ما رواه أبو حيان في حديث السقيفة

و روى القاضي أبو حامد أحمد بن بشير المروروذي العامري فيما حكاه عنه أبو حيان التوحيدي قال أبو حيان سمرنا عند القاضي أبي حامد ليلة ببغداد بدار ابن جيشان في شارع الماذيان فتصرف الحديث بنا كل متصرف و كان و الله معنا مزيلا مخلطا عزيز الرواية لطيف الدراية له في كل جو متنفس و في كل نار مقتبس فجرى حديث السقيفة و تنازع القوم الخلافة فركب كل منا فنا و قال قولا و عرض بشي‏ء و نزع إلى مذهب فقال أبو حامد هل فيكم من يحفظ رسالة أبي بكر إلى علي و جواب علي له و مبايعته إياه عقيب تلك الرسالة فقالت الجماعة لا و الله فقال هي و الله من درر الحقاق المصونة و مخبئات الصناديق في الخزائن المحوطة و منذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي في وزارته فكتبها عني في خلوة بيده و قال لا أعرف في الأرض رسالة

[ 272 ]

أعقل منها و لا أبين و إنها لتدل على علم و حكم و فصاحة و فقاهة في دين و دهاء و بعد غور و شدة غوص . فقال له واحد من القوم أيها القاضي فلو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها و رويناه عنك فنحن أوعى لها من المهلبي و أوجب ذماما عليك . فقال هذه الرسالة رواها عيسى بن دأب عن صالح بن كيسان عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن أبي عبيدة بن الجراح . قال أبو عبيدة لما استقامت الخلافة لأبي بكر بين المهاجرين و الأنصار و لحظ بعين الوقار و الهيبة بعد هنة كاد الشيطان بها يسر فدفع الله شرها و أدحض عسرها فركد كيدها و تيسر خيرها و قصم ظهر النفاق و الفسق بين أهلها بلغ أبا بكر عن علي ع تلكؤ و شماس و تهمهم و نفاس فكره أن يتمادى الحال و تبدو له العورة و تنفرج ذات البين و يصير ذلك دريئة لجاهل مغرور أو عاقل ذي دهاء أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان دعاني في خلوة فحضرته و عنده عمر وحده و كان عمر قبسا له و ظهيرا معه يستضي‏ء بناره و يستملي من لسانه فقال لي يا أبا عبيدة ما أيمن ناصيتك و أبين الخير بين عارضيك لقد كنت مع رسول الله ص بالمكان المحوط و المحل المغبوط و

لقد قال فيك في يوم مشهود أبو عبيدة أمين هذه الأمة و طالما أعز الله الإسلام بك و أصلح ثلمة على يديك و لم تزل للدين ناصرا و للمؤمنين روحا و لأهلك ركنا و لإخوانك مردا قد أردتك

[ 273 ]

لأمر له ما بعده خطره مخوف و صلاحه معروف و لئن لم يندمل جرحه بمسبارك و رفقك و لم تجب حيته برقيتك لقد وقع اليأس و أعضل البأس و احتيج بعدك إلى ما هو أمر من ذلك و أعلق و أعسر منه و أغلق و الله أسأل تمامه بك و نظامه على يدك فتأت له يا أبا عبيدة و تلطف فيه و انصح لله و لرسوله و لهذه العصابة غير آل جهدا و لا قال حمدا و الله كالئك و ناصرك و هاديك و مبصرك . امض إلى علي و اخفض جناحك له و اغضض من صوتك عنده و اعلم أنه سلالة أبي طالب و مكانه ممن فقدناه بالأمس مكانه و قل له البحر مغرقة و البر مفرقة و الجو أكلف و الليل أغلف و السماء جلواء و الأرض صلعاء و الصعود متعذر و الهبوط متعسر و الحق عطوف رءوف و الباطل نسوف عصوف و العجب مقدحة الشر و الضغن رائد البوار و التعريض شجار الفتنة و القحة مفتاح العداوة و الشيطان متكئ على شماله باسط ليمينه نافج حضنيه لأهله ينتظر الشتات و الفرقة و يدب بين الأمة بالشحناء و العداوة عنادا لله و لرسوله و لدينه يوسوس بالفجور و يدلي بالغرور و يمني أهل الشرور و يوحي إلى أوليائه بالباطل دأبا له منذ كان على عهد أبينا

[ 274 ]

آدم و عادة منه منذ أهانه الله في سالف الدهر لا ينجى منه إلا بعض الناجذ على الحق و غض الطرف عن الباطل و وطء هامة عدو الله و الدين بالأشد فالأشد و الأجد فالأجد و إسلام النفس لله فيما حاز رضاه و جنب سخطه . و لا بد من قول ينفع إذ قد أضر السكوت و خيف غبه و لقد أرشدك من أفاء ضالتك و صافاك من أحيا مودته لك بعتابك و أراد الخير بك من آثر البقيا معك . ما هذا الذي تسول لك نفسك و يدوى به قلبك و يلتوي عليه رأيك و يتخاوص دونه طرفك و يستشري به ضغنك و يتراد معه نفسك و تكثر لأجله صعداؤك و لا يفيض به لسانك أ عجمة بعد إفصاح أ لبسا بعد إيضاح أ دينا غير دين الله أ خلقا غير خلق القرآن أ هديا غير هدي محمد أ مثلي يمشى له الضراء و يدب له الخمر أم مثلك يغص عليه الفضاء و يكسف في عينه القمر ما هذه القعقعة بالشنان و الوعوعة باللسان إنك لجد عارف باستجابتنا لله و لرسوله و خروجنا من أوطاننا و أولادنا و أحبتنا هجرة إلى الله و نصرة لدينه في زمان أنت منه في كن الصبا و خدر الغرارة غافل تشبب و تربب لا تعي ما يشاد و يراد و لا تحصل ما يساق و يقاد سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك و سجايا الفتيان أشكالك حتى بلغت إلى غايتك هذه التي إليها أجريت و عندها حط رحلك غير مجهول القدر

[ 275 ]

و لا مجحود الفضل و نحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي و نقاسي أهوالا تشيب النواصي خائضين غمارها راكبين تيارها نتجرع صلبها و نشرج عيابها و نحكم آساسها و نبرم أمراسها و العيون تحدج بالحسد و الأنوف تعطس بالكبر و الصدور تستعر بالغيظ و الأعناق تتطاول بالفخر و الأسنة تشحذ بالمكر و الأرض تميد بالخوف لا ننتظر عند المساء صباحا و لا عند الصباح مساء و لا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه و لا نبلغ إلى شي‏ء إلا بعد تجرع العذاب قبله و لا نقوم منآدا إلا بعد اليأس من الحياة عنده فأدين في كل ذلك رسول الله ص بالأب و الأم و الخال و العم و المال و النشب و السبد و اللبد و الهلة و البلة بطيب أنفس و قرة أعين و رحب أعطان و ثبات عزائم و صحة عقول و طلاقة أوجه و ذلاقة ألسن هذا إلى خبيئات أسرار و مكنونات أخبار كنت عنها غافلا و لو لا سنك لم تك عن شي‏ء منها ناكلا كيف و فؤادك مشهوم و عودك معجوم و غيبك مخبور و الخير منك كثير فالآن قد بلغ الله بك و أرهص الخير لك و جعل مرادك بين يديك فاسمع ما أقول لك و اقبل ما يعود قبوله عليك و دع التحبس و التعبس

[ 276 ]

لمن لا يضلع لك إذا خطا و لا يتزحزح عنك إذا عطا فالأمر غض و في النفوس مض و أنت أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا و سيفها العضب فلا تنب اعوجاجا و ماؤها العذب فلا تحل أجاجا و الله لقد سألت رسول الله ص عن هذا لمن هو فقال هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه و لمن يتضاءل له لا لمن يشمخ إليه و هو لمن يقال له هو لك لا لمن يقول هو لي . و لقد شاورني رسول الله ص في الصهر فذكر فتيانا من قريش فقلت له أين أنت من علي فقال إني لأكره لفاطمة ميعة شبابه و حدة سنه فقلت متى كنفته يدك و رعته عينك حفت بهما البركة و أسبغت عليهما النعمة مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك و ما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء و لا لوجاء و لكني قلت ما قلت و أنا أرى مكان غيرك و أجد رائحة سواك و كنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي و لئن كان عرض بك رسول الله ص في هذا الأمر فقد كنى عن غيرك و إن قال فيك فما سكت عن سواك و إن اختلج في نفسك شي‏ء فهلم فالحكم مرضي و الصواب مسموع و الحق مطاع . و لقد نقل رسول الله ص إلى ما عند الله و هو عن هذه العصابة راض و عليها حدب يسره ما سرها و يكيده ما كادها و يرضيه ما أرضاها و يسخطه

[ 277 ]

ما أسخطها أ لم تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه و خلطائه و أقاربه و سجرائه إلا أبانه بفضيلة و خصه بمزية و أفرده بحالة لو أصفقت الأمة عليه لأجلها لكان عنده إيالتها و كفالتها . أ تظن أنه ع ترك الأمة سدى بددا عدا مباهل عباهل طلاحى مفتونة بالباطل ملوية عن الحق لا ذائد و لا رائد و لا ضابط و لا خابط و لا رابط و لا سافي و لا واقي و لا حادي و لا هادي كلا و الله ما اشتاق إلى ربه و لا سأله المصير إلى رضوانه إلا بعد أن أقام الصوى و أوضح الهدى و أمن المهالك و حمى المطارح و المبارك و إلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله و شرم وجه النفاق لوجه الله و جدع أنف الفتنة في دين الله و تفل في عين الشيطان بعون الله و صدع بمل‏ء فيه و يده بأمر الله . و بعد فهؤلاء المهاجرون و الأنصار عندك و معك في بقعة جامعة و دار واحدة إن استقادوا لك و أشاروا بك فأنا واضع يدي في يدك و صائر إلى رأيهم فيك و إن تكن الأخرى فادخل في صالح ما دخل فيه المسلمون و كن العون على مصالحهم و الفاتح لمغالقهم و المرشد لضالهم و الرادع لغاويهم فقد أمر الله بالتعاون على البر و أهاب إلى التناصر على الحق و دعنا نقض هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغل و نلقى الله بقلوب سليمة من الضغن .

[ 278 ]

و إنما الناس ثمامة فارفق بهم و احن عليهم و لن لهم و لا تسول لك نفسك فرقتهم و اختلاف كلمتهم و اترك ناجم الشر حصيدا و طائر الحقد واقعا و باب الفتنة مغلقا لا قال و لا قيل و لا لوم و لا تعنيف و لا عتاب و لا تثريب و الله على ما أقول وكيل و بما نحن عليه بصير . قال أبو عبيدة فلما تهيأت للنهوض قال لي عمر كن على الباب هنيهة فلي معك ذرو من الكلام فوقفت و ما أدري ما كان بعدي إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا و قال لي قل لعلي الرقاد محلمة و اللجاج ملحمة و الهوى مقحمة و ما منا أحد إلا له مقام معلوم و حق مشاع أو مقسوم و بناء ظاهر أو مكتوم و إن أكيس الكيسى من منح الشارد تألفا و قارب البعيد تلطفا و وزن كل أمر بميزانه و لم يجعل خبره كعيانه و لا قاس فتره بشبره دينا كان أو دنيا و ضلالا كان أو هدى و لا خير في علم معتمل في جهل و لا في معرفة مشوبة بنكر

و لسنا كجلدة رفغ البعير
بين العجان و بين الذنب

و كل صال فبناره يصلى و كل سيل فإلى قراره يجرى و ما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي و حصر و لا كلامها اليوم لفرق أو حذر فقد جدع الله بمحمد ع أنف كل متكبر و قصم به ظهر كل جبار و سل لسان كل كذوب فما ذا بعد الحق إلا الضلال . ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك و ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك و ما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك و القذاة التي أعشت ناظرك و ما هذا الدحس

[ 279 ]

و الدس اللذان يدلان على ضيق الباع و خور الطباع و ما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر و اشتملت عليه بالشحناء و النكر لشد ما استسعيت لها و سريت سرى ابن أنقد إليها إن العوان لا تعلم الخمرة ما أحوج الفرعاء إلى فالية و ما أفقر الصلعاء إلى حالية و لقد قبض رسول الله ص و الأمر معبد مخيس ليس لأحد فيه ملمس لم يسير فيك قولا و لم يستنزل لك قرآنا و لم يجزم في شأنك حكما لسنا في كسروية كسرى و لا قيصرية قيصر تأمل إخوان فارس و أبناء الأصفر قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا و دريئة لرماحنا و مرمى لطعاننا بل نحن في نور نبوة و ضياء رسالة و ثمرة حكمة و أثر رحمة و عنوان نعمة و ظل عصمة بين أمة مهدية بالحق و الصدق مأمونة على الرتق و الفتق لها من الله تعالى قلب أبي و ساعد قوي و يد ناصرة و عين ناظرة . أ تظن ظنا أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة خادعا لها و متسلطا عليها أ تراه امتلخ أحلامها و أزاغ أبصارها و حل عقودها و أحال عقولها و استل من صدورها حميتها و انتكث رشاءها و انتضب ماءها و أضلها عن هداها و ساقها إلى رداها و جعل نهارها ليلا و وزنها كيلا و يقظتها رقادا و صلاحها فسادا إن كان هكذا إن سحره لمبين و إن كيده لمتين كلا و الله بأي خيل و رجل و بأي سنان و نصل و بأي منة و قوة و بأي مال و عدة و بأي أيد و شدة و بأي عشيرة و أسرة و بأي قدرة و مكنة و بأي تدرع و بسطة لقد أصبح بما وسمته منيع الرقبة رفيع العتبة لا و الله لكن سلا عنها فولهت نحوه و تطامن لها فالتفت به و مال عنها فمالت إليه و اشمأز دونها فاشتملت عليه حبوة حباه الله بها و غاية بلغه الله إليها و نعمة سربله جمالها و يد لله أوجب عليه شكرها و أمة نظر الله به

[ 280 ]

لها و طالما حلقت فوقه في أيام النبي ص و هو لا يلتفت لفتها و لا يرتصد وقتها و الله أعلم بخلقه و أرأف بعباده يختار ما كان لهم الخيرة و إنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة و معدن الرسالة و كهف الحكمة و لا يجحد حقك فيما آتاك ربك من العلم و منحك من الفقه في الدين هذا إلى مزايا خصصت بها و فضائل اشتملت عليها و لكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك و قربى أمس من قرباك و سن أعلى من سنك و شيبة أروع من شيبتك و سيادة معروفة في الإسلام و الجاهلية و مواقف ليس لك فيها جمل و لا ناقة و لا تذكر فيها في مقدمة و لا ساقة و لا تضرب فيها بذراع و لا إصبع و لا تعد منها ببازل و لا هبع . إن أبا بكر كان حبة قلب رسول الله ص و علاقة همه و عيبة سره و مثوى حزنه و راحة باله و مرمق طرفه شهرته مغنية عن الدلالة عليه . و لعمري إنك لأقرب منه إلى رسول الله ص قرابة و لكنه أقرب منك قربة و القرابة لحم و دم و القربة روح و نفس و هذا فرق يعرفه المؤمنون و لذلك صاروا إليه أجمعون . و مهما شككت فلا تشك في أن يد الله مع الجماعة و رضوانه لأهل الطاعة فادخل فيما هو خير لك اليوم و أنفع غدا و الفظ من فيك ما هو متعلق بلهاتك و انفث

[ 281 ]

سخيمة صدرك فإن يكن في الأمد طول و في الأجل فسحة فستأكله مريئا أو غير مري‏ء و ستشربه هنيئا أو غير هني‏ء حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك و لا تابع لك إلا من كان طامعا فيك حين يمض إهابك و يفري أديمك و يزري على هديك هناك تقرع السن من ندم و تشرب الماء ممزوجا بدم حين تأسى على ما مضى من عمرك و انقضى و انقرض من دارج قومك و تود أن لو سقيت بالكأس التي سقيتها غيرك و رددت إلى الحال التي كنت تكرهها في أمسك و لله فينا و فيك أمر هو بالغه و عاقبة هو المرجو لسرائها و ضرائها و هو الولي الحميد الغفور الودود . قال أبو عبيدة فمشيت إلى علي مثبطا متباطئا كأنما أخطو على أم رأسي فرقا من الفتنة و إشفاقا على الأمة و حذرا من الفرقة حتى وصلت إليه في خلاء فأبثثته بثي كله و برئت إليه منه و دفعته له فلما سمعها و وعاها و سرت في أوصاله حمياها قال حلت معلوطة و ولت مخروطة ثم قال .

إحدى لياليك فهيسي هيسي
لا تنعمي الليلة بالتعريس

يا أبا عبيدة أ هذا كله في أنفس القوم يستنبطونه و يضطغنون عليه فقلت لا جواب عندي إنما جئتك قاضيا حق الدين و راتقا فتق الإسلام و سادا ثلمة الأمة يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي و قرارة نفسي .

[ 282 ]

فقال ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصدا لخلاف و لا إنكارا لمعروف و لا زراية على مسلم بل لما وقذني به رسول الله ص من فراقه و أودعني من الحزن لفقده فإني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد علي حزنا و ذكرني شجنا و إن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره و قد عكفت على عهد الله أنظر فيه و أجمع ما تفرق منه رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله و سلم لعلمه و مشيئته أمره على أني أعلم أن التظاهر علي واقع و لي عن الحق الذي سيق إلي دافع و إذ قد أفعم الوادي لي و حشد النادي علي فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين و في النفس كلام لو لا سابق قول و سالف عهد لشفيت غيظي بخنصري و بنصري و خضت لجته بأخمصي و مفرقي و لكني ملجم إلى أن ألقى الله تعالى عنده أحتسب ما نزل بي و أنا غاد إن شاء الله إلى جماعتكم و مبايع لصاحبكم و صابر على ما ساءني و سركم ليقضي الله أمرا كان مفعولا و كان الله على كل شي‏ء شهيدا . قال أبو عبيدة فعدت إلى أبي بكر و عمر فقصصت القول على غره و لم أترك شيئا من حلوه و مره ذكرت غدوة إلى المسجد فلما كان صباح يومئذ وافى علي فخرق الجماعة إلى أبي بكر و بايعه و قال خيرا و وصف جميلا و جلس زمينا و استأذن للقيام و نهض فتبعه عمر إكراما له و إجلالا لموضعه و استنباطا لما في نفسه و قام أبو بكر إليه فأخذ بيده و قال إن عصابة أنت منها يا أبا الحسن لمعصومة و إن أمة أنت فيها لمرحومة و لقد أصبحت عزيزا علينا كريما لدينا نخاف الله إن سخطت و نرجوه إذا رضيت و لو لا أني شدهت لما أجبت إلى ما دعيت إليه و لكني خفت

[ 283 ]

الفرقة و استئثار الأنصار بالأمر على قريش و أعجلت عن حضورك و مشاورتك و لو كنت حاضرا لبايعتك و لم أعدل بك و لقد حط الله عن ظهرك ما أثقل كاهلي به و ما أسعد من ينظر الله إليه بالكفاية و إنا إليك لمحتاجون و بفضلك عالمون و إلى رأيك و هديك في جميع الأحوال راغبون و على حمايتك و حفيظتك معولون ثم انصرف و تركه مع عمر .

فالتفت علي إلى عمر فقال يا أبا حفص و الله ما قعدت عن صاحبك جزعا على ما صار إليه و لا أتيته خائفا منه و لا أقول ما أقول بعلة و إني لأعرف مسمى طرفي و مخطي قدمي و منزع قوسي و موقع سهمي و لكني تخلفت إعذارا إلى الله و إلى من يعلم الأمر الذي جعله لي رسول الله و أتيت فبايعت حفظا للدين و خوفا من انتشار أمر الله . فقال له عمر يا أبا الحسن كفكف من غربك و نهنه من شرتك و دع العصا بلحائها و الدلو برشائها فإنا من خلفها و ورائها إن قدحنا أورينا و إن متحنا أروينا و إن قرحنا أدمينا و قد سمعت أمثالك التي ألغزت بها صادرة عن صدر دو و قلب جو زعمت أنك قعدت في كسر بيتك لما وقذك به فراق رسول الله أ فراق رسول الله ص وقذك وحدك و لم يقذ سواك إن مصابه لأعز و أعظم من ذاك و إن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بكلمة لا عصام لها فإنك لترى الأعراب حول المدينة لو تداعت علينا في صبح يوم لم نلتق في ممساه و زعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره فمن الشوق إليه نصرة دينه و موازرة المسلمين عليه و معاونتهم فيه .

[ 284 ]

و زعمت أنك مكب على عهد الله تجمع ما تفرق منه فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده و الرأفة على خلقه و أن تبذل من نفسك ما يصلحون به و يجتمعون عليه و زعمت أن التظاهر عليك واقع أي تظاهر وقع عليك و أي حق استؤثر به دونك لقد علمت ما قالت الأنصار أمس سرا و جهرا و ما تقلبت عليه ظهرا و بطنا فهل ذكرتك أو أشارت بك أو طلبت رضاها من عندك و هؤلاء المهاجرون من الذي قال منهم إنك صاحب هذا الأمر أو أومأ إليك أو همهم بك في نفسه أ تظن أن الناس ضنوا من أجلك أو عادوا كفارا زهدا فيك أو باعوا الله تعالى بهواهم بغضا لك و لقد جاءني قوم من الأنصار فقالوا إن عليا ينتظر الإمامة و يزعم أنه أولى بها من أبي بكر فأنكرت عليهم و رددت القول في نحورهم حتى قالوا إنه ينتظر الوحي و يتوكف مناجاة الملك فقلت ذاك أمر طواه الله بعد محمد ع . و من أعجب شأنك قولك لو لا سابق قول لشفيت غيظي بخنصري و بنصري و هل ترك الدين لأحد أن يشفي غيظه بيده أو لسانه تلك جاهلية استأصل الله شأفتها و اقتلع جرثومتها و نور ليلها و غور سيلها و أبدل منها الروح و الريحان و الهدى و البرهان . و زعمت أنك ملجم فلعمري إن من اتقى الله و آثر رضاه و طلب ما عنده أمسك لسانه و أطبق فاه و غلب عقله و دينه على هواه . و أما قولك إني لأعرف منزع قوسي فإذا عرفت منزع قوسك عرفك غيرك مضرب سيفه و مطعن رمحه و أما ما تزعمه من الأمر الذي جعله رسول الله ص لك فتخلفت إعذارا إلى الله و إلى العارفة به من المسلمين فلو عرفه المسلمون

[ 285 ]

لجنحوا إليه و أصفقوا عليه و ما كان الله ليجمعهم على العمى و لا ليضربهم بالصبا بعد الهدى و لو كان لرسول الله ص فيك رأي و عليك عزم ثم بعثه الله فرأى اجتماع أمته على أبي بكر لما سفه آراءهم و لا ضلل أحلامهم و لا آثرك عليهم و لا أرضاك بسخطهم و لأمرك باتباعهم و الدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم .

فقال علي مهلا أبا حفص أرشدك الله خفض عليك ما بذلت ما بذلت و أنا أريد عنه حولا و إن أخسر الناس صفقة عند الله من استبطن النفاق و احتضن الشقاق و في الله خلف عن كل فائت و عوض من كل ذاهب و سلوة عن كل حادث و عليه التوكل في جميع الحوادث ارجع أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب مبرود الغليل فصيح اللسان رحب الصدر متهلل الوجه فليس وراء ما سمعته مني إلا ما يشد الأزر و يحبط الوزر و يضع الإصر و يجمع الألفة و يرفع الكلفة إن شاء الله فانصرف عمر إلى مجلسه . قال أبو عبيدة فلم أسمع و لم أر كلاما و لا مجلسا كان أصعب من ذلك الكلام و المجلس . قلت الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات و المحاورات و الكلام كله مصنوع موضوع و أنه من كلام أبي حيان التوحيدي لأنه بكلامه و مذهبه في الخطابة و البلاغة أشبه و قد حفظنا كلام عمر و رسائله و كلام أبي بكر و خطبه فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب و لا يسلكان هذا السبيل في كلامهما و هذا كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى و أين أبو بكر و عمر من البديع و صناعة المحدثين و من تأمل كلام أبي حيان عرف أن

[ 286 ]

هذا الكلام من ذلك المعدن خرج و يدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروذي و هذه عادته في كتاب البصائر يسند إلى القاضي أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان كارها لأن ينسب إليه و إنما ذكرناه نحن في هذا الكتاب لأنه و إن كان عندنا موضوعا منحولا فإنه صورة ما جرت عليه حال القوم فهم و إن لم ينطقوا به بلسان المقال فقد نطقوا به بلسان الحال . و مما يوضح لك أنه مصنوع أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من المعتزلة و الشيعة و الأشعرية و أصحاب الحديث و كل من صنف في علم الكلام و الإمامة لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية و لقد كان المرتضى رحمه الله يلتقط من كلام أمير المؤمنين ع اللفظة الشاذة و الكلمة المفردة الصادرة عنه ع في معرض التألم و التظلم فيحتج بها و يعتمد عليها نحو

قوله ما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله حتى يوم الناس هذا و

قوله لقد ظلمت عدد الحجر و المدر و

قوله إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى و

قوله فصبرت و في الحلق شجا و في العين قذى و

قوله اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم ظلموني حقي و غصبوني إرثي . و كان المرتضى إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ظفر بملك الدنيا و يودعها كتبه و تصانيفه فأين كان المرتضى عن هذا الحديث و هلا ذكر في كتاب الشافي في الإمامة

[ 287 ]

كلام أمير المؤمنين ع هذا و كذلك من قبله من الإمامية كابن النعمان و بني نوبخت و بني بابويه و غيرهم و كذلك من جاء بعده من متأخري متكلمي الشيعة و أصحاب الأخبار و الحديث منهم إلى وقتنا هذا و أين كان أصحابنا عن كلام أبي بكر و عمر له ع و هلا ذكره قاضي القضاة في المغني مع احتوائه على كل ما جرى بينهم حتى أنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير مفرد في أخبار السقيفة و هلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا و أصحابنا و من جاء بعده من متكلمينا و رجالنا و كذلك القول في متكلمي الأشعرية و أصحاب الحديث كابن الباقلاني و غيره و كان ابن الباقلاني شديدا على الشيعة عظيم العصبية على أمير المؤمنين ع فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر و عمر في هذا الحديث لملأ الكتب و التصانيف بها و جعلها هجيراه و دأبه . و الأمر فيما ذكرناه من وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان و معرفة كلام الرجال و لمن عنده أدنى معرفة بعلم السير و أقل أنس بالتواريخ . قوله ع مودع لا قال و لا مبغض و لا سئم أي لا ملول سئمت من الشي‏ء أسأم سأما و سآما و سآمة سئمته إذا مللته و رجل سئوم . ثم أكد ع هذا المعنى فقال إن انصرفت فلا عن ملالة و إن أقمت فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين أي ليست إقامتي على قبرك و جزعي عليك إنكارا مني لفضيلة الصبر و التجلد و التعزي و التأسي و ما وعد الله به الصابرين من الثواب بل أنا عالم بذلك و لكن يغلبني بالطبع البشري . و روي أن فاطمة بنت الحسين ع ضربت فسطاطا على قبر بعلها الحسن

[ 288 ]

بن الحسن ع سنة فلما انقضت السنة قوضت الفسطاط راجعة إلى بيتها فسمعت هاتفا يقول هل بلغوا ما طلبوا فأجابه هاتف آخر بل يئسوا فانصرفوا . و

ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه الكامل أنه ع تمثل عند قبر فاطمة

ذكرت أبا أروى فبت كأنني
برد الهموم الماضيات وكيل
لكل اجتماع من خليلين فرقة
و كل الذي دون الفراق قليل
و إن افتقادي واحدا بعد واحد
دليل على ألا يدوم خليل

و الناس يرونه

و إن افتقادي فاطما بعد أحمد