فصل في أن جعفرا و حمزة لو كان حيين لبايعا عليا

و سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي يزيد رحمه الله قلت له أ تقول إن حمزة و جعفرا لو كانا حيين يوم مات رسول الله ص أ كانا يبايعانه بالخلافة فقال نعم كانا أسرع إلى بيعة من النار في يبس العرفج فقلت له أظن أن جعفرا كان يبايعه و يتابعه و ما أظن حمزة كذلك و أراه جبارا قوي النفس شديد الشكيمة ذاهبا بنفسه شجاعا بهمه و هو العم و الأعلى سنا و آثاره في الجهاد معروفة و أظنه كان يطلب الخلافة لنفسه . فقال الأمر في أخلاقه و سجاياه كما ذكرت و لكنه كان صاحب دين متين و تصديق خالص لرسول الله ص و لو عاش لرأى من أحوال علي ع مع رسول الله ص ما يوجب أن يكسر له نخوته و أن يقيم له صعره و أن يقدمه على نفسه و أن يتوخى رضا الله و رضا رسوله فيه و إن كان بخلاف إيثاره . ثم قال أين خلق حمزة السبعي من خلق علي الروحاني اللطيف الذي جمع بينه و بين خلق حمزة فاتصفت بهما نفس واحدة و أين هيولانية نفس حمزة و خلوها من العلوم من نفس علي القدسية التي أدركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الإلهيين لو أن حمزة حيي حتى رأى من علي ما رآه غيره لكان أتبع له من ظله و أطوع له من أبي ذر و المقداد أما قولك هو و العم و الأعلى سنا فقد كان العباس العم و الأعلى سنا و قد عرفت ما بذله له و ندبه إليه و كان أبو سفيان كالعم و كان أعلى سنا و قد عرفت ما عرضه عليه ثم قال ما زالت الأعمام تخدم أبناء الإخوة و تكون أتباعا لهم أ لست ترى داود بن

[ 116 ]

علي و عبد الله بن علي و صالح بن علي و سليمان بن علي و عيسى بن علي و إسماعيل ابن علي و عبد الصمد بن علي خدموا ابن أخيهم و هو عبد الله السفاح بن محمد بن علي و بايعوه و تابعوه و كانوا أمراء جيوشه و أنصاره و أعوانه أ لست ترى حمزة و العباس اتبعا ابن أخيهما صلوات الله عليه و أطاعاه و رضيا برياسته و صدقا دعوته أ لست تعلم أن أبا طالب كان رئيس بني هاشم و شيخهم و المطاع فيهم و كان محمد رسول الله ص يتيمه و مكفوله و جاريا مجرى أحد أولاده عنده ثم خضع له و اعترف بصدقه و دان لأمره حتى مدحه بالشعر كما يمدح الأدنى الأعلى فقال فيه

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة و فواضل

و إن سرا اختص به محمد ص حتى أقام أبا طالب و حاله معه حاله مقام المادح له لسر عظيم و خاصية شريفة و إن في هذا لمعتبر عبرة أن يكون هذا الإنسان الفقير الذي لا أنصار له و لا أعوان معه و لا يستطيع الدفاع عن نفسه فضلا عن أن يقهر غيره تعمل دعوته و أقواله في الأنفس ما تعمله الخمر في الأبدان المعتدلة المزاج حتى تطيعه أعمامه و يعظمه مربيه و كافله و من هو إلى آخر عمره القيم بنفقته و غذاء بدنه و كسوة جسده حتى يمدحه بالشعر كما يمدح الشعراء الملوك و الرؤساء و هذا في باب المعجزات عند المنصف أعظم من انشقاق القمر و انقلاب العصا و من أبناء القوم بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم . ثم قال رحمه الله كيف قلت أظن أن جعفرا كان يبايعه و يتابعه و لا أظن في حمزة ذلك إن كنت قلت ذلك لأنه أخوه فإنه أعلى منه سنا هو أكبر من علي بعشر

[ 117 ]

سنين و قد كانت له خصائص و مناقب كثيرة و قال فيه النبي ص قولا شريفا اتفق عليه المحدثون قال له لما افتخر هو و علي و زيد بن حارثة و تحاكموا إلى رسول الله ص أشبهت خلقي و خلقي فخجل فرحا ثم قال لزيد أنت مولانا و صاحبنا فخجل أيضا ثم قال لعلي أنت أخي و خالصتي قالوا فلم يخجل قالوا كان ترادف التعظيم له و تكرره عليه لم يجعل عنده للقول ذلك الموضع و كان غيره إذا عظم عظم نادرا فيحسن موقعه عنده و اختلف الناس في أي المدحتين أعظم . فقلت له قد وقفت لأبي حيان التوحيدي في كتاب البصائر على فصل عجيب يمازج ما نحن فيه قال في الجزء الخامس من هذا الكتاب سمعت قاضي القضاة أبا سعد بشر بن الحسين و ما رأيت رجلا أقوى منه في الجدل في مناظرة جرت بينه و بين أبي عبد الله الطبري و قد جرى حديث جعفر بن أبي طالب و حديث إسلامه و التفاضل بينه و بين أخيه علي فقال القاضي أبو سعد إذا أنعم النظر علم أن إسلام جعفر كان بعد بلوغ و إسلام البالغ لا يكون إلا بعد استبصار و تبين و معرفة بقبح ما يخرج منه و حسن ما يدخل فيه و أن إسلام علي مختلف في حاله و ذلك أنه قد ظن أنه كان عن تلقين لا تبيين إلى حين بلوغه و أوان تعقبه و نظره و قد علم أيضا أنهما قتلا و أن قتلة جعفر شهادة بالإجمال و قتلة علي فيها أشد الاختلاف ثم خص الله جعفرا بأن قبضه إلى الجنة قبل ظهور التباين و اضطراب الحبل و كثرة الهرج و على أنه لو انعقد الإجماع و تظاهر جميع الناس على أن القتلتين شهادة لكانت الحال في الذي رفع إليها جعفر أغلظ و أعظم و ذلك أنه قتل مقبلا غير مدبر و أما علي فإنه اغتيل اغتيالا و قصد من حيث لا يعلم و شتان ما بين من فوجئ بالموت و بين من عاين مخايل الموت

[ 118 ]

و تلقاه بالنحر و الصدر و عجل إلى الله بالإيمان و الصدق أ لا تعلم أن جعفرا قطعت يمناه فأمسك اللواء بيسراه و قطعت يسراه فضم اللواء إلى حشاه ثم قاتله ظاهر الشرك بالله و قاتل علي ممن صلى إلى القبلة و شهد الشهادة و أقدم عليه بتأويل و قاتل جعفر كافر بالنص الذي لا خلاف فيه أ ما تعلم أن جعفرا ذو الجناحين و ذو الهجرتين إلى الحبشة و المدينة . قال النقيب رحمه الله اعلم فداك شيخك أن أبا حيان رجل ملحد زنديق يحب التلاعب بالدين و يخرج ما في نفسه فيعزوه إلى قوم لم يقولوه و أقسم بالله إن القاضي أبا سعد لم يقل من هذا الكلام لفظة واحدة و لكنها من موضوعات أبي حيان و أكاذيبه و ترهاته كما يسند إلى القاضي أبي حامد المروروذي كل منكر و يروى عنه كل فاقرة . ثم قال يا أبا حيان مقصودك أن تجعلها مسألة خلاف تثير بها فتنة بين الطالبيين لتجعل بأسهم بينهم و كيف تقلبت الأحوال فالفخر لهم لم يخرج عنهم . ثم ضحك رحمه الله حتى استلقى و مد رجليه و قال هذا كلام يستغنى عن الإطالة في إبطاله بإجماع المسلمين فإنه لا خلاف بين المسلمين في أن عليا أفضل من جعفر و إنما سرق أبو حيان هذا المعنى الذي أشار إليه من رسالة المنصور أبي جعفر إلى محمد بن عبد الله النفس الزكية قال له و كانت بنو أمية يلعنون أباك في أدبار الصلوات المكتوبات كما تلعن الكفرة فعنفناهم و كفرناهم و بينا فضله و أشدنا بذكره فاتخذت ذلك علينا حجة و ظننت أنه لما ذكرناه من فضله أنا قدمناه على حمزة و العباس و جعفر أولئك مضوا سالمين مسلمين منهم و ابتلي أبوك بالدماء . فقلت له رحمه الله و إذا لا إجماع في المسألة لأن المنصور لم يقل بتفضيله عليهم

[ 119 ]

و أنت ادعيت الإجماع فقال إن الإجماع قد سبق هذا القائل و كل قول قد سبقه الإجماع لا يعتد به . فلما خرجت من عند النقيب أبي جعفر بحثت في ذلك اليوم في هذا الموضوع مع أحمد بن جعفر الواسطي رحمه الله و كان ذا فضل و عقل و كان إمامي المذهب فقال لي صدق النقيب فيما قال أ لست تعلم أن أصحابكم المعتزلة على قولين أحدهما أن أكثر المسلمين ثوابا أبو بكر و الآخر أن أكثرهم ثوابا علي و أصحابنا يقولون إن أكثر المسلمين ثوابا علي و كذلك الزيدية و أما الأشعرية و الكرامية و أهل الحديث فيقولون أكثر المسلمين ثوابا أبو بكر فقد خلص من مجموع هذه الأقوال أن ثواب حمزة و جعفر دون ثواب علي ع أما على قول الإمامية و الزيدية و البغداديين كافة و كثير من البصريين من المعتزلة فالأمر ظاهر و أما الباقون فعندهم أن أكثر المسلمين ثوابا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي و لم يذهب ذاهب إلى أن ثواب حمزة و جعفر أكثر من ثواب علي من جميع الفرق فقد ثبت الإجماع الذي ذكره النقيب إذا فسرنا الأفضلية بالأكثرية ثوابا و هو التفسير الذي يقع الحجاج و الجدال في إثباته لأحد الرجلين و أما إذا فسرنا الأفضلية بزيادة المناقب و الخصائص و كثرة النصوص الدالة على التعظيم فمعلوم أن أحدا من الناس لا يقارب عليا ع في ذلك لا جعفر و لا حمزة و لا غيرهما . ثم وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الإسكافي ذكر فيه أن مذهب بشر بن المعتمر و أبي موسى و جعفر بن مبشر و سائر قدماء البغداديين أن أفضل المسلمين علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن ثم ابنه الحسين ثم حمزة بن عبد المطلب ثم جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر بن أبي قحافة ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان

[ 120 ]

قال و المراد بالأفضل أكرمهم عند الله أكثرهم ثوابا و أرفعهم في دار الجزاء منزلة . ثم وقفت بعد ذلك على كتاب لشيخنا أبي عبد الله البصري يذكر فيه هذه المقالة و ينسبها إلى البغداديين و قال إن الشيخ أبا القاسم البلخي كان يقول بها و قبله الشيخ أبو الحسين الخياط و هو شيخ المتأخرين من البغداديين قالوا كلهم بها فأجبني هذا المذهب و سررت بأن ذهب الكثير من شيوخنا إليه و نظمته في الأرجوزة التي شرحت فيها عقيدة المعتزلة فقلت

و خير خلق الله بعد المصطفى
أعظمهم يوم الفخار شرفا
السيد المعظم الوصي
بعل البتول المرتضى علي
و ابناه ثم حمزة و جعفر
ثم عتيق بعدهم لا ينكر
المخلص الصديق ثم عمر
فاروق دين الله ذاك القسور
و بعده عثمان ذو النورين
هذا هو الحق بغير مين

[ 121 ]