إيراد أشعار و حكايات في وصف الموت و أحوال الموتى

و مما يناسب ما ذكر من حال الإنسان قول الشاعر

بينا الفتى مرح الخطا فرحا بما
يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى
إذ قيل بات بليلة ما نامها
إذ قيل أصبح مثقلا ما يرتجى
إذ قيل أمسى شاخصا و موجها
إذ قيل فارقهم و حل به الردى

و قال أبو النجم العجلي

و المرء كالحالم في المنام
يقول إني مدرك أمامي
في قابل ما فاتني في العام
و المرء يدنيه إلى الحمام
مر الليالي السود و الأيام
إن الفتى يصبح للأسقام
كالغرض المنصوب للسهام
أخطأ رام و أصاب رام

و قال عمران بن حطان

أ في كل عام مرضة ثم نقهة
و ينعى و لا ينعى متى ذا إلى متى

[ 169 ]

و لا بد من يوم يجي‏ء و ليلة
يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا

و

جاء في الحديث أن رسول الله ص مر بمقبرة فنادى يا أهل القبور الموحشة و الربوع المعطلة أ لا أخبركم بما حدث بعدكم تزوج نساؤكم و تبوئت مساكنكم و قسمت أموالكم هل أنتم مخبرون بما عاينتم ثم قال ألا إنهم لو أذن لهم في الجواب لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى . و نظر الحسن إلى رجل يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله و إن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف آخره . و قال عبده بن الطبيب و يعجبني قوله على الحال التي كان عليها فإنه كان أسود لصا من لصوص بني سعد بن زيد مناه بن تميم .

و لقد علمت بأن قصري حفرة
غبراء يحملني إليها شرجع
فبكى بناتي شجوهن و زوجتي
و الأقربون إلي ثم تصدعوا
و تركت في غبراء يكره وردها
تسفي على الريح ثم أودع
أن الحوادث يخترمن و إنما
عمر الفتى في أهله مستودع

و نظير هذه الأبيات في رويها و عروضها قول متمم بن نويرة اليربوعي

و لقد علمت و لا محالة أنني
للحادثات فهل تريني أجزع
أهلكن عادا ثم آل محرق
فتركنهم بلدا و ما قد جمعوا

[ 170 ]

و لهن كان الحارثان كلاهما
و لهن كان أخو المصانع تبع
فعددت آبائي إلى عرق الثرى
فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا
ذهبوا فلم أدركهم ودعتهم
غول أتوها و الطريق المهيع
لا بد من تلف مصيب فانتظر
أ بأرض قومك أم بأخرى تصرع
و ليأتين عليك يوم مرة
يبكى عليك مقنعا لا تسمع

لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سال عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فدل عليها فأتاها و كانت عمياء فسألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس ما شي‏ء يدب تحت الخورنق إلا تحت أيدينا ثم غربت و قد رحمنا كل من يدور به و ما بيت دخلته حبرة إلا دخلته عبرة ثم قالت

و بينا نسوس الناس و الأمر أمرنا
إذا نحن فيه سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها
تقلب تارات بنا و تصرف

فقال قائل ممن كان حول خالد قاتل الله عدي بن زيد لكأنه ينظر إليها حين يقول

إن للدهر صرعة فاحذرنها
لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافى فيردى
و لقد كان آمنا مسرورا

دخل عبد الله بن العباس على عبد الملك بن مروان يوم قر و هو على فرش

[ 171 ]

يكاد يغيب فيها فقال يا ابن عباس إني لأحسب اليوم باردا قال أجل و إن ابن هند عاش في مثل ما ترى عشرين أميرا و عشرين خليفة ثم هو ذاك على قبره ثمامة تهتز . فيقال إن عبد الملك أرسل إلى قبر معاوية فوجد عليه ثمامة نابتة . كان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره ببغداد على دجلة فإذا بحشيش على وجه الماء في وسطه قصبة على رأسها رقعة فأمر بها فوجد هذا

تاه الأعيرج و استولى به البطر
فقل له خير ما استعملته الحذر
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت
و لم تخف سوء ما يأتي به القدر
و سالمتك الليالي فاغتررت بها
و عند صفو الليالي يحدث الكدر

فلم ينتفع بنفسه أياما . عدي بن زيد

أيها الشامت المعير بالدهر
أ أنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام
بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من
ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنو شروان
أم أين قبله سابور
و بنو الأصفر الكرام ملوك الروم
و لم يبق منهم مذكور

[ 172 ]

و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجلة
تجبى إليه و الخابور
لم يهبه ريب المنون فباد
الملك عنه فبابه مهجور
شاده مرمرا و جلله كلسا
فللطير في ذراه وكور
و تبين رب الخورنق إذ أشرف
يوما و للهدى تفكير
سره حاله و كثرة ما يملك
و البحر معرضا و السدير
فارعوى قلبه و قال فما غبطة
حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح و الملك و الأمة
وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جف
فألوت به الصبا و الدبور

قد اتفق الناس على أن هذه الأبيات أحسن ما قيل من القريض في هذا المعنى و أن الشعراء كلهم أخذوا منها و احتذوا في هذا المعنى حذوها . و قال الرضي أبو الحسن رضي الله عنه

انظر إلى هذا الأنام بعبرة
لا يعجنك خلقه و رواؤه
فتراه كالورق النضير تقصفت
أغصانه و تسلبت شجراؤه
أني تحاماه المنون و إنما
خلقت مراعي للردى خضراؤه
أم كيف تأمل فلتة أجساده
من ذا الزمان و حشوها أدواؤه

[ 173 ]

لا تعجبن فما العجيب فناؤه
بيد المنون بل العجيب بقاؤه
إنا لنعجب كيف حم حمامه
عن صحة و يغيب عنا داؤه
من طاح في سبل الردى آباؤه
فليسلكن طريقهم أبناؤه
و مؤمر نزلوا به في سوقة
لا شكله فيهم و لا نظراؤه
قد كان يفرق ظله أقرانه
و يغض دون جلاله أكفاؤه
و محجب ضربت عليه مهابة
يعشي العيون بهاؤه و ضياؤه
نادته من خلف الحجاب منية
أمم فكان جوابها حوباؤه
شقت إليه سيوفه و رماحه
و أميط عنه عبيده و إماؤه
لم يغنه من كان ود لو أنه
قبل المنون من المنون فداؤه
حرم عليه الذل إلا أنه
أبدا ليشهد بالجلال بناؤه
متخشع بعد الأنيس جنابه
متضائل بعد القطين فناؤه
عريان تطرد كل ريح تربه
و يطيع أول أمرها حصباؤه
و لقد مررت ببرزخ فسألته
أين الألى ضمتهم أرجاؤه
مثل المطي بواركا أجداثه
تسفي على جنباتها بوغاؤه
ناديته فخفى علي جوابه
بالقول إلا ما زقت أصداؤه

[ 174 ]

من ناظر مطروفه ألحاظه
أو خاطر مظلولة سوداؤه
أو واجد مكظومة زفراته
أو حاقد منسية شحناؤه
و مسندين على الجنوب كأنهم
شرب تخاذل بالطلا أعضاؤه
تحت الصعيد لغير إشفاق إلى
يوم المعاد يضمهم أحشاؤه
أكلتهم الأرض التي ولدتهم
أكل الضروس حلت له أكلاؤه

و قال أيضا

و تفرق البعداء بعد تجمع
صعب فكيف تفرق القرباء
و خلائق الدنيا خلائق مومس
للمنع آونة و للإعطاء
طورا تبادلك الصفاء و تارة
تلقاك تنكرها من البغضاء
و تداول الأيام يبلينا كما
يبلي الرشاء تطاوح الأرجاء
و كان طول العمر روحة راكب
قضى اللغوب و جد في الإسراء
لهفي على القوم الأولى غادرتهم
و عليهم طبق من البيداء

[ 175 ]

متوسدين على الخدود كأنما
كرعوا على ظمإ من الصهباء
صور ضننت على العيون بلحظها
أمسيت أوقرها من البوغاء
و نواظر كحل التراب جفونها
قد كنت أحرسها من الأقذاء
قربت ضرائحهم على زوارها
و نأوا عن الطلاب أي تناء
و لبئس ما يلقى بعقر ديارهم
أذن المصيخ بها و عين الرائي

[ 176 ]