بعض الأشعار و الحكايات في وصف القبور و الموتى

و اعلم أن الناس قد قالوا في حال الموتى فأكثروا فمن ذلك قول الرضي أبي الحسن رحمه الله تعالى

[ 157 ]

أعزز علي بأن نزلت بمنزل
متشابه الأمجاد بالأوغاد
في عصبة جنبوا إلى آجالهم
و الدهر يعجلهم عن الإرواد
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم
من غير أطناب و لا أعماد
ركب أناخوا لا يرجى منهم
قصد لإتهام و لا إنجاد
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة
للدهر باركة بكل مفاد
فتهافتوا عن رحل كل مذلل
و تطاوحوا عن سرج كل جواد
بادون في صور الجميع و إنهم
متفردون تفرد الآحاد

قوله بادون في صور الجميع مأخوذ من قول أمير المؤمنين ع فكلهم وحيد و هم جميع . و قال أيضا

و لقد حفظت له فأين حفاظه
و لقد وفيت له فأين وفاؤه
أوعى الدعاء فلم يجبه قطيعة
أم ضل عنه من البعاد دعاؤه
هيهات أصبح سمعه و عيانه
في الترب قد حجبتها أقذاؤه
يمسي و لين مهاده حصباؤه
فيه و مؤنس ليله ظلماؤه
قد قلبت أعيانه و تنكرت
أعلامه و تكسفت أضواؤه

[ 158 ]

مغف و ليس للذة إغفاؤه
مغض و ليس لفكرة إغضاؤه
وجه كلمع البرق غاض و ميضه
قلب كصدر العضب فل مضاؤه
حكم البلى فيه فلو تلقى به
أعداءه لرتى له أعداؤه

و قال أبو العلاء

أستغفر الله ما عندي لكم خبر
و ما خطابي إلا معشرا قبروا
أصبحتم في البلى غبرا ملابسكم
من الهباء فأين البرد و القطر
كنتم على كل خطب فادح صبرا
فهل شعرتم و قد جادتكم الصبر
و ما درى يوم أحد بالذين ثووا
فيه و لا يوم بدر أنهم نصروا

و قال أبو عارم الكلابي

أ جازعة ردينة أن أتاها
نعيي أم يكون لها اصطبار
إذا ما أهل قبري و دعوني
و راحوا و الأكف بها غبار
و غودر أعظمي في لحد قبر
تراوحه الجنائب و القطار
تهب الريح فوق محط قبري
و يرعى حوله اللهق النوار
مقيم لا يكلمه صديق
بقبر لا أزور و لا أزار
فذاك النأي لا الهجران حولا
و حولا ثم تجتمع الديار

مر الإسكندر بمدينة قد ملكها سبعة أملاك من بيت واحد و بادوا فسأل هل بقي من نسلهم أحد قالوا بقي واحد و هو يلزم المقابر فدعا به فسأله لم تلزم المقابر قال أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء قال هل لك أن تلزمني حتى أنيلك بغيتك قال لو علمت أنك تقدر على ذلك للزمتك قال و ما بغيتك

[ 159 ]

قال حياة لا موت معها قال لن أقدر على ذلك قال فدعني أطلبه ممن يقدر عليه .

قال النبي ص ما رأيت منظرا إلا و القبر أفظع منه و

قال ص القبر أول منزل من منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر و من لم ينج فما بعده شر له . مر عبد الله بن عمر رضي الله عنه بمقبرة فصلى فيها ركعتين و قال ذكرت أهل القبور و أنه حيل بينهم و بين هذا فأحببت أن أتقرب بهما إلى الله فإن قلت ما معنى قوله ع و بجانب الهجر و أي فائدة في لفظة جانب في هذا الموضع . قلت لأنهم يقولون فلان في جانب الهجر و في جانب القطيعة و لا يقولون في جانب الوصل و في جانب المصافاة و ذلك أن لفظة جنب في الأصل موضوعة للمباعدة و منه قولهم الجار الجنب و هو جارك من قوم غرباء يقال جنبت الرجل و أجنبته و تجنبته و تجانبته كله بمعنى و رجل أجنبي و أجنب و جنب و جانب كله بمعنى . قوله ع شاهدوا من أخطار دارهم المعنى أنه شاهد المتقون من آثار الرحمة و أماراتها و شاهد المجرمون من آثار النقمة و أماراتها عند الموت و الحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون و يظنون أيام كونهم في الدنيا . ثم قال فكلا الغايتين مدت لهم المعنى مدت الغايتان غاية الشقي منهم و غاية السعيد .

[ 160 ]

إلى مباءة أي إلى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف أو رجاء راج و تلك المباءة هي النار أو الجنة و تقول قد استباء الرجل أي اتخذ مباءة و أبأت الإبل رددتها إلى مباءتها و هي معاطنها . ثم قال فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بتشديد الياء قال الشاعر

عيوا بأمرهم كما
عيت ببيضتها الحمامة
جعلت لها عودين من
نشم و آخر من ثمامة

و روي لعيوا بالتخفيف كما تقول حيوا قالوا ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين لأن الواو ساكنة و ضمت الياء الأولى لأجل الواو قال الشاعر

و كنا حسبناهم فوارس كهمس
حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا

قوله لقد رجعت فيهم يقال رجع البصر نفسه و رجع زيد بصره يتعدى و لا يتعدى يقول تكلموا معنى لا صورة فأدركت حالهم بالأبصار و الأسماع العقلية لا الحسية و كلحت الوجوه كلوحا و كلاحا و هو تكشر في عبوس . و النواضر النواعم و النضرة الحسن و الرونق . و خوت الأجساد النواعم خلت من دمها و رطوبتها و حشوتها و يجوز أن يكون خوت أي سقطت قال تعالى فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها و الأهدام جمع هدم و هو الثوب البالي قال أوس

و ذات هدم عار نواشرها
تصمت بالماء تولبا جذعا

[ 161 ]

و تكاءدنا شق علينا و منه عقبة كئود و يجوز تكأدنا جاءت هذه الكلمة في أخوات لها تفعل و تفاعل بمعنى و مثله تعهد الضيعة و تعاهدها . و يقال قوله و توارثنا الوحشة كأنه لما مات الأب فاستوحش أهله منه ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أيضا صار كان الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تورث الأموال و هذا من باب الاستعارة . قوله و تهدمت علينا الربوع يقال تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد غضبه و يجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت و روي و تهكمت بالكاف و هو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا و يعني بالربوع الصموت القبور و جعلها صموتا لأنه لا نطق فيها كما تقول ليل قائم و نهار صائم أي يقام و يصام فيهما و هذا كله على طريق الهز و التحريك و إخراج الكلام في معرض غير المعرض المعهود جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن أنفسهم لأتوا بما وصفه من أحوالهم و ورد في الحديث أن عمر حضر جنازة رجل فلما دفن قال لأصحابه قفوا ثم ضرب فأمعن في القبور و استبطأه الناس جدا ثم رجع و قد احمرت عيناه و انتفخت أوداجه فقيل أبطأت يا أمير المؤمنين فما الذي حبسك قال أتيت قبور الأحبة فسلمت فلم يردوا علي السلام فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال أ لا تسألني يا عمر ما فعلت باليدين قلت ما فعلت بهما قال قطعت الكفين من الرسغين و قطعت الرسغين من الذراعين و قطعت الذراعين من المرفقين و قطعت المرفقين من العضدين و قطعت العضدين من المنكبين و قطعت المنكبين من الكتفين فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال أ لا تسألني يا عمر ما فعلت بالأبدان و الرجلين قلت ما فعلت قال قطعت الكتفين من الجنبين و قطعت الجنبين من الصلب و قطعت الصلب من الوركين و قطعت الوركين من الفخذين و قطعت الفخذين من الركبتين

[ 162 ]

و قطعت الركبتين من الساقين و قطعت الساقين من القدمين فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال يا عمر عليك بأكفان لا تبلى فقلت و ما أكفان لا تبلى قال تقوى الله و العمل بطاعته و هذا من الباب الذي نحن بصدده نسب الأقوال المذكورة إلى التراب و هو جماد و لم يكن ذلك و لكنه اعتبر فانقدحت في نفسه هذه المواعظ الحكمية فأفرغها في قالب الحكاية و رتبها على قانون المسألة و الإجابة و أضافها إلى جماد موات لأنه أهز لسامعها إلى تدبرها و لو قال نظرت فاعتبرت في حال الموتى فوجدت التراب قد قطع كذا من كذا لم تبلغ عظته المبلغ الذي بلغته حيث أودعها في الصورة التي اخترعها . قوله ع فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك إلى آخر جواب لو هذا الكلام أخذه ابن نباته بعينه فقال فلو كشفتم عنهم أغطية الأجداث بعد ليلتين أو ثلاث لوجدتم الأحداق على الخدود سائلة و الألوان من ضيق اللحود حائلة و هوام الأرض في نواعم الأبدان جائلة و الرءوس الموسدة على الأيمان زائلة ينكرها من كان لها عارفا و يفر عنها من لم يزل لها آنفا . قوله ع ارتسخت أسماعهم ليس معناه ثبتت كما زعمه الراوندي لأنها لم تثبت و إنما ثبتت الهوام فيها بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه و نضب و يقال قد ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان . و استكت أي ضاقت و انسدت قال النابغة

و نبئت خير الناس أنك لمتني
و تلك التي تستك منها المسامع

[ 163 ]

قوله و اكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت أي غارت و ذهبت في الرأس و أخذ المتنبي قوله و اكتحلت أبصارهم بالتراب فقال

يدفن بعضنا بعضا و يمشي
أواخرنا على هام الأوالي
و كم عين مقبلة النواحي
كحيل بالجنادل و الرمال
و مغض كان لا يغضي لخطب
و بال كان يفكر في الهزال

و ذلاقة الألسن حدتها ذلق اللسان و السنان يذلق ذلقا أي ذرب فهو ذلق و أذلق . و همدت بالفتح سكنت و خمدت و عاث أفسد و قوله جديد بلى من فن البديع لأن الجدة ضد البلى و قد أخذ الشاعر هذه اللفظة فقال

يا دار غادرني جديد بلاك
رث الجديد فهل رثيث لذاك

و سمجها قبح صورتها و قد سمج الشي‏ء بالضم فهو سمج بالسكون ثم ضخم فهو ضخم و يجوز فهو سمج بالكسر مثل خشن فهو خشن . قوله و سهل طرق الآفة إليها و ذلك أنه إذا استولى العنصر الترابي على الأعضاء قوي استعدادها للاستحالة من صورتها الأولى إلى غيرها . و مستسلمات أي منقادة طائعة غير عاصية فليس لها أيد تدفع عنها و لا لها قلوب تجزع و تحزن لما نزل بها . و الأشجان جمع شجن و هو الحزن . و الأقذاء جمع قذى و هو ما يسقط في العين فيؤذيها .

[ 164 ]

قوله صفة حال لا تنتقل أي لا تنتقل إلى حسن و صلاح و ليس يريد لا تنتقل مطلقا لأنها تنتقل إلى فساد و اضمحلال . و رجل عزيز أي حدث و عزيز الجسد أي طري و أنيق اللون معجب اللون و غذي ترف قذ غذي بالترف و هو التنعم المطغي . و ربيب شرف أي قد ربي في الشرف و العز و يقال رب فلان ولده يربه ربا و رباه يربيه تربية . و يتعلل بالسرور يتلهى به عن غيره و يفزع إلى السلوة يلتجئ إليها و ضنا أي بخلا و غضارة العيش نعيمه و لينه . و شحاحة أي بخلا شححت بالكسر أشح و شححت أيضا بالفتح أشح و أشح بالضم و الكسر شحا و شحاحة و رجل شحيح و شحاح بالفتح و قوم شحاح و أشحة . و يضحك إلى الدنيا و تضحك إليه كناية عن الفرح بالعمر و العيشة و كذا كل واحد منهما يضحك إلى صاحبه لشدة الصفاء كأن الدنيا تحبه و هو يحبها . و عيش غفول قد غفل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم ينتبه له الدهر فيكدر عليه وقته قال الشاعر

و كان المرء في غفلات عيش
كأن الدهر عنها في وثاق

و قال الآخر

ألا إن أحلى العيش ما سمحت به
صروف الليالي و الحوادث نوم

قوله إذ وطئ الدهر به حسكة أي إذ أوطأه الدهر حسكة و الهاء في حسكة ترجع إلى الدهر عدي الفعل بحرف الجر كما تقول قام زيد بعمرو أي أقامه .

[ 165 ]

و قواه جمع قوة و هي المرة من مرائر الحبل و هذا الكلام استعارة . و من كثب من قرب و البث الحزن و البث أيضا الأمر الباطن الدخيل . و نجي الهم ما يناجيك و يسارك و الفترات أوائل المرض . و آنس ما كان بصحته منصوب على الحال و قال الراوندي في الشرح هذا من باب أخطب ما يكون الأمير قائما ثم ذكر أن العامل في الحال فترات قال تقديره فترات آنس ما كان و ما ذكره الراوندي فاسد فإنه ليس هذا من باب أخطب ما يكون الأمير قائما لأن ذلك حال سد مسد خبر المبتدإ و ليس هاهنا مبتدأ و أيضا فليس العامل في الحال فترات و لا فتر بل العامل تولدت و القار البارد . فإن قلت لم قال تسكين الحار بالقار و تحريك البارد بالحار و لأي معنى جعل الأول التسكين و الثاني التحريك قلت لأن من شأن الحرارة التهييج و التثوير فاستعمل في قهرها بالبارد لفظة التسكين و من شأن البرودة التخدير و التجميد فاستعمل في قهرها بالحار لفظة التحريك . قوله و لا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء أي و لا استعمل دواء مفردا معتدل المزاج أو مركبا كذلك إلا و أمد كل طبيعة منها ذات مرض بمرض زائد على الأول . و ينبغي أن يكون قوله و لا اعتدل بممازج أي و لا رام الاعتدال لممتزج لأنه لو حصل له الاعتدال لكان قد برئ من مرضه فسمي محاولة الاعتدال اعتدالا لأنه بالاستدلال المعتدلات قد تهيأ للاعتدال فكان قد اعتدل بالقوة . و ينبغي أيضا أن يكون قد حذف مفعول أمد و تقديره بمرض كما قدرناه نحن و حذف المفعولات كثير واسع .

[ 166 ]

قوله حتى فتر معلله لأن معللي المرض في أوائل المرض يكون عندهم نشاط لأنهم يرجون البرء فإذا رأوا أمارات الهلاك فترت همتهم . قوله و ذهل ممرضه ذهل بالفتح و هذا كالأول لأن الممرض إذا أعيا عليه المرض و انسدت عليه أبواب التدبير يذهل . قوله و تعايا أهله بصفة دائه أي تعاطوا العي و تساكتوا إذا سئلوا عنه و هذه عادة أهل المريض المثقل يجمجمون إذا سئلوا عن حاله . قوله و تنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه أي تخاصموا في خبر ذي شجى أي خبر ذي غصة يتنازعونه و هم حول المريض سترا دونه و هو لا يعلم بنجواهم و بما يفيضون فيه من أمره . فقائل منهم هو لمآبه أي قد أشفى على الموت و آخر يمنيهم إياب عافيته أي عودها آب فلان إلى أهله أي عاد . و آخر يقول قد رأينا مثل هذا و من بلغ إلى أعظم من هذا ثم عوفي فيمني أهله عود عافيته . و آخر يصبر أهله على فقده و يذكر فضيلة الصبر و ينهاهم عن الجزع و يروي لهم أخبار الماضين . و أسى أهليهم و الأسى جمع أسوة و هو ما يتأسى به الإنسان قالت الخنساء

و ما يبكون مثل أخي و لكن
أسلي النفس عنه بالتأسي

قوله على جناح من فراق الدنيا أي سرعان ما يفارقها لأن من كان على جناح طائر فأوشك به أن يسقط .

[ 167 ]

قوله إذ عرض له عارض يعني الموت و من غصصه جمع غصة و هو ما يعترض مجرى الأنفاس و يقال إن كل ميت من الحيوان لا يموت إلا خنقا و ذلك لأنه من النفس يدخل فلا يخرج عوضه أو يخرج فلا يدخل عوضه و يلزم من ذلك الاختناق لأن الرئة لا تبقى حينئذ مروحة للقلب و إذا لم تروحه اختنق . قوله فتحيرت نوافذ فطنته أي تلك الفطنة النافذة الثاقبة تحيرت عند الموت و تبلدت . قوله و يبست رطوبة لسانه لأن الرطوبة اللعابية التي بها يكون الذوق تنشف حينئذ و يبطل الإحساس باللسان تبعا لسقوط القوة . قوله فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده نحو أن يكون له مال مدفون يسأل عنه حال ما يكون محتضرا فيحاول أن يعرف أهله به فلا يستطيع و يعجز عن رد جوابهم و قد رأينا من عجز عن الكلام فأشار إشارة فهموا معناها و هي الدواة و الكاغذ فلما حضر ذلك أخذ القلم و كتب في الكاغذ ما لم يفهم و يده ترعد ثم مات قوله و دعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه أظهر الصمم لأنه لا حيلة له . ثم وصف ذلك الدعاء فقال من كبير كان يعظمه نحو صراخ الوالد على الولد و الولد يسمع و لا يستطيع الكلام و صغير كان يرحمه نحو صراخ الولد على الوالد و هو يسمع و لا قدرة له على جوابه . ثم ذكر غمرات الدنيا فقال إنها أفظع من أن تحيط الصفات بها و تستغرقها أي تأتي على كنهها و تعبر عن حقائقها . قوله أو تعتدل على عقول أهل الدنيا هذا كلام لطيف فصيح غامض و معناه

[ 168 ]

أن غمرات الموت و أهواله عظيمة جدا لا تستقيم على العقول و لا تقبلها إذا شرحت لها و وصفت كما هي على الحقيقة بل تنبو عنها و لا نصدق بما يقال فيها فعبر عن عدم استقامتها على العقول بقوله أو يعتدل كأنه جعلها كالشي‏ء المعوج عند العقل فهو غير مصدق به