211 و من كلام له ع

اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَكْفَئُوا إِنَائِي وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي وَ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لاَ ذَابٌّ وَ لاَ مُسَاعِدٌ إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ اَلْمَنِيَّةِ فَأَغْضَيْتُ عَلَى اَلْقَذَى وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى اَلشَّجَا وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ اَلْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ اَلْعَلْقَمِ وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ اَلشِّفَارِ قال الرضي رحمه الله و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا أني ذكرته هاهنا لاختلاف الروايتين العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم لك منه يقال استعديت الأمير على فلان فأعداني أي استعنت به عليه فأعانني . و قطعوا رحمي و قطعوا قرابتي أي أجروني مجرى الأجانب و يجوز أن يريد أنهم عدوني كالأجنبي من رسول الله ص و يجوز أن يريد أنهم جعلوني كالأجنبي

[ 110 ]

منهم لا ينصرونه و لا يقومون بأمره . و أكفئوا إنائي قلبوه و كبوه و حذف الهمزة من أول الكلمة أفصح و أكثر و قد روي كذلك و يقال لمن قد أضيعت حقوقه قد أكفأ إناءه تشبيها بإضاعة اللبن من الإناء . و قد اختلفت الرواية في قوله إلا أن في الحق أن تأخذه فرواها قوم بالنون و قوم بالتاء و قال الراوندي إنها في خط الرضي بالتاء و معنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتك حقا و إن ولي غيرك كانت ولايته حقا على مذهب أهل الاجتهاد و من رواها بالنون فالمعنى ظاهر . و الرافد المعين و الذاب الناصر . و ضننت بهم بخلت بهم و أغضيت على كذا صبرت . و جرعت بالكسر و الشجا ما يعترض في الحلق . و الوخز الطعن الخفيف و روي من خز الشفار و الخز القطع و الشفار جمع شفرة و هي حد السيف و السكين و اعلم أن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين ع ما يناسبه و يجري مجراه و لم يؤرخ الوقت الذي قاله فيه و لا الحال التي عناها به و أصحابنا يحملون ذلك على أنه ع قاله عقيب الشورى و بيعة عثمان فإنه ليس يرتاب أحد من أصحابنا على أنه تظلم و تألم حينئذ . و يكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة . و لقائل أن يقول لهم أ تقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة فيقولون لا فيقال

[ 111 ]

لهم فعلى ما ذا تحملون كلامه ع مع تعظيمكم له و تصديقكم لأقواله فيقولون نحمل ذلك على تألمه و تظلمه منهم إذا تركوا الأولى و الأفضل فيقال لهم فلا تكرهوا قول من يقول من الشيعة و غيرهم إن هذا الكلام و أمثاله صدر عنه عقيب السقيفة و حملوه على أنه تألم و تظلم من كونهم تركوا الأولى و الأفضل فإنكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل و الأحق بالأمر بل تعترفون بذلك و تقولون ساغت إمامة غيره و صحت لمانع كان فيه ع و هو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه فإنه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولي الخلافة لأسباب يذكرونها و يعدونها و قد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم و تظلم و استنجد و استصرخ حيث ساموه الحضور و البيعة و أنه قال و هو يشير إلى القبر يا اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي و أنه قال وا جعفراه و لا جعفر لي اليوم وا حمزتاه و لا حمزة لي اليوم . و قد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم و كل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل و القرابة و ليس بدال عندنا على وجود النص لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة و أسهل طريقا و أيسر لما يريد تناولا أن يقول يا هؤلاء إن العهد لم يطل و إن رسول الله ص أمركم بطاعتي و استخلفني عليكم بعده و لم يقع منه ع بعد ما علمتموه و نص ينسخ ذلك و لا يرفعه فما الموجب لتركي و العدول عني . فإن قالت الإمامية كان يخاف القتل لو ذكر ذلك فقيل لهم فهلا يخاف القتل و هو يعتل و يدفع ليبايع و هو يمتنع و يستصرخ تارة بقبر رسول الله ص

[ 112 ]

و تارة بعمه حمزة و أخيه جعفر و هما ميتان و تارة بالأنصار و تارة ببني عبد مناف و يجمع الجموع في داره و يبث الرسل و الدعاة ليلا و نهارا إلى الناس يذكرهم فضله و قرابته و يقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله ص و أنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم . و هلا خاف من هذا الامتناع و من هذا الاحتجاج و من الخلوة في داره بأصحابه و من تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عقدت له . و كل هذا إذا تأمله المنصف علم أن الشيعة أصابت في أمر و أخطأت في أمر أما الأمر الذي أصابت فيه فقولها إنه امتنع و تلكأ و أراد الأمر لنفسه و أما الأمر الذي أخطأت فيه فقولها إنه كان منصوصا عليه نصا جليا بالخلافة تعلمه الصحابة كلها أو أكثرها و أن ذلك النص خولف طلبا للرئاسة الدنيوية و إيثارا للعاجلة و أن حال المخالفين للنص لا تعدو أحد أمرين إما الكفر أو الفسق فإن قرائن الأحوال و أماراتها لا تدل على ذلك و إنما تدل و تشهد بخلافه و هذا يقتضي أن أمير المؤمنين ع كان في مبدإ الأمر يظن أن العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة و أنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه و الاستئثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع و العقود في بيته إلى أن صح عنده و ثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه و أنهم لم يميلوا إلى هوى و لا أرادوا الدنيا و إنما فعلوا الأصلح في ظنونهم لأنه رأى من بغض الناس له و انحرافهم عنه و ميلهم عليه و ثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم و احتدام النيران التي كانت في قلوبهم و تذكروا التراث التي وتراهم فيما قبل بها و الدماء التي سفكها منهم و أراقها .

[ 113 ]

و تعلل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغر سنه و استهجانهم تقديم الشباب على الكهول و الشيوخ . و تعلل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة و الخلافة في بيت واحد فيجفخون على الناس كما قاله من قاله و استصعاب قوم منهم شكيمته و خوفهم تعديه و شدته و علمهم بأنه لا يداجي و لا يحابي و لا يراقب و لا يجامل في الدين و أن الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه و يعمل بموجب استصلاحه و انحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله ص لشدة اختصاصه له و تعظيمه إياه و ما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه و علو مكانه و ما اختص به من مصاهرته و أخوته و نحو ذلك من أحواله معه و تنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب و التيه كما زعموا و احتقاره العرب و استصغاره الناس كما عددوه عليه و إن كانوا عندنا كاذبين و لكنه قول قيل و أمر ذكر و حال نسبت إليه و أعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله فإنا صنائع ربنا و الناس بعد صنائع لنا و ما صح به عنده أن الأمر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا و لا ينتظم و لا يستمر و أنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استئصال شأفة الإسلام و هدم أركانه فأذعن بالبيعة و جنح إلى الطاعة و أمسك عن طلب الإمرة و إن كان على مضض و رمض . و قد روي عنه ع أن فاطمة ع حرضته يوما على النهوض و الوثوب فسمع صوت المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله فقال لها أ يسرك زوال هذا النداء من الأرض قالت لا قال فإنه ما أقول لك .

[ 114 ]

و هذا المذهب هو أقصد المذاهب و أصحها و إليه يذهب أصحابنا المتأخرون من البغداديين و به يقول . و اعلم أن حال علي ع في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الإسهاب و الإطناب فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله ص بخمس و عشرين سنة و في دون هذه المدة تنسى الأحقاد و تموت التراث و تبرد الأكباد الحامية و تسلو القلوب الواجدة و يعدم قرن من الناس و يوجد قرن و لا يبقى من أرباب تلك الشحناء و البغضاء إلا الأقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه ص من إظهار ما في النفوس و هيجان ما في القلوب حتى أن الأخلاف من قريش و الأحداث و الفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه و فتكاته في أسلافهم و آبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله و تقاعست عن بلوغ شأوه فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة و سيفه بعد يقطر دما من مهج العرب لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد و عليهم كان يجب أن يعتمد إذن كانت تدرس أعلام الملة و تنعفي رسوم الشريعة و تعود الجاهلية الجهلاء على حالها و يفسد ما أصلحه رسول الله ص في ثلاث و عشرين سنة في شهر واحد فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه و الله متم نوره و لو كره المشركون

[ 115 ]