سياسة علي و جريها على سياسة الرسول ع

و اعلم أن قوما ممن لم يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين ع زعموا أن عمر كان أسوس منه و إن كان هو أعلم من عمر و صرح الرئيس أبو علي بن سينا بذلك في الشفاء في الحكمة و كان شيخنا أبو الحسين يميل إلى هذا و قد عرض به في كتاب الغرر ثم زعم أعداؤه و مباغضوه أن معاوية كان أسوس منه و أصح تدبيرا و قد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين ع و صحة تدبيره و نحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك مما يليق بهذا الفصل الذي نحن في شرحه . اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه و بما يرى فيه صلاح ملكه و تمهيد أمره و توطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها و متى لم يعمل في السياسة و التدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله و أمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة مدفوعا إلى اتباعها و رفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب و الكيد و التدبير إذا لم يكن للشرع موافقا فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك و لسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب و لا ناسبين إليه ما هو منزه عنه و لكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و يرى تخصيص عمومات النص بالآراء و بالاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص و يكيد خصمه و يأمر أمراءه بالكيد و الحيلة و يؤدب بالدرة و السوط من

[ 213 ]

يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك و يصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب كل ذلك بقوة اجتهاده و ما يؤديه إليه نظره و لم يكن أمير المؤمنين ع يرى ذلك و كان يقف مع النصوص و الظواهر و لا يتعداها إلى الاجتهاد و الأقيسة و يطبق أمور الدنيا على أمور الدين و يسوق الكل مساقا واحدا و لا يضيع و لا يرفع إلا بالكتاب و النص فاختلفت طريقتاهما في الخلافة و السياسة و كان عمر مع ذلك شديد الغلظة و السياسة و كان علي ع كثير الحلم و الصفح و التجاوز فازدادت خلافة ذاك قوة و خلافة هذا لينا و لم يمن عمر بما مني به علي ع من فتنة عثمان التي أحوجته إلى مداراة أصحابه و جنده و مقاربتهم للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة ثم تلا ذلك فتنة الجمل و فتنة صفين ثم فتنة النهروان و كل هذه الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الوالي و انحلال معاقد ملكه و لم يتفق لعمر شي‏ء من ذلك فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة و صحة تدبير الخلافة . فإن قلت فما قولك في سياسة رسول الله ص و تدبيره أ ليس كان منتظما سديدا مع أنه كان لا يعمل إلا بالنصوص و التوقيف من الوحي فهلا كان تدبير علي ع و سياسته كذلك إذا قلتم إنه كان لا يعمل إلا بالنص قلت أما سياسة رسول الله ص و تدبيره فخارج عما نحن فيه لأنه معصوم لا تتطرق الغفلة إلى أفعاله و لا واحد من هذين الرجلين بواجب العصمة عندنا و أيضا فإن كثيرا من الناس ذهبوا إلى أن الله تعالى أذن لرسول الله ص أن يحكم في الشرعيات و غيرها برأيه و قال له احكم بما تراه فإنك لا تحكم إلا بالحق و هذا مذهب يونس بن عمران و على هذا فقد سقط السؤال لأنه ص يعمل بما يراه من المصلحة و لا ينتظر الوحي . و أيضا فبتقدير فساد هذا المذهب أ ليس قد ذهب خلق كثير من علماء أصول الفقه إلى أن رسول الله ص كان يجوز له أن يجتهد في الأحكام و التدبير كما يجتهد

[ 214 ]

الواحد من العلماء و إليه ذهب القاضي أبو يوسف رحمه الله و احتج بقوله تعالى لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِما أَراكَ اَللَّهُ . و السؤال أيضا ساقط على هذا المذهب لأن اجتهاد علي ع لا يساوي اجتهاد النبي ص و بين الاجتهادين كما بين المنزلتين . و كان أبو جعفر بن أبي زيد الحسني نقيب البصرة رحمه الله إذا حدثناه في هذا يقول إنه لا فرق عند من قرأ السيرتين سيرة النبي ص و سياسة أصحابه أيام حياته و بين سيرة أمير المؤمنين ع و سياسة أصحابه أيام حياته فكما أن عليا ع لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة و العصيان و الهرب إلى أعدائه و كثرة الفتن و الحروب فكذلك كان النبي ص لم يزل ممنوا بنفاق المنافقين و أذاهم و خلاف أصحابه عليه و هرب بعضهم إلى أعدائه و كثرة الحروب و الفتن . و كان يقول أ لست ترى القرآن العزيز مملوءا بذكر المنافقين و الشكوى منهم و التألم من أذاهم له كما أن كلام علي ع مملوء بالشكوى من منافقي أصحابه و التألم من أذاهم له و التوائهم عليه و ذلك نحو قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‏ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ إِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللَّهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ . و قوله إِنَّمَا اَلنَّجْوى‏ مِنَ اَلشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا الآية . و قوله تعالى إِذا جاءَكَ اَلْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ

[ 215 ]

لَرَسُولُهُ وَ اَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ السورة بأجمعها . و قوله تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ اِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ . و قوله تعالى رَأَيْتَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ اَلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ فَأَوْلى‏ لَهُمْ طاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ اَلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اَللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ . و قوله تعالى أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغانَهُمْ وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ . و قوله تعالى سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اَللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ اَلرَّسُولُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً . و قوله تعالى سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‏ مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اَللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اَللَّهُ مِنْ قَبْلُ

[ 216 ]

فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً . و قوله إِنَّ اَلَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ اَلْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قال و أصحابه هم الذين نازعوا في الأنفال و طلبوها لأنفسهم حتى أنزل الله تعالى قُلِ اَلْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . و هم الذين التووا عليه في الحرب يوم بدر و كرهوا لقاء العدو حتى خيف خذلانهم و ذلك قبل أن تتراءى الفئتان و أنزل فيهم يُجادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ . و هم الذين كانوا يتمنون لقاء العير دون لقاء العدو حتى إنهم ظفروا برجلين في الطريق فسألوهما عن العير فقالا لا علم لنا بها و إنما رأينا جيش قريش من وراء ذلك الكثيب فضربوهما و رسول الله ص قائم يصلي فلما ذاقا مس الضرب قالا بل العير أمامكم فاطلبوها فلما رفعوا الضرب عنهما قالا و الله ما رأينا العير و لا رأينا إلا الخيل و السلاح و الجيش فأعادوا الضرب عليهما مرة ثانية فقالا و هما يضربان العير أمامكم فخلوا عنا فانصرف رسول الله ص من الصلاة و قال إذا صدقاكم ضربتموهما و إذا كذباكم خليتم عنهما دعوهما فما رأيا إلا جيش أهل مكة و أنزل قوله تعالى وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللَّهُ إِحْدَى اَلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ

[ 217 ]

دابِرَ اَلْكافِرِينَ قال المفسرون الطائفتان العير ذات اللطيمة الواصلة إلى مكة من الشام صحبة أبي سفيان بن حرب و إليها كان خروج المسلمين و الأخرى الجيش ذو الشوكة و كان ع قد وعدهم بإحدى الطائفتين فكرهوا الحرب و أحبوا الغنيمة . قال و هم الذين فروا عنه ص يوم أحد و أسلموه و أصعدوا في الجبل و تركوه حتى شج الأعداء وجهه و كسروا ثنيته و ضربوه على بيضته حتى دخل جماجمه و وقع من فرسه إلى الأرض بين القتلى و هو يستصرخ بهم و يدعوهم فلا يجيبه أحد منهم إلا من كان جاريا مجرى نفسه و شديد الاختصاص به و ذلك قوله تعالى إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي ينادي فيسمع نداءه آخر الهاربين لا أولهم لأن أولهم أوغلوا في الفرار و بعدوا عن أن يسمعوا صوته و كان قصارى الأمر أن يبلغ صوته و استصراخه من كان على ساقة الهاربين منهم . قال و منهم الذين عصوا أمره في ذلك اليوم حيث أقامهم على الشعب في الجبل و هو الموضع الذي خاف أن تكر عليه منه خيل العدو من ورائه و هم أصحاب عبد الله بن جبير فإنهم خالفوا أمره و عصوه فيما تقدم به إليهم و رغبوا في الغنيمة ففارقوا مركزهم حتى دخل الوهن على الإسلام بطريقهم لأن خالد بن الوليد كر في عصابة من الخيل فدخل من الشعب الذي كانوا يحرسونه فما أحس المسلمون بهم إلا و قد غشوهم بالسيوف من خلفهم فكانت الهزيمة و ذلك قوله تعالى حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ

[ 218 ]

وَ تَنازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ . قال و هم الذين عصوا أمره في غزاة تبوك بعد أن أكد عليهم الأوامر و خذلوه و تركوه و لم يشخصوا معه فأنزل فيهم يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ اِثَّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ اَلدُّنْيا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَما مَتاعُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اَللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و هذه الآية خطاب مع المؤمنين لا مع المنافقين و فيها أوضح دليل على أن أصحابه و أولياءه المصدقين لدعوته كانوا يعصونه و يخالفون أمره و أكد عتابهم و تقريعهم و توبيخهم بقوله تعالى لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لاَتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ اَلشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . ثم عاتب رسول الله ص على كونه أذن لهم في التخلف و إنما أذن لهم لعلمه أنهم لا يجيبونه في الخروج فرأى أن يجعل المنة له عليهم في الإذن لهم و إلا قعدوا عنه و لم تصل له المنة فقال له عَفَا اَللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ اَلْكاذِبِينَ أي هلا أمسكت عن الإذن لهم حتى يتبين لك قعود من يقعد و خروج من يخرج صادقهم من كاذبهم لأنهم كانوا قد وعدوه بالخروج معه كلهم و كان بعضهم ينوي الغدر و بعضهم يعزم على أن يخيس بذلك الوعد فلو لم يأذن لهم لعلم من يتخلف و من لا يتخلف فعرف الصادق منهم و الكاذب .

[ 219 ]

ثم بين سبحانه و تعالى أن الذين يستأذنونه في التخلف خارجون من الإيمان فقال له لا يَسْتَأْذِنُكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ . و لا حاجة إلى التطويل بذكر الآيات المفصلة فيما يناسب هذا المعنى فمن تأمل الكتاب العزيز علم حاله ص مع أصحابه كيف كانت و لم ينقله الله تعالى إلى جواره إلا و هو مع المنافقين له و المظهرين خلاف ما يضمرون من تصديقه في جهاد شديد حتى لقد كاشفوه مرارا فقال لهم يوم الحديبية احلقوا و انحروا مرارا فلم يحلقوا و لم ينحروا و لم يتحرك أحد منهم عند قوله و قال له بعضهم و هو يقسم الغنائم اعدل يا محمد فإنك لم تعدل . و قالت الأنصار له مواجهة يوم حنين أ تأخذ ما أفاء الله علينا بسيوفنا فتدفعه إلى أقاربك من أهل مكة حتى أفضى الأمر إلى أن

قال لهم في مرض موته ائتوني بدواة و كتف أكتب لكم ما لا تضلون بعده فعصوه و لم يأتوه بذلك و ليتهم اقتصروا على عصيانه و لم يقولوا له ما قالوا و هو يسمع . و كان أبو جعفر رحمه الله يقول من هذا ما يطول شرحه و القليل منه ينبئ عن الكثير و كان يقول إن الإسلام ما حلا عندهم و لا ثبت في قلوبهم إلا بعد موته حين فتحت عليهم الفتوح و جاءتهم الغنائم و الأموال و كثرت عليهم المكاسب و ذاقوا طعم الحياة و عرفوا لذة الدنيا و لبسوا الناعم و أكلوا الطيب و تمتعوا بنساء الروم و ملكوا خزائن كسرى و تبدلوا بذلك القشف و الشظف و العيش الخشن و أكل

[ 220 ]

الضباب و القنافذ و اليرابيع و لبس الصوف و الكرابيس و أكل اللوزينجات و الفالوذجات و لبس الحرير و الديباج فاستدلوا بما فتحه الله عليهم و أتاحه لهم على صحة الدعوة و صدق الرسالة و قد كان ص وعدهم بأنه سيفتح عليهم كنوز كسرى و قيصر فلما وجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله عظموه و بجلوه و انقلبت تلك الشكوك و ذاك النفاق و ذلك الاستهزاء إيمانا و يقينا و إخلاصا و طاب لهم العيش و تمسكوا بالدين لأنه زادهم طريقا إلى نيل الدنيا فعظموا ناموسه و بالغوا في إجلاله و إجلال الرسول الذي جاء به ثم انقرض الأسلاف و جاء الأخلاف على عقيدة ممهدة و أمر أخذوه تقليدا من أسلافهم الذين ربوا في حجورهم ثم انقرض ذلك القرن و جاء من بعدهم كذلك و هلم جرا . قال و لو لا الفتوح و النصر و الظفر الذي منحهم الله تعالى إياه و الدولة التي ساقها إليهم لانقرض دين الإسلام بعد وفاة رسول الله ص و كان يذكر في التواريخ كما تذكر الآن نبوة خالد بن سنان العبسي حيث ظهر و دعا إلى الدين و كان الناس يعجبون من ذلك و يتذاكرونه كما يعجبون و يتذاكرون أخبار من نبغ من الرؤساء و الملوك و الدعاة الذين انقرض أمرهم و بقيت أخبارهم . و كان يقول من تأمل حال الرجلين وجدهما متشابهتين في جميع أمورهما أو في أكثرها و ذلك لأن حرب رسول الله ص مع المشركين كانت سجالا انتصر يوم بدر و انتصر المشركون عليه يوم أحد و كان يوم الخندق كفافا خرج هو و هم سواء لا عليه و لا له لأنهم قتلوا رئيس الأوس و هو سعد بن معاذ و قتل منهم فارس قريش و هو عمرو بن عبد ود و انصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك الساعة التي كانت ثم حارب بعدها قريشا يوم الفتح فكان الظفر له . و هكذا كانت حروب علي ع انتصر يوم الجمل و خرج الأمر بينه و بين

[ 221 ]

معاوية على سواء قتل من أصحابه رؤساء و من أصحاب معاوية رؤساء و انصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له . قال و من العجب أن أول حروب رسول الله ص كانت بدرا و كان هو المنصور فيها و أول حروب علي ع الجمل و كان هو المنصور فيها ثم كان من صحيفة الصلح و الحكومة يوم صفين نظير ما كان من صحيفة الصلح و الهدنة يوم الحديبية ثم دعا معاوية في آخر أيام علي ع إلى نفسه و تسمى بالخلافة كما أن مسيلمة و الأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام رسول الله ص و تسميا بالنبوة و اشتد على علي ع ذلك كما اشتد على رسول الله ص أمر الأسود و مسيلمة و أبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي ص و كذلك أبطل أمر معاوية و بني أمية بعد وفاة علي ع و لم يحارب رسول الله ص أحد من العرب إلا قريش ما عدا يوم حنين و لم يحارب عليا ع من العرب أحد إلا قريش ما عدا يوم النهروان و مات علي ع شهيدا بالسيف و مات رسول الله ص شهيدا بالسم و هذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت و هذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت و مات رسول الله ص عن ثلاث و ستين سنة و مات علي ع عن مثلها . و كان يقول انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما هذا شجاع و هذا شجاع و هذا فصيح و هذا فصيح و هذا سخي جواد و هذا سخي جواد و هذا عالم بالشرائع و الأمور الإلهية و هذا عالم بالفقه و الشريعة و الأمور الإلهية الدقيقة الغامضة و هذا زاهد في الدنيا غير نهم و لا مستكثر منها و هذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها و هذا مذيب نفسه في الصلاة و العبادة و هذا مثله و هذا غير محبب إليه شي‏ء من الأمور العاجلة

[ 222 ]

إلا النساء و هذا مثله و هذا ابن عبد المطلب بن هاشم و هذا في قعدده و أبواهما أخوان لأب و أم دون غيرهما من بني عبد المطلب و ربي محمد ص في حجر والد هذا و هذا أبو طالب فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده ثم لما شب ص و كبر استخلصه من بني أبي طالب و هو غلام فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به فامتزج الخلقان و تماثلت السجيتان و إذا كان القرين مقتديا بالقرين فما ظنك بالتربية و التثقيف الدهر الطويل فواجب أن تكون أخلاق محمد ص كأخلاق أبي طالب و تكون أخلاق علي ع كأخلاق أبي طالب أبيه و محمد ع مربيه و أن يكون الكل شيمة واحدة و سوسا واحدا و طينة مشتركة و نفسا غير منقسمة و لا متجزئة و ألا يكون بين بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فضل لو لا أن الله تعالى اختص محمدا ص برسالته و اصطفاه لوحيه لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك و من أن اللطف به أكمل و النفع بمكانه أتم و أعم فامتاز رسول الله ص بذلك عمن سواه و بقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد و إلى هذا المعنى

أشار ص بقوله أخصمك بالنبوة فلا نبوة بعدي و تخصم الناس بسبع و

قال له أيضا أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فأبان نفسه منه بالنبوة و أثبت له ما عداها من جميع الفضائل و الخصائص مشتركا بينهما . و كان النقيب أبو جعفر رحمه الله غزير العلم صحيح العقل منصفا في الجدال غير متعصب للمذهب و إن كان علويا و كان يعترف بفضائل الصحابة و يثني على الشيخين . و يقول إنهما مهدا دين الإسلام و أرسيا قواعده و لقد كان شديد الاضطراب في حياة رسول الله ص و إنما مهداه بما تيسر للعرب من الفتوح و الغنائم في دولتهما . و كان يقول في عثمان إن الدولة في أيامه كانت على إقبالها و علو جدها بل كانت الفتوح في أيامه أكثر و الغنائم أعظم لو لا أنه لم يراع ناموس الشيخين و لم يستطع أن يسلك

[ 223 ]

مسلكهما و كان مضعفا في أصل القاعدة مغلوبا عليه و كثير الحب لأهله و أتيح له من مروان وزير سوء أفسد القلوب عليه و حمل الناس على خلعه و قتله