سياسة علي و معاوية و إيراد كلام للجاحظ في ذلك

فأما القول في سياسة معاوية و أن شنأة علي ع و مبغضيه زعموا أنها خير من سياسة أمير المؤمنين فيكفينا في الكلام على ذلك ما قاله شيخنا أبو عثمان و نحن نحكيه بألفاظه .

[ 228 ]

قال أبو عثمان و ربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل و التحصيل و الفهم و التمييز و هو من العامة و يظن أنه من الخاصة يزعم أن معاوية كان أبعد غورا و أصح فكرا و أجود روية و أبعد غاية و أدق مسلكا و ليس الأمر كذلك و سأرمي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه و المكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله . كان علي ع لا يستعمل في حربه إلا ما وافق الكتاب و السنة و كان معاوية يستعمل خلاف الكتاب و السنة كما يستعمل الكتاب و السنة و يستعمل جميع المكايد حلالها و حرامها و يسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى و خاقان إذا لاقى رتبيل و علي ع يقول لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم و لا تتبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تفتحوا بابا مغلقا هذه سيرته في ذي الكلاع و في أبي الأعور السلمي و في عمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة و في جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية و الحشو و الأتباع و السفلة و أصحاب الحروب إن قدروا على البيات بيتوا و إن قدروا على رضخ الجميع بالجندل و هم نيام فعلوا و إن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة و إن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق و لم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق و إن أمكن الهدم لم يتكلفوا الحصار و لم يدعوا أن ينصبوا المجانيق و العرادات و النقب و التسريب و الدبابات و الكمين و لم يدعوا دس السموم و لا التضريب بين الناس بالكذب و طرح

[ 229 ]

الكتب في عساكرهم بالسعايات و توهيم الأمور و إيحاش بعض من بعض و قتلهم بكل آلة و حيلة كيف وقع القتل و كيف دارت بهم الحال فمن اقتصر حفظك الله من التدبير على ما في الكتاب و السنة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير و ما لا يتناهى من المكايد و الكذب حفظك الله أكثر من الصدق و الحرام أكثر عددا من الحلال و لو سمى إنسان إنسانا باسمه لكان قد صدق و ليس له اسم غيره و لو قال هو شيطان أو كلب أو حمار أو شاة أو بعير أو كل ما خطر على البال لكان كاذبا في ذلك و كذلك الإيمان و الكفر و كذلك الطاعة و المعصية و كذلك الحق و الباطل و كذلك السقم و الصحة و كذلك الخطأ و الصواب فعلي ع كان ملجما بالورع عن جميع القول إلا ما هو لله عز و جل رضا و ممنوع اليدين من كل بطش إلا ما هو لله رضا و لا يرى الرضا إلا فيما يرضاه الله و يحبه و لا يرى الرضا إلا فيما دل عليه الكتاب و السنة دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء و النكراء و المكايد و الآراء فلما أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد و كثرة غرائبه في الخداع و ما اتفق له و تهيأ على يده و لم يرو ذلك من علي ع ظنوا بقصر عقولهم و قلة علومهم أن ذاك من رجحان عند معاوية و نقصان عند علي ع فانظر بعد هذا كله هل يعد له من الخدع إلا رفع المصاحف ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأي علي ع و خالف أمره . فإن زعمت أنه قال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت و ليس في هذا اختلفنا و لا عن غرارة أصحاب علي ع و عجلتهم و تسرعهم و تنازعهم دفعنا و إنما كان قولنا في التميز بينهما في الدهاء و النكراء و صحة العقل و الرأي و البزلاء على أنا لا نصف الصالحين

[ 230 ]

بالدهاء و النكراء لا نقول ما كان أنكر أبا بكر بن أبي قحافة و ما كان أنكر عمر بن الخطاب و لا يقول أحد عنده شي‏ء من الخير كان رسول الله ص أدهى العرب و العجم و أنكر قريش و أمكر كنانة لأن هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الأرب و من يتعمق في الرأي في توكيد الدنيا و زبرجها و تشديد أركانها فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر و إنما يصلحون على تدبير خالق البشر فإن هؤلاء لا يمدحون بالدهاء و النكراء و لم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه أ لا ترى أن المغيرة بن شعبة و كان أحد الدهاة حين رد على عمرو بن العاص قوله في عمر بن الخطاب و عمرو بن العاص أحد الدهاة أيضا أ أنت كنت تفعل أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك ما رأيت عمر مستخليا بأحد إلا رحمته كائنا من كان ذلك الرجل كان عمر و الله أعقل من أن يخدع و أفضل من أن يخدع و لم يذكره بالدهاء و النكراء هذا مع عجبه بإضافة الناس ذلك إليه و لكنه قد علم أنه إذا أطلق على الأئمة الألفاظ التي لا تصلح في أهل الطهارة كان ذلك غير مقبول منه فهذا هذا . و كذلك كان حكم قول معاوية للجميع أخرجوا إلينا قتلة عثمان و نحن لكم سلم فاجهد كل جهدك و استعن بمن شايعك إلى أن تتخلص إلى صواب رأي في ذلك الوقت أضله علي حتى تعلم أن معاوية خادع و أن عليا ع كان المخدوع . فإن قلت فقد بلغ ما أراد و نال ما أحب فهل رأيت كتابنا وضع إلا على أن عليا كان قد امتحن في أصحابه و في دهره بما لم يمتحن إمام قبله من الاختلاف و المنازعة و التشاح من الرئاسة و التسرع و العجلة و هل أتي ع إلا من هذا المكان أ و لسنا قد فرغنا من هذا الأمر و قد علمنا أن ثلاثة نفر تواطئوا على قتل ثلاثة نفر فانفرد ابن ملجم

[ 231 ]

بالتماس ذلك من علي ع و انفرد البرك الصريمي بالتماس ذلك من عمرو بن العاص و انفرد الآخر و هو عمرو بن بكر التميمي بالتماس ذلك من معاوية فكان من الاتفاق أو من الامتحان أن كان علي من بينهم هو المقتول . و في قياس مذهبكم أن تزعموا أن سلامة عمرو و معاوية إنما كانت بحزم منهما و أن قتل علي ع إنما هو من تضييع منه فإذ قد تبين لكم أنه من الابتلاء و الامتحان في نفسه بخلاف الذي قد شاهدتموه في عدوه فكل شي‏ء سوى ذلك فإنما هو تبع للنفس . هذا آخر كلام أبي عثمان في هذا الموضع و من تأمله بعين الإنصاف و لم يتبع الهوى علم صحة جميع ما ذكره و أن أمير المؤمنين دفع من اختلاف أصحابه و سوء طاعتهم له و لزومه سنن الشريعة و منهج العدل و خروج معاوية و عمرو بن العاص عن قاعدة الشرع في استمالة الناس إليهم بالرغبة و الرهبة إلى ما لم يدفع إليه غيره فلو لا أنه ع كان عارفا بوجوه السياسة و تدبير أمر السلطان و الخلافة حاذقا في ذلك لم يجتمع عليه إلا القليل من الناس و هم أهل الآخرة خاصة الذين لا ميل لهم إلى الدنيا فلما وجدناه دبر الأمر حين وليه و اجتمع عليه من العساكر و الأتباع ما يتجاوز العد و الحصر و قاتل بهم أعداءه الذين حالهم حالهم فظفر في أكثر حروبه و وقف الأمر بينه و بين معاوية على سواء و كان هو الأظهر و الأقرب إلى الانتصار علمنا أنه من معرفة تدبير الدول و السلطان بمكان مكين

[ 232 ]