ذكر بعض المطاعن في النسب و كلام للجاحظ في ذلك

و في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن كما يقال إن آل سعد بن أبي وقاص ليسوا من بني زهرة بن كلاب و إنهم من بني عذرة من قحطان

[ 68 ]

و كما قالوا إن آل الزبير بن العوام من أرض مصر من القبط و ليسوا من بني أسد بن عبد العزى قال الهيثم بن عدي في كتاب مثالب العرب إن خويلد بن أسد بن عبد العزى كان أتى مصر ثم انصرف منها بالعوام فتبناه فقال حسان بن ثابت يهجو آل العوام بن خويلد

بني أسد ما بال آل خويلد
يحنون شوقا كل يوم إلى القبط
متى يذكروا قهقى يحنوا لذكرها
و للرمث المقرون و السمك الرقط
عيون كأمثال الزجاج وضيعة
تخالف كعبا في لحى كثة ثط
يرى ذاك في الشبان و الشيب منهم
مبينا و في الأطفال و الجلة الشمط
لعمر أبي العوام إن خويلدا
غداة تبناه ليوثق في الشرط

و كما يقال في قوم آخرين نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يطعن به في أنسابهم كي لا يظن بنا أنا نحب المقالة في الناس . قال شيخنا أبو عثمان في كتاب مفاخرات قريش لا خير في ذكر العيوب إلا من ضرورة و لا نجد كتاب مثالب قط إلا لدعي أو شعوبي و لست واجده لصحيح النسب و لا لقليل الحسد و ربما كانت حكاية الفحش أفحش من الفحش و نقل الكذب أقبح من الكذب و

قال النبي ص اعف عن ذي قبر و

قال لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات و قيل في المثل يكفيك من شر سماعه و قالوا أسمعك من أبلغك و قالوا من طلب عيبا وجده و قال النابغة

و لست بمستبق أخا لا تلمه
على شعث أي الرجال المهذب

[ 69 ]

قال أبو عثمان و بلغ عمر بن الخطاب أن أناسا من رواة الأشعار و حملة الآثار يعيبون الناس و يثلبونهم في أسلافهم فقام على المنبر و قال إياكم و ذكر العيوب و البحث عن الأصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذا الأبواب إلا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد فقام رجل من قريش نكره أن نذكره فقال إذا كنت أنا و أنت يا أمير المؤمنين نخرج فقال كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قين اقعد . قلت الرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي كان عمر يبغضه لبغضه أباه خالدا و لأن المهاجر كان علوي الرأي جدا و كان أخوه عبد الرحمن بخلافه شهد المهاجر صفين مع علي ع و شهدها عبد الرحمن مع معاوية و كان المهاجر مع علي ع في يوم الجمل و فقئت ذلك اليوم عينه و لأن الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن المهاجر و كان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش و كونه يسمى ريحانة قريش و يسمى العدل و يسمى الوحيد حداد يصنع الدروع و غيرها بيده ذكر ذلك عنه عبد الله بن قتيبة في كتاب المعارف . و روى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء و قال إنه روى عند جعفر بن محمد ع بالمدينة فقال لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقضية نفيل بن عبد العزى و صهاك أمة الزبير بن عبد المطلب ثم قال رحم الله عمر فإنه لم يعد السنة و تلا إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . أما قول ابن جرير الآملي الطبرستاني في كتاب المسترشد إن عثمان والد

[ 70 ]

أبي بكر الصديق كان ناكحا أم الخير ابنة أخته فليس بصحيح و لكنها ابنة عمه لأنها ابنة صخر بن عامر و عثمان هو ابن عمرو بن عامر و العجب لمن اتبعه من فضلاء الإمامية على هذه المقالة من غير تحقيق لها من كتب الأنساب و كيف تتصور هذه الواقعة في قريش و لم يكن أحد منهم مجوسيا و لا يهوديا و لا كان من مذهبهم حل نكاح بنات الأخ و لا بنات الأخت . ثم نعود لإتمام حكاية كلام شيخنا أبي عثمان قال و متى يقدر الناس حفظك الله على رجل مسلم من كل ابنة و مبرأ من كل آفة في جميع آبائه و أمهاته و أسلافه و أصهاره حتى تسلم له أخواله و أعمامه و خالاته و عماته و أخواته و بناته و أمهات نسائه و جميع من يناسبه من قبل جداته و أجداده و أصهاره و أختانه و لو كان ذلك موجودا لما كان لنسب رسول الله ص فضيلة في النقاء و التهذيب و في التصفية و التنقيح

قال رسول الله ص ما مسني عرق سفاح قط و ما زلت أنقل من الأصلاب السليمة من الوصوم و الأرحام البريئة من العيوب فلسنا نقضي لأحد بالنقاء من جميع الوجوه إلا لنسب من صدقه القرآن و اختاره الله على جميع الأنام و إلا فلا بد من شي‏ء يكون في نفس الرجل أو في طرفيه أو في بعض أسلافه أو في بعض أصهاره و لكنه يكون مغطى بالصلاح و محجوبا بالفضائل و مغمورا بالمناقب . و لو تأملت أحوال الناس لوجدت أكثرهم عيوبا أشدهم تعييبا قال الزبرقان من بدر ما استب رجلان إلا غلب ألأمهما و قال خصلتان كثيرتان في امرئ السوء

[ 71 ]

كثرة اللطام و شدة السباب و لو كان ما يقوله أصحاب المثالب حقا لما كان على ظهرها عربي كما قال عبد الملك بن صالح الهاشمي إن كان ما يقول بعض في بعض حقا فما فيهم صحيح و إن كان ما يقول بعض المتكلمين في بعض حقا فما فيهم مسلم . قوله ع ألا و إن الله قد جعل للخير أهلا و للحق دعائم و للطاعة عصما الدعائم ما يدعم بها البيت لئلا يسقط و العصم جمع عصمة و هو ما يحفظ به الشي‏ء و يمنع فأهل الخير هم المتقون و دعائم الحق الأدلة الموصلة إليه المثبتة له في القلوب و عصم الطاعة هي الإدمان على فعلها و التمرن على الإتيان بها لأن المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولته عليه و العون هاهنا هو اللطف المقرب من الطاعة المبعد من القبيح . ثم قال ع إنه يقول على الألسنة و يثبت الأفئدة و هذا من باب التوسع و المجاز لأنه لما كان مستهلا للقول أطلق عليه إنه يقول على الألسنة و لما كان الله تعالى هو الذي يثبت الأفئدة كما قال يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ نسب التثبيت إلى اللطف لأنه من فعل الله تعالى كما ينسب الإنبات إلى المطر و إنما المنبت للزرع هو الله تعالى و المطر فعله . ثم قال ع فيه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف و الوجه فيه كفاية فإن الهمز لا وجه له هاهنا لأنه من باب آخر و لكنه أتى بالهمزة للازدواج بين كفاء

[ 72 ]

و شفاء كما قالوا الغدايا و العشايا و كما قال ع مأزورات غير مأجورات فأتى بالهمز و الوجه الواو للازدواج