فصل في الرياضة النفسية و أقسامها

و اعلم أن الرياضة و الجوع هي أمر يحتاج إليه المريد الذي هو بعد في طريق السلوك إلى الله . و ينقسم طالبوا هذا الأمر الجليل الشاق إلى أقسام أربعة أحدها الذين مارسوا العلوم الإلهية و أجهدوا أنفسهم في طلبها و الوصول إلى كنهها بالنظر الدقيق في الزمان الطويل فهو لا يحصل لهم شوق شديد و ميل عظيم إلى الجهة العالية الشريفة فيحملهم حب الكمال على الرياضة . و ثانيها الأنفس التي هي بأصل الفطرة و الجوهر مائلة إلى الروحانية من غير ممارسة علم و لا دربة بنظر و بحث و قد رأينا مثلهم كثيرا و شاهدنا قوما من العامة متى سنح لهم سانح مشوق مثل صوت مطرب أو إنشاد بيت يقع في النفس أو سماع كلمة توافق أمرا في بواطنهم فإنه يستولي عليهم الوجد و يشتد الحنين و تغشاهم غواش لطيفة روحانية يغيبون بها عن المحسوسات و الجسمانيات . و ثالثها نفوس حصل لها الأمران معا الاستعداد الأصلي و الاشتغال بالعلوم النظرية الإلهية . و رابعها النفوس التي لا استعداد لها في الأصل و لا ارتاضت بالعلوم الإلهية و لكنهم قوم سمعوا كمال هذه الطريقة و أن السعادة الإنسانية ليست إلا بالوصول إليها فمالت نحوها و حصل لها اعتقاد فيها . فهذه أقسام المريدين و الرياضة التي تليق بكل واحد من هذه الأقسام غير الرياضة اللائقة بالقسم الآخر .

[ 135 ]

و نحتاج قبل الخوض في ذلك إلى تقديم أمرين أحدهما أن النفحات الإلهية دائمة مستمرة و أنه كل من توصل إليها وصل قال سبحانه و تعالى وَ اَلَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا و

قال النبي ص إن لربكم في أيام عصركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحاته . و ثانيهما أن النفوس البشرية في الأكثر مختلفة بالنوع فقد تكون بعض النفوس مستعدة غاية الاستعداد لهذا المطلب و ربما لم تكن البتة مستعدة له و بين هذين الطرفين أوساط مختلفة بالضعف و القوة . و إذا تقرر ذلك فاعلم أن القسمين الأولين لما اختلفا فيما ذكرناه لا جرم اختلفا في الكسب و المكتسب . أما الكسب فإن صاحب العلم الأولى به في الأكثر العزلة و الانقطاع عن الخلق لأنه قد حصلت له الهداية و الرشاد فلا حاجة له إلى مخالطة أحد يستعين به على حصول ما هو حاصل و أما صاحب الفطرة الأصلية من غير علم فإنه لا يليق به العزلة لأنه يحتاج إلى المعلم و المرشد فإنه ليس يكفي الفطرة الأصلية في الوصول إلى المعالم الإلهية و الحقائق الربانية و لا بد من موقف و مرشد في مبدإ الحال هذا هو القول في الكسب بالنظر إليها . و أما المكتسب فإن صاحب العلم إذا اشتغل بالرياضة كانت مشاهداته و مكاشفاته أكثر كمية و أقل كيفية مما لصاحب الفطرة المجردة أما كثرة الكمية فلأن قوته النظرية تعينه على ذلك و أما قلة الكيفية فلأن القوة النفسانية تتوزع على تلك الكثرة و كلما كانت الكثرة أكثر كان توزع القوة إلى أقسام أكثر و كان كل واحد منها

[ 136 ]

أضعف مما لو كانت الأقسام أقل عددا و إذا عرفت ذلك عرفت أن الأمر في جانب صاحب الفطرة الأصلية بالعكس من ذلك و هو أن مشاهداته و مكاشفاته تكون أقل كمية و أكثر كيفية . و أما الاستعداد الثالث و هو النفس التي قد جمعت الفطرة الأصلية و العلوم الإلهية النظرية بالنظر فهي النفس الشريفة الجليلة الكاملة . و هذه الأقسام الثلاثة مشتركة في أن رياضتها القلبية يجب أن تكون زائدة في الكم و الكيف على رياضتها البدنية لأن الغرض الأصلي هو رياضة القلب و طهارة النفس و إنما شرعت الرياضات البدنية و العبادات الجسمانية لتكون طريقا إلى تلك الرياضة الباطنة فإذا حصلت كان الاشتغال بالرياضة البدنية عبثا لأن الوسيلة بعد حصول المتوسل إليه فضلة مستغنى عنها بل ربما كانت عائقة عن المقصود نعم لا بد من المحافظة على الفرائض خاصة لئلا تعتاد النفس الكسل و ربما أفضى ذلك إلى خلل في الرياضة النفسانية و لهذا حكي عن كثير من كبراء القوم قلة الاشتغال بنوافل العبادات . و أما القسم الرابع و هو النفس التي خلت عن الوصفين معا فهذه النفس يجب ألا تكون رياضتها في مبدإ الحال إلا بتهذيب الأخلاق بما هو مذكور في كتب الحكمة الخلقية فإذا لانت و مرنت و استعدت للنفحات الإلهية حصل لها ذوق ما فأوجب ذلك الذوق شوقا فأقبلت بكليتها على مطلوبها

[ 137 ]