195 ـ و من كلام له ع

روي عنه : أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَيِّدَةِ اَلنِّسَاءِ فَاطِمَةَ ع كَالْمُنَاجِي بِهِ رَسُولَ اَللَّهِ ص عِنْدَ قَبْرِهِ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنِّي وَ عَنِ اِبْنَتِكَ اَلنَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ وَ اَلسَّرِيعَةِ اَللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ يَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي إِلاَّ أَنَّ فِي اَلتَّأَسِّي لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ وَ فَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نَفْسُكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَلَقَدِ اُسْتُرْجِعَتِ اَلْوَدِيعَةُ وَ أُخِذَتِ اَلرَّهِينَةُ أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اَللَّهُ لِي دَارَكَ اَلَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ وَ سَتُنَبِّئُكَ اِبْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا فَأَحْفِهَا اَلسُّؤَالَ وَ اِسْتَخْبِرْهَا اَلْحَالَ هَذَا وَ لَمْ يَطُلِ اَلْعَهْدُ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْكَ اَلذِّكْرُ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّعٍ لاَ قَالٍ وَ لاَ سَئِمٍ فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلَةٍ وَ إِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اَللَّهُ اَلصَّابِرِينَ أما قول الرضي رحمه الله عند دفن سيدة النساء فلأنه

قد تواتر الخبر عنه ص أنه قال فاطمة سيدة نساء العالمين إما هذا اللفظ بعينه أو لفظ يؤدي هذا

[ 266 ]

المعنى

روي أنه قال و قد رآها تبكي عند موته أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة و

روي أنه قال سادات نساء العالمين أربع خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و آسية بنت مزاحم و مريم بنت عمران . قوله ع و سريعة اللحاق بك

جاء في الحديث أنه رآها تبكي عند موته فأسر إليها أنت أسرع أهلي لحوقا بي فضحكت . قوله عن صفيتك أجله ص عن أن يقول عن ابنتك فقال صفيتك و هذا من لطيف عبارته و محاسن كنايته يقول ع ضعف جلدي و صبري عن فراقها لكني أتأسى بفراقي لك فأقول كل عظيم بعد فراقك جلل و كل خطب بعد موتك يسير . ثم ذكر حاله معه وقت انتقاله ص إلى جوار ربه فقال لقد وسدتك في ملحودة قبرك أي في الجهة المشقوقة من قبرك و اللحد الشق في جانب القبر و جاء بضم اللام في لغة غير مشهورة . قال و فاضت بين نحري و صدري نفسك يروى أنه ص قذف دما يسيرا وقت موته و من قال بهذا القول زعم أن مرضه كان ذات الجنب و أن القرحة التي كانت في الغشاء المستبطن للأضلاع انفجرت في تلك الحال و كانت فيها نفسه ص و ذهب قوم إلى أن مرضه إنما كان الحمى و السرسام الحار و أن أهل داره ظنوا أن به ذات الجنب فلدوه و هو مغمى عليه و كانت العرب تداوي باللدود من به ذات الجنب فلما أفاق علم أنهم قد لدوه فقال لم يكن الله ليسلطها علي لدوا كل من في الدار فجعل بعضهم يلد بعضا .

[ 267 ]

و احتج الذاهبون إلى أن مرضه كان ذات الجنب بما روي من انتصابه و تعذر الاضطجاع و النوم عليه

قال سلمان الفارسي دخلت عليه صبيحة يوم قبل اليوم الذي مات فيه فقال لي يا سلمان أ لا تسأل عما كابدته الليلة من الألم و السهر أنا و علي فقلت يا رسول الله أ لا أسهر الليلة معك بدله فقال لا هو أحق بذلك منك . و زعم آخرون أن مرضه كان أثرا لأكلة السم التي أكلها ع و احتجوا

بقوله ص ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري . و من لم يذهب إلى ذات الجنب فأولوا قول علي ع فاضت بين نحري و صدري نفسك فقالوا أراد بذلك آخر الأنفاس التي يخرجها الميت و لا يستطيع إدخال الهواء إلى الرئة عوضا عنها و لا بد لكل ميت من نفخة تكون آخر حركاته . و يقول قوم إنها الروح و عبر علي ع عنها بالنفس لما كانت العرب لا ترى بين الروح و النفس فرقا . و اعلم أن الأخبار مختلفة في هذا المعنى فقد

روى كثير من المحدثين عن عائشة أنها قالت توفي رسول الله ص بين سحري و نحري . و روى كثير منهم هذا اللفظ عن علي ع أنه قال عن نفسه و

قال في رواية أخرى ففاضت نفسه في يدي فأمررتها على وجهي .

[ 268 ]

و الله أعلم بحقيقة هذه الحال و لا يبعد عندي أن يصدق الخبران معا بأن يكون رسول الله ص وقت الوفاة مستندا إلى علي و عائشة جميعا فقد وقع الاتفاق على أنه مات و هو حاضر لموته و هو الذي كان يقلبه بعد موته و هو الذي كان يعلله ليالي مرضه فيجوز أن يكون مستندا إلى زوجته و ابن عمه و مثل هذا لا يبعد وقوعه في زماننا هذا فكيف في ذلك الزمان الذي كان النساء فيه و الرجال مختلطين لا يستتر البعض عن البعض . فإن قلت فكيف تعمل بآية الحجاب و ما صح من استتار أزواج رسول الله ص عن الناس بعد نزولها . قلت قد وقع اتفاق المحدثين كلهم على أن العباس كان ملازما للرسول ص أيام مرضه في بيت عائشة و هذا لا ينكره أحد فعلى القاعدة التي كان العباس ملازمه ص كان علي ع ملازمه و ذلك يكون بأحد الأمرين إما بأن نساءه لا يستترن من العباس و علي لكونهما أهل الرجل و جزءا منه أو لعل النساء كن يختمرن بأخمرتهن و يخالطن الرجال فلا يرون وجوههن و ما كانت عائشة وحدها في البيت عند موته بل كان نساؤه كلهن في البيت و كانت ابنته فاطمة عند رأسه ص . فأما حديث مرضه ص و وفاته فقد ذكرناه فيما تقدم . قوله إنا لله إلى آخره أي عبيده كما تقول هذا الشي‏ء لزيد أي يملكه . ثم عقب الاعتراف بالملكية بالإقرار بالرجعة و البعث و هذه الكلمة تقال عند المصيبة كما أدب الله تعالى خلقه و عباده . و الوديعة و الرهينة عبارة عن فاطمة و من هذا الموضع أخذ ابن ثوابة الكاتب قوله عن قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون لما حملت من مصر إلى المعتضد أحمد بن

[ 269 ]

طلحة بن المتوكل و قد وصلت الوديعة سالمة و الله المحمود و كيف يوصي الناظر بنوره أم كيف يحض القلب على حفظ سروره . و أخذ الصابي هذه اللفظة أيضا فكتب عن عز الدولة بختيار بن بويه إلى عدة الدولة أبي تغلب بن حمدان و قد نقل إليه ابنته قد وجهت الوديعة يا سيدي و إنما تقلب من وطن إلى سكن و من مغرس إلى مغرس و من مأوى بر و انعطاف إلى مثوى كرامة و ألطاف . فأما الرهينة فهي المرتهنة يقال للمذكر هذا رهين عندي على كذا و للأنثى هذه رهينة عندي على كذا كأنها ع كانت عنده عوضا من رؤية رسول الله ص كما تكون الرهينة عوضا عن الأمر الذي أخذت رهينة عليه . ثم ذكر ع أن حزنه دائم و أنه يسهر ليله و لا ينام إلى أن يلتحق برسول الله ص و يجاوره في الدار الآخرة و هذا من باب المبالغة كما يبالغ الخطباء و الكتاب و الشعراء في المعاني لأنه ع ما سهر منذ ماتت فاطمة و دام سهره إلى أن قتل ع و إنما سهر ليلة أو شهرا أو سنة ثم استمر مريره و ارعوى رسنه فأما الحزن فإنه لم يزل حزينا إذا ذكرت فاطمة هكذا وردت الرواية عنه . قوله ع و ستنبئك ابنتك أي ستعلمك . فأحفها السؤال أي استقص في مسألتها و استخبرها الحال أحفيت إحفاء في السؤال استقصيت و كذلك في الحجاج و المنازعة قال الحارث بن حلزة

إن إخواننا الأراقم يغلون
علينا في قيلهم إحفاء

و رجل حفي أي مستقص في السؤال .

[ 270 ]

و استخبرها الحال أي عن الحال فحذف الجار كقولك اخترت الرجال زيدا أي من الرجال أي سلها عما جرى بعدك من الاستبداد بعقد الأمر دون مشاورتنا و لا يدل هذا على وجود النص لأنه يجوز أن تكون الشكوى و التألم من إطراحهم و ترك إدخالهم في المشاورة فإن ذلك مما تكرهه النفوس و تتألم منه و هجا الشاعر قوما فقال

و يقضى الأمر حين تغيب تيم
و لا يستأذنون و هم شهود

قوله هذا و لم يطل العهد و لم يخلق الذكر أي لم ينس . فإن قلت فما هذا الأمر الذي لم ينس و لم يخلق إن لم يكن هناك نص . قلت

قوله ص إني مخلف فيكم الثقلين و

قوله اللهم أدر الحق معه حيث دار و أمثال ذلك من النصوص الدالة على تعظيمه و تبجيله و منزلته في الإسلام فهو ع كان يريد أن يؤخر عقد البيعة إلى أن يحضر و يستشار و يقع الوفاق بينه و بينهم على أن يكون العقد لواحد من المسلمين بموجبه إما له أو لأبي بكر أو لغيرهما و لم يكن ليليق أن يبرم الأمر و هو غير حاضر له مع جلالته في الإسلام و عظيم أثره و ما ورد في حقه من وجوب موالاته و الرجوع إلى قوله و فعله فهذا هو الذي كان ينقم ع و منه كان يتألم و يطيل الشكوى و كان ذلك في موضعه و ما أنكر إلا منكرا فأما النص فإنه لم يذكره ع و لا احتج به و لما طال الزمان صفح عن ذلك الاستبداد الذي وقع منهم و حضر عندهم فبايعهم و زال ما كان في نفسه .

[ 271 ]

فإن قلت فهل كان يسوغ لأبي بكر و قد رأى وثوب الأنصار على الأمر أن يؤخره إلى أن يخرج ع و يحضر المشورة . قلت إنه لم يلم أبا بكر بعينه و إنما تألم من استبداد الصحابة بالأمر دون حضوره و مشاورته و يجوز أن يكون أكثر تألمه و عتابه مصروفا إلى الأنصار الذين فتحوا باب الاستبداد و التغلب