ذكر الآثار الواردة في فضل الزكاة و التصدق

و قد جاء في فضل الزكاة الواجبة و فضل صدقة التطوع الكثير جدا و لو لم يكن إلا أن الله تعالى قرنها بالصلاة في أكثر المواضع التي ذكر فيها الصلاة لكفى . و

روى بريدة الأسلمي أن رسول الله ص قال ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر . و جاء في الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونهما في سبيل الله ما جاء في الذكر الحكيم و هو قوله تعالى يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ الآية قال المفسرون إنفاقها في سبيل الله إخراج الزكاة منها . و روى الأحنف قال قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الجسد خشن الثياب فقام عليهم فقال بشر الكانزين برضف يحمى عليها في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي الرجل حتى تخرج من نغض كتفه ثم توضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه فسألت عنه فقيل هذا أبو ذر الغفاري و كان يذكره و يرفعه .

ابن عباس يرفعه من كان عنده ما يزكي فلم يزك و كان عنده ما يحج فلم يحج سأل الرجعة يعني قوله رَبِّ اِرْجِعُونِ .

[ 209 ]

أبو هريرة سئل رسول الله ص أي الصدقة أفضل فقال أن تعطي و أنت صحيح شحيح تأمل البقاء و تخشى الفقر و لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا و لفلان كذا . و قيل للشبلي ما يجب في مائتي درهم قال أما من جهة الشرع فخمسه و أما من جهة الإخلاص فالكل .

أمر رسول الله ص بعض نسائه أن تقسم شاة على الفقراء فقالت يا رسول الله لم يبق منها غير عنقها فقال ع كلها بقي غير عنقها أخذ شاعر هذا المعنى فقال

يبكي على الذاهب من ماله
و إنما يبقى الذي يذهب

السائب كان الرجل من السلف يضع الصدقة و يمثل قائما بين يدي السائل الفقير و يسأله قبولها حتى يصير هو في صورة السائل . و كان بعضهم يبسط كفه و يجعلها تحت يد الفقير لتكون يد الفقير العليا . و

عن النبي ص ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله إليه في مخلفيه و

عنه ص الصدقة تسد سبعين بابا من الشر و

عنه ص أذهبوا مذمة السائل و لو بمثل رأس الطائر من الطعام . كان النبي ص لا يكل خصلتين إلى غيره لا يوضئه أحد و لا يعطي السائل إلا بيده . بعض الصالحين الصلاة تبلغك نصف الطريق و الصوم يبلغك باب الملك و الصدقة تدخلك عليه بغير إذن . الشعبي من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته و ضرب بها وجهه .

[ 210 ]

كان الحسن بن صالح إذا جاءه سائل فإن كان عنده ذهب أو فضة أو طعام أعطاه فإن لم يكن أعطاه زيتا أو سمنا أو نحوهما مما ينتفع به فإن لم يكن أعطاه كحلا أو خرج بإبرة و خاط بها ثوب السائل أو بخرقة يرقع بها ما تخرق من ثوبه . و وقف مرة على بابه سائل ليلا و لم يكن عنده ما يدفعه إليه فخرج إليه بقصبة في رأسها شعلة و قال خذ هذه و تبلغ بها إلى أبواب ناس لعلهم يعطونك . قوله ع ثم أداء الأمانة هي العقد الذي يلزم الوفاء به و أصح ما قيل في تفسير الآية أن الأمانة ثقيلة المحمل لأن حاملها معرض لخطر عظيم فهي بالغة من الثقل و صعوبة المحمل ما لو أنها عرضت على السماوات و الأرض و الجبال لامتنعت من حملها . فأما الإنسان فإنه حملها و ألزم القيام بها و ليس المراد بقولنا إنها عرضت على السماوات و الأرض أي لو عرضت عليها و هي جمادات بل المراد تعظيم شأن الأمانة كما تقول هذا الكلام لا يحمله الجبال و قوله

امتلأ الحوض و قال قطني

و قوله تعالى قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و مذهب العرب في هذا الباب و توسعها و مجازاتها مشهور شائع

[ 211 ]