كلام للفلاسفة و الحكماء في المكاشفات الناشئة عن الرياضة

و اعلم أن قوله ع و برق له لامع كثير البرق هو حقيقة مذهب الحكماء و حقيقة قول الصوفية أصحاب الطريقة و الحقيقة و قد صرح به الرئيس أبو علي بن سينا في كتاب الإشارات فقال في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان ثم إنه

[ 138 ]

إذا بلغت به الإرادة و الرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه و هي التي تسمى عندهم أوقاتا و كل وقت يكتنفه وجد إليه و وجد عليه ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض ثم إنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جانب القدس فتذكر من أمره أمرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شي‏ء و لعله إلى هذا الحد تستولي عليه غواشيه و يزول هو عن سكينته و يتنبه جليسه لاستنفاره عن قراره فإذا طالت عليه الرياضة لم تستنفره غاشية و هدي للتأنس بما هو فيه ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوب مألوفا و الوميض شهابا بينا و يحصل له معارف مستقرة كأنها صحبة مستمرة و يستمتع فيها ببهجته فإذا انقلب عنها انقلب حيران آسفا . فهذه ألفاظ الحكيم أبي علي بن سينا في الإشارات و هي كما نراها مصرح فيها بذكر البروق اللامعة للعارف . و قال القشيري في الرسالة لما ذكر الحال و الأمور الواردة على العارفين قال هي بروق تلمع ثم تخمد و أنوار تبدو ثم تخفى ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها ثم تمثل بقول البحتري

خطرت في النوم منها خطرة
خطرة البرق بدا ثم اضمحل
أي زور لك لو قصدا سرى
و ملم بك لو حقا فعل

فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حسبما ذكره الحكيم و كلاهما يتبع ألفاظ أمير المؤمنين ع لأنه حكيم الحكماء و عارف العارفين و معلم الصوفية و لو لا أخلاقه

[ 139 ]

و كلامه و تعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله و تارة بفعله لما اهتدى أحد من هذه الطائفة و لا علم كيف يورد و لا كيف يصدر . و قال القشيري أيضا في الرسالة المحاضرة قبل المكاشفة فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة . و قال و هي أرفع الدرجات قال فالمحاضرة حضور القلب و قد تكون بتواتر البرهان و الإنسان بعد وراء الستر و إن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر . و أما المكاشفة فهي حضور البين غير مفتقر إلى تأمل الدليل و تطلب السبيل ثم المشاهدة و هي وجود الحق من غير بقاء تهمة . و أحسن ما ذكر في المشاهد قول الجنيد هي وجود الحق مع فقدانك . و قال عمرو بن عثمان المكي المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلي على القلب من غير أن يتخللها ستر و لا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق في الليلة المظلمة فكما أنها تصير من ذلك بضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلي مع النهار فلا ليل . و أنشدوا شعرا

ليلي بوجهك مشرق
و ظلامه في الناس سار
فالناس في سدف الظلام
و نحن في ضوء النهار

و قال الثوري لا تصح للعبد المشاهدة و قد بقي له عرق قائم . و قالوا إذا طلع الصباح استغني عن المصباح . و أنشدوا أيضا

فلما استنار الصبح طوح ضوءه
بأنواره أنوار ضوء الكواكب

[ 140 ]

فجرعهم كأسا لو ابتليت لظى
بتجريعه طارت كأسرع ذاهب

كأس و أي كأس تصطلمهم عنهم و تفنيهم و تخطفهم منهم و لا تبقيهم كأس لا تبقى و لا تذر تمحو بالكلية و لا تبقى شظية من آثار البشرية كما قال قائلهم

ساروا فلم يبق لا عين و لا أثر

و قال القشيري أيضا هي ثلاث مراتب اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال القائل

فافترقنا حولا فلما التقينا
كان تسليمه علي وداعا

و أنشدوا

يا ذا الذي زار و ما زارا
كأنه مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا
ما ضره لو دخل الدارا

ثم اللوامع و هي أظهر من اللوائح و ليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين و ثلاثة و لكن كما قيل

العين باكية لم تشبع النظرا

أو كما قالوا

و بلائي من مشهد و مغيب
و حبيب مني بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين حتى
شرقت قبل ريها برقيب

فأصحاب هذا المقام بين روح و فوح لأنهم بين كشف و ستر يلمع ثم يقطع لا يستقر لهم نور النهار حتى تكر عليه عساكر الليل فهم كما قيل

و الليل يشملنا بفاضل برده
و الصبح يلحفنا رداء مذهبا

ثم الطوالع و هي أبقى وقتا و أقوى سلطانا و أدوم مكثا و أذهب للظلمة و أنفي للمهمة .

[ 141 ]

أ فلا ترى كلام القوم كله مشحون بالبروق و اللمعان . و كان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر و علي بن عيسى الجراح وزيره أيضا على الحلاج أنهما وجدا في كتبه لفظ النور الشعشعاني و ذلك لجهالتهما مراد القوم و اصطلاحهم و من جهل أمرا عاداه . ثم قال ع و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الإقامة أي لم يزل ينتقل من مقام من مقامات القوم إلى مقام فوقه حتى وصل و تلك المقامات معروفة عند أهلها و من له أنس بها و سنذكرها فيما بعد . ثم قال و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة بما استعمل قلبه و أرضى ربه أي كانت الراحة الكلية و السعادة الأبدية مستثمره من ذلك التعب الذي تحمله لما استعمل قلبه و راض جوارحه و نفسه حتى وصل كما قيل

عند الصباح يحمد القوم السرى
و تنجلي عنا غيابات الكرى

و قال الشاعر

تقول سليمى لو أقمت بأرضنا
و لم تدر أني للمقام أطوف

و قال آخر

ما ابيض وجه المرء في طلب العلا
حتى يسود وجهه في البيد

و قال

فاطلب هدوءا بالتقلقل و استثر
بالعيس من تحت السهاد هجودا
ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا
إلا بحيث ترى المنايا سودا

[ 142 ]