آلاف و تسعمائة و تسعون سنة و ثلاثة أشهر . و أن الفرس تذهب إلى أن من عهد كيومرث والد البشر عندهم إلى هلاك يزدجرد بن شهريار الملك أربعة آلاف و مائة و اثنتين و ثمانين سنة و عشرة أشهر و تسعة عشر يوما و يسندون ذلك إلى كتابهم الذي جاء به زردشت و هو الكتاب المعروف بأبستا . فأما اليهود و النصارى فيسندون ذلك إلى التوراة و يختلفون في كيفية استنباط المدة . و تزعم النصارى و اليهود أن مدة الدنيا كلها سبعة آلاف سنة قد ذهب منها ما ذهب و بقي ما بقي . و قيل إن اليهود إنما قصرت المدة لأنهم يزعمون أن شيخهم الذي هو منتظرهم يخرج في أول الألف السابع فلو لا تنقيصهم المدة و تقصيرهم أيامها لتعجل افتضاحهم و لكن سيفتضحون فيما بعد عند من يأتي بعدنا من البشر .

[ 197 ]

قال حمزة و أما المنجمون فقد أتوا بما يغمز هذا كله فزعموا أنه قد مضى من الدنيا منذ أول يوم سارت فيه الكواكب من رأس الحمل إلى اليوم الذي خرج فيه المتوكل بن معتصم بن الرشيد من سامراء إلى دمشق ليجعلها دار الملك و هو أول يوم من المحرم سنة أربع و أربعين و مائتين للهجرة المحمدية أربعة آلاف ألف ألف ألف ثلاث لفظات و ثلاثمائة ألف و عشرون ألف سنة بسني الشمس . قالوا و الذي مضى من الطوفان إلى صبيحة اليوم الذي خرج فيه المتوكل إلى دمشق ثلاث آلاف و سبعمائة و خمس و ثلاثون سنة و عشرة أشهر و اثنان و عشرون يوما . و ذكر أبو الريحان البيروني في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية أن الفرس و المجوس يزعمون أن عمر الدنيا اثنا عشر ألف سنة على عدد البروج و عدد الشهور و أن الماضي منها إلى وقت ظهور زردشت صاحب شريعتهم ثلاثة آلاف سنة و بين ابتداء ظهور زردشت و بين أول تاريخ الإسكندر مائتان و ثمان و خمسون سنة و بين تاريخ الإسكندر و بين سنته التي كتبنا فيها شرح هذا الفصل و هي سنة سبع و أربعين و ستمائة للهجرة النبوية ألف و خمسمائة و سبعون سنة فعلى هذا يكون الماضي إلى يومنا هذا من أصل اثني عشر ألف سنة أربعة آلاف و ثمانمائة و ثماني عشرة سنة فيكون الباقي من الدنيا على قولهم أكثر من الماضي . و حكى أبو الريحان عن الهند في بعض كتبه أن مدة عمر الدنيا مقدار تضعيف الواحد من أول بيت في رقعة الشطرنج إلى آخر البيوت . فأما الأخباريون من المسلمين فأكثرهم يقولون إن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة

[ 198 ]

و يقولون إننا في السابع و الحق أنه لا يعلم أحد هذا إلا الله تعالى وحده كما قال سبحانه يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى‏ رَبِّكَ مُنْتَهاها و قال لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اَللَّهِ . و نقول مع ذلك كما ورد به الكتاب العزيز اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ و اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ و أَتى‏ أَمْرُ اَللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ . و لا نعلم كمية الماضي و لا كمية الباقي و لكنا نقول كما أمرنا و نسمع و نطيع كما أدبنا و من الممكن أن يكون ما بقي قريبا عند الله و غير قريب عندنا كما قال سبحانه إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً . و بالجملة هذا موضع غامض يجب السكوت عنه . قوله ع و قامت بأهلها على ساق الضمير للدنيا و الساق الشدة أي انكشفت عن شدة عظيمة . و قوله تعالى وَ اِلْتَفَّتِ اَلسَّاقُ بِالسَّاقِ أي التفت آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة . و المهاد الفراش و أزف منها قياد أي قرب انقيادها إلى التقضي و الزوال . و أشراط الساعة علاماتها و إضافتها إلى الدنيا لأنها في الدنيا تحدث و إن كانت علامات للأخرى و العفاء الدروس .

[ 199 ]

و روي من طولها و الطول الحبل . ثم عاد إلى ذكر النبي ص فقال جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته أي ذا بلاغ و البلاغ التبليغ فحذف المضاف . و لا تخبو لا تنطفئ و الفرقان ما يفرق به بين الحق و الباطل . و أثافي الإسلام جمع أثفية و هي الأحجار توضع عليها القدر شكل مثلث . و الغيطان جمع غائط و هو المطمئن من الأرض . و لا يغيضها بفتح حرف المضارعة غاض الماء و غضته أنا يتعدى و لا يتعدى و روي لا يغيضها بالضم على قول من قال أغضت الماء و هي لغة ليست بالمشهورة . و الآكام جمع أكم مثل جبال جمع جبل و الأكم جمع أكمة مثل عنب جمع عنبة و الأكمة ما علا من الأرض و هي دون الكثيب : جَعَلَهُ اَللَّهُ رِيّاً لِعَطَشِ اَلْعُلَمَاءِ وَ رَبِيعاً لِقُلُوبِ اَلْفُقَهَاءِ وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ اَلصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ وَ مَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلاَّهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ اِئْتَمَّ بِهِ وَ عُذْراً لِمَنِ اِنْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَ حَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اِسْتَلْأَمَ وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى

[ 200 ]

الضمير يرجع إلى القرآن جعله الله ريا لعطش العلماء إذا ضل العلماء في أمر و التبس عليهم رجعوا إليه فسقاهم كما يسقي الماء العطش و كذا القول في ربيعا لقلوب الفقهاء و الربيع هاهنا الجدول و يجوز أن يريد المطر في الربيع يقال ربعت الأرض فهي مربوعة . و المحاج جمع محجة و هي جادة الطريق و المعقل الملجأ . و سلما لمن دخله أي مأمنا و انتحله دان به و جعله نحلته . و البرهان الحجة و الفلج الظفر و الفوز و حاج به خاصم . قوله ع و حاملا لمن حمله أي أن القرآن ينجي يوم القيامة من كان حافظا له في الدنيا بشرط أن يعمل به . قوله ع و مطية لمن أعمله استعارة يقول كما أن المطية تنجي صاحبها إذا أعملها و بعثها على النجاء فكذلك القرآن إذا أعمله صاحبه أنجاه و معنى إعماله اتباع قوانينه و الوقوف عند حدوده . قوله و آية لمن توسم أي لمن تفرس قال تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ . و الجنة ما يستتر به و استلأم لبس لأمة الحرب و هي الدرع . و وعى حفظ . قوله و حديثا لمن روى قد سماه الله تعالى حديثا فقال اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ

[ 201 ]

اَلْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً و أصحابنا يحتجون بهذه اللفظة على أن القرآن ليس بقديم لأن الحديث ضد القديم . و ليس للمخالف أن يقول ليس المراد بقوله أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ ما ذكرتم بل المراد أحسن القول و أحسن الكلام لأن العرب تسمي الكلام و القول حديثا لأنا نقول لعمري إنه هكذا و لكن العرب ما سمت القول و الكلام حديثا إلا أنه مستحدث متجدد حالا فحالا أ لا ترى إلى قول عمرو لمعاوية قد مللت كل شي‏ء إلا الحديث فقال إنما يمل العتيق فدل ذلك على أنه فهم معنى تسميتهم الكلام و القول حديثا و فطن لمغزاهم و مقصدهم في هذه التسمية و إذا كنا قد كلفنا أن نجري على ذاته و صفاته و أفعاله ما أجراه سبحانه في كتابه و نطلق ما أطلقه على سبيل الوضع و الكيفية التي أطلقها و كان قد وصف كلامه بأنه حديث و كان القرآن في عرف اللغة إنما سمي حديثا لحدوثه و تجدده فقد ساغ لنا أن نطلق على كلامه أنه محدث و متجدد و هذا هو المقصود

[ 202 ]