فصل فيما ورد من الآثار فيما يصلح الملك

و قد جاء في وجوب الطاعة لأولي الأمر الكثير الواسع قال الله سبحانه أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ و

روى عبد الله بن عمر عن رسول الله ص السمع و الطاعة على المرء

[ 94 ]

المسلم فيما أحب و كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بها فلا سمع و لا طاعة و

عنه ص إن أمر عليكم عبد أسود مجدع فاسمعوا له و أطيعوا و

من كلام علي ع إن الله جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة . بعث سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي من العراق إلى عمر بن الخطاب بالمدينة فقال له عمر كيف تركت الناس قال تركتهم كقداح الجعبة منها الأعصل الطائش و منها القائم الرائش قال فكيف سعد لهم قال هو ثقافها الذي يقيم أودها و يغمز عصلها قال فكيف طاعتهم قال يصلون الصلاة لأوقاتها و يؤدون الطاعة إلى ولاتها قال الله أكبر إذا أقيمت الصلاة أديت الزكاة و إذا كانت الطاعة كانت الجماعة . و من كلام أبرويز الملك أطع من فوقك يطعك من دونك . و من كلام الحكماء قلوب الرعية خزائن واليها فما أودعه فيها وجده . و كان يقال صنفان متباغضان متنافيان السلطان و الرعية و هما مع ذلك متلازمان إن أصلح أحدهما صلح الآخر و إن فسد فسد الآخر . و كان يقال محل الملك من رعيته محل الروح من الجسد و محل الرعية منه محل الجسد من الروح فالروح تألم بألم كل عضو من أعضاء البدن و ليس كل واحد من الأعضاء يألم بألم غيره و فساد الروح فساد جميع البدن و قد يفسد بعض البدن و غيره من سائر البدن صحيح .

[ 95 ]

و كان يقال ظلم الرعية استجلاب البلية . و كان يقال العجب ممن استفسد رعيته و هو يعلم أن عزه بطاعتهم . و كان يقال موت الملك الجائر خصب شامل . و كان يقال لا قحط أشد من جور السلطان . و كان يقال قد تعامل الرعية المشمئزة بالرفق فتزول أحقادها و يذل قيادها و قد تعامل بالخرق فتكاشف بما غيبت و تقدم على ما عيبت حتى يعود نفاقها شقاقا و رذاذها سيلا بعاقا ثم إن غلبت و قهرت فهو الدمار و إن غلبت و قهرت لم يكن يغلبها افتخار و لم يدرك بقهرها ثأر و كان يقال الرعية و إن كانت ثمارا مجتناه و ذخائر مقتناه و سيوفا منتضاه و أحراسا مرتضاه فإن لها نفارا كنفار الوحوش و طغيانا كطغيان السيول و متى قدرت أن تقول قدرت على أن تصول . و كان يقال أيدي الرعية تبع ألسنتها فلن يملك الملك ألسنتها حتى يملك جسومها و لن يملك جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه و لن تحبه حتى يعدل عليها في أحكامه عدلا يتساوى فيه الخاصة و العامة و حتى يخفف عنها المؤن و الكلف و حتى يعفيها من رفع أوضاعها و أراذلها عليها و هذه الثالثة تحقد على الملك العلية من الرعية و تطمع السفلة في الرتب السنية . و كان يقال الرعية ثلاثة أصناف صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرئاسة و السياسة يعلمون فضيلة الملك و عظيم غنائه و يرثون له من ثقل أعبائه فهؤلاء يحصل الملك موداتهم بالبشر عند اللقاء و يلقى أحاديثهم بحسن الإصغاء و صنف فيهم خير و شر ظاهران فصلاحهم يكتسب من معاملتهم بالترغيب و الترهيب و صنف من السفلة الرعاع أتباع

[ 96 ]

لكل داع لا يمتحنون في أقوالهم و أعمالهم بنقد و لا يرجعون في الموالاة إلى عقد . و كان يقال ترك المعاقبة للسفلة على صغار الجرائم تدعوهم إلى ارتكاب الكبائر العظائم أ لا ترى أول نشور المرأة كلمة سومحت بها و أول حران الدابة حيدة سوعدت عليها . و يقال إن عثمان قال يوما لجلسائه و هو محصور في الفتنة وددت أن رجلا صدوقا أخبرني عن نفسي و عن هؤلاء فقام إليه فتى فقال إني أخبرك تطأطأت لهم فركبوك و ما جراهم على ظلمك إلا إفراط حلمك قال صدقت فهل تعلم ما يشب نيران الفتن قال نعم سألت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعة قد نقب في الأرض و علم علما جما فقال الفتنة يثيرها أمران أثرة تضغن على الملك الخاصة و حلم يجزئ عليه العامة قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم زعم أن الذي يخمدها في ابتدائها استقالة العثرة و تعميم الخاصة بالأثرة فإذا استحكمت الفتنة أخمدها الصبر قال عثمان صدقت و إني لصابر حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين و يقال إن يزدجرد بن بهرام سأل حكيما ما صلاح الملك قال الرفق بالرعية و أخذ الحق منها بغير عنف و التودد إليها بالعدل و أمن السبل و إنصاف المظلوم قال فما صلاح الملك قال وزراؤه إذا صلحوا صلح قال فما الذي يثير الفتن قال ضغائن يظهرها جرأة عامه و استخفاف خاصة و انبساط الألسن بضمائر القلوب و إشفاق موسر و أمن معسر و غفلة مرزوق و يقظة محروم قال و ما يسكنها قال أخذ العدة لما يخاف و إيثار الجد حين يلتذ الهزل و العمل بالحزم و ادراع الصبر و الرضا بالقضاء . و كان يقال خير الملوك من أشرب قلوب رعيته محبته كما أشعرها هيبته و لن ينال ذلك منها حتى تظفر منه بخمسه أشياء إكرام شريفها و رحمة ضعيفها و إغاثة لهيفها

[ 97 ]

و كف عدوان عدوها و تأمين سبل رواحها و غدوها فمتى أعدمها شيئا من ذلك فقد أحقدها بقدر ما أفقدها . و كان يقال الأسباب التي تجر الهلك إلى الملك ثلاثة أحدها من جهة الملك و هو أن تتأمر شهواته على عقله فتستهويه نشوات الشهوات فلا تسنح له لذة إلا اقتنصها و لا راحة إلا افترصها . و الثاني من جهة الوزراء و هو تحاسدهم المقتضي تعارض الآراء فلا يسبق أحدهم إلى حق إلا كويد و عورض و عوند . و الثالث من جهة الجند المؤهلين لحراسة الملك و الدين و توهين المعاندين و هو نكولهم عن الجلاد و تضجيعهم في المناصحة و الجهاد و هم صنفان صنف وسع الملك عليهم فأبطرهم الإتراف و ضنوا بنفوسهم عن التعريض للإتلاف و صنف قدر عليهم الأرزاق فاضطغنوا الأحقاد و استشعروا النفاق