خطب عمر الطوال

و قال الجاحظ في كتاب البيان و التبيين لم يكن عمر من أهل الخطب الطوال و كان كلامه قصيرا و إنما صاحب الخطب الطوال علي بن أبي طالب ع . و قد وجدت أنا لعمر خطبا فيها بعض الطول ذكرها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ . فمنها خطبة خطب بها حين ولي الخلافة و هي بعد حمد الله و الثناء عليه و على رسوله أيها الناس إني وليت عليكم و لو لا رجاء أن أكون خيركم لكم و أقواكم عليكم و أشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم ما توليت ذلك منكم و لكفى عمر فيها مجزى العطاء موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها و وضعها أين أضعها

[ 109 ]

و بالسير فيكم كيف أسير فربي المستعان فإن عمر لم يصبح يثق بقوة و لا حيلة إن لم يتداركه الله برحمته و عونه . أيها الناس إن الله قد ولاني أمركم و قد علمت أنفع ما لكم و أسأل الله أن يعينني عليه و أن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره و أن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به فإني امرؤ مسلم و عبد ضعيف إلا ما أعان الله و لن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله إنما العظمة لله و ليس للعباد منها شي‏ء فلا يقولن أحدكم إن عمر تغير منذ ولي و إني أعقل الحق من نفسي و أتقدم و أبين لكم أمري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذني فإنما أنا رجل منكم فعليكم بتقوى الله في سركم و علانيتكم و حرماتكم و أعراضكم و أعطوا الحق من أنفسكم و لا يحمل بعضكم بعضا على ألا تتحاكموا إلي فإنه ليس بيني و بين أحد هوادة و أنا حبيب إلى صلاحكم عزيز على عنتكم و أنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله و أهل بلد لا زرع فيه و لا ضرع إلا ما جاء الله به إليه و إن الله عز و جل قد وعدكم كرامة كبيرة و أنا مسئول عن أمانتي و ما أنا فيه و مطلع على ما يحضرني بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد و لا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء و أهل النصح منكم للعامة و لست أحمل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله . و خطب عمر مرة أخرى فقال بعد حمد الله و الصلاة على رسول الله ص

[ 110 ]

أيها الناس إن بعض الطمع فقر و إن بعض اليأس غنى و إنكم تجمعون ما لا تأكلون و تؤملون ما لا تدركون و أنتم مؤجلون في دار غرور و قد كنتم على عهد رسول الله ص تؤخذون بالوحي و من أسر شيئا أخذ بسريرته و من أعلن شيئا أخذ بعلانيته فأظهروا لنا حسن أخلاقكم و الله أعلم بالسرائر فإنه من أظهر لنا قبيحا و زعم أن سريرته حسنة لم نصدقه و من أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا و اعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيرا لأنفسكم و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . أيها الناس أطيبوا مثواكم و أصلحوا أموركم و اتقوا الله ربكم و لا تلبسوا نساءكم القباطي فإنه إن لم يشف فإنه يصف . أيها الناس إني لوددت أن أنجو كفافا لا لي و لا علي إني لأرجو أن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا أن أعمل فيكم بالحق إن شاء الله و ألا يبقى أحد من المسلمين و إن كان في بيته إلا أتاه حقه و نصيبه من مال الله و إن لم يعمل إليه نفسه و لم ينصب إليه بدنه فأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله فقليل في رفق خير من كثير في عنف . و اعلموا أن القتل حتف من الحتوف يصيب البر و الفاجر و الشهيد من احتسب نفسه و إذا أراد أحدكم بعيرا فليعمد إلى الطويل العظيم فليضربه بعصاه فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره . و خطب عمر مرة أخرى فقال

[ 111 ]

إن الله سبحانه قد استوجب عليكم الشكر و اتخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الدنيا و الآخرة من غير مسألة منكم و لا رغبة منكم فيه إليه فخلقكم تبارك و تعالى و لم تكونوا شيئا لنفسه و عبادته و كان قادرا أن يجعلكم لأهون خلقه عليه فجعلكم عامة خلقه و لم يجعلكم لشي‏ء غيره و سخر لكم ما في السموات و الأرض و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة و حملكم في البر و البحر و رزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ثم جعل لكم سمعا و بصرا و من نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم و منها نعم اختص بها أهل دينكم ثم صارت تلك النعم خواصها في دولتكم و زمانكم و طبقتكم و ليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قسمتم ما وصل منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها و فدحهم حقها إلا بعون الله مع الإيمان بالله و رسوله فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتين أمة مستعبدة للإسلام و أهله يتجرون لكم تستصفون معايشهم و كدائحهم و رشح جباههم عليهم المئونة و لكم المنفعة و أمة تنتظر وقائع الله و سطواته في كل يوم و ليلة قد ملأ الله قلوبهم رعبا فليس لهم معقل يلجئون إليه و لا مهرب يتقون به قد دهمتهم جنود الله و نزلت بساحتهم مع رفاغة العيش و استفاضة المال و تتابع البعوث و سد الثغور بإذن الله في العافية الجليلة العامة التي لم تكن الأمة على أحسن منها منذ كان الإسلام و الله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ شكر الشاكرين و ذكر الذاكرين و اجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها و لا يقدر قدرها و لا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله و رحمته و لطفه فنسأل الله الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته و المسارعة إلى مرضاته و اذكروا عباد الله بلاء الله عندكم و استتموا نعمة الله عليكم و في مجالسكم مثنى و فرادى فإن الله تعالى قال لموسى

[ 112 ]

أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلظُّلُماتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ و قال لمحمد ص وَ اُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي اَلْأَرْضِ فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها و تستريحون إليها مع المعرفة بالله و بدينه و ترجون الخير فيما بعد الموت و لكنكم كنتم أشد الناس عيشة و أعظم الناس بالله جهالة فلو كان هذا الذي ابتلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد و المنقلب و أنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه كنتم أحرياء إن تشحوا على نصيبكم منه و إن تظهروه على غيره فبله أما إنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا و كرامة الآخرة أو لمن شاء أن يجمع ذلك منكم فأذكركم الله الحائل بينكم و بين قلوبكم إلا ما عرفتم حق الله و عملتم له و سيرتم أنفسكم على طاعته و جمعتم مع السرور بالنعم خوفا لزوالها و انتقالها و وجلا من تحويلها فإنه لا شي‏ء أسلب للنعمة من كفرانها و أن الشكر أمن للغير و نماء للنعمة و استجلاب للزيادة و هذا علي في أمركم و نهيكم واجب إن شاء الله و روى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب مقاتل الفرسان قال كتب عمر إلى سلمان بن ربيعة الباهلي أو إلى النعمان بن مقرن أن في جندك رجلين من العرب عمرو بن معديكرب و طليحة بن خويلد فأحضرهما الناس و أدبهما و شاورهما في الحرب و ابعثهما في الطلائع و لا تولهما عملا من أعمال المسلمين و إذا وضعت الحرب أوزارها فضعهما حيث وضعا أنفسهما قال و كان عمرو ارتد و طليحة تنبأ .

[ 113 ]

و روى أبو عبيدة أيضا في هذا الكتاب قال قدم عمرو بن معديكرب و الأجلح بن وقاص الفهمي على عمر فأتياه و بين يديه مال يوزن فقال متى قدمتما قالا يوم الخميس قال فما حبسكما عني قالا شغلنا المنزل يوم قدمنا ثم كانت الجمعة ثم غدونا عليك اليوم فلما فرغ من وزن المال نحاه و أقبل عليهما فقال هيه فقال عمرو بن معديكرب يا أمير المؤمنين هذا الأجلح بن وقاص الشديد المرة البعيد الغرة الوشيك الكرة و الله ما رأيت مثله حين الرجال صارع و مصروع و الله لكأنه لا يموت فقال عمر للأجلح و أقبل عليه و قد عرف الغضب في وجهه هيه يا أجلح فقال الأجلح يا أمير المؤمنين تركت الناس خلفي صالحين كثيرا نسلهم داره أرزاقهم خصبة بلادهم أجرياء على عدوهم فأكلا عدوهم عنهم فسيمتع الله بك فما رأينا مثلك إلا من سبقك فقال ما منعك أن تقول في صاحبك مثل ما قال فيك قال ما رأيت من وجهك قال أصبت أما إنك لو قلت فيه مثل الذي قال فيك لأوجعتكما ضربا و عقوبة فإذ تركتك لنفسك فسأتركه لك و الله لوددت لو سلمت لكم حالكم و دامت عليكم أموركم أما إنه سيأتي عليك يوم تعضه و ينهشك و تهره و ينبحك و لست له يومئذ و ليس لك فإن لا يكن بعدكم فما أقربه منكم . لما أسر الهرمزان صاحب الأهواز و تستر و حمل إلى عمر حمل و معه رجال من المسلمين فيهم الأحنف بن قيس و أنس بن مالك فأدخلوه في المدينة في هيئته و عليه تاجه الذهب و كسوته فوجدوا عمر نائما في جانب المسجد فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه فقال الهرمزان أين عمر فقالوا هو ذا قال و أين حراسه و حجابه قالوا لا حارس له و لا حاجب قال فينبغي أن يكون هذا نبيا قالوا إنه يعمل عمل الأنبياء .

[ 114 ]

فاستيقظ عمر فقال الهرمزان قالوا نعم قال لا أكلمه حتى لا يبقى عليه من حليته شي‏ء فرموا بالحلية و ألبسوه ثوبا ضعيفا فقال عمر يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر و قد كان صالح المسلمين مرة ثم نكث فقال يا عمر إنا و إياكم في الجاهلية كنا نغلبكم إذ لم يكن الله معكم و لا معنا فلما كان الله معكم غلبتمونا قال فما عذرك في انتقاضك مرة بعد مرة قال أخاف إن قلت أن تقتلني قال لا بأس عليك فأخبرني فاستسقى ماء فأخذه و جعلت يده ترعد قال ما لك قال أخاف أن تقتلني و أنا أشرب قال لا بأس عليك حتى تشربه فألقاه من يده فقال ما بالك أعيدوا عليه الماء و لا تجمعوا عليه بين القتل و العطش قال كيف تقتلني و قد أمنتني قال كذبت قال لم أكذب فقال أنس صدق يا أمير المؤمنين قال ويحك يا أنس أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور و البراء بن مالك و الله لتأتيني بالمخرج أو لأعاقبنك قال إنك قلت لا بأس عليك حتى تخبرني و لا بأس عليك حتى تشرب و قال له ناس من المسلمين مثل قول أنس فأقبل على الهرمزان فقال تخدعني و الله لا تخدعني إلا أن تسلم فأسلم ففرض له ألفين و أنزله المدينة . بعث عمر عمير بن سعيد الأنصاري عاملا على حمص فمكث حولا لا يأتيه خبره ثم كتب إليه بعد حول إذا أتاك كتابي هذا فأقبل و احمل ما جبيت من مال المسلمين فأخذ عمير جرابه و جعل فيه زاده و قصعته و علق أداته و أخذ عنزته و أقبل ماشيا من حمص حتى دخل المدينة و قد شحب لونه و اغبر وجهه و طال شعره فدخل على عمر فسلم فقال عمر ما شأنك يا عمير قال ما ترى من شأني أ لست تراني صحيح البدن ظاهر الدم معي الدنيا أجرها بقرنيها قال و ما معك فظن عمر أنه قد جاء

[ 115 ]

بمال قال معي جرابي أجعل فيه زادي و قصعتي آكل فيها و أغسل منها رأسي و ثيابي و أداتي أحمل فيها وضوئي و شرابي و عنزتي أتوكأ عليها و أجاهد بها عدوا إن عرض لي قال عمر أ فجئت ماشيا قال نعم لم يكن لي دابة قال أ فما كان في رعيتك أحد يتبرع لك بدابة تركبها قال ما فعلوا و لا سألتهم ذلك قال عمر بئس المسلمون خرجت من عندهم قال عمير اتق الله يا عمر و لا تقل إلا خيرا قد نهاك الله عن الغيبة و قد رأيتهم يصلون قال عمر فما ذا صنعت في إمارتك قال و ما سؤالك قال سبحان الله قال أما إني لو لا أخشى أن أعمل ما أخبرتك أتيت البلد فجمعت صلحاء أهله فوليتهم جبايته و وضعه في مواضعه و لو أصابك منه شي‏ء لأتاك قال أ فما جئت بشي‏ء قال لا فقال جددوا لعمير عهدا قال إن ذلك لشي‏ء لا أعمله بعد لك و لا لأحد بعدك و الله ما كدت أسلم بل لم أسلم قلت لنصراني معاهد أخزاك الله فهذا ما عرضتني له يا عمر إن أشقى أيامي ليوم صحبتك ثم استأذنه في الانصراف فأذن له و منزله بقباء بعيدا عن المدينة فأمهله عمر أياما ثم بعث رجلا يقال له الحارث فقال انطلق إلى عمير بن سعد و هذه مائة دينار فإن وجدت عليه أثرا فأقبل علي بها و إن رأيت حالا شديدة فادفع إليه هذه المائة فانطلق الحارث فوجد عميرا جالسا يفلي قميصا له إلى جانب حائط فسلم عليه فقال عمير انزل رحمك الله فنزل فقال من أين جئت قال من المدينة قال كيف تركت أمير المؤمنين قال صالحا قال كيف تركت المسلمين قال صالحين قال أ ليس عمر يقيم الحدود قال بلى ضرب ابنا له على فاحشة فمات من ضربه فقال عمير اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديدا حبه لك قال فنزل به ثلاثة أيام و ليس لهم إلا قرص من شعير كانوا يخصونه كل يوم به و يطوون حتى نالهم الجهد فقال له عمير إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل فأخرج الحارث الدنانير فدفعها إليه و قال بعث بها أمير المؤمنين فاستغن بها فصاح و قال ردها لا حاجة لي فيها فقالت المرأة خذها

[ 116 ]

ثم ضعها في موضعها فقال ما لي شي‏ء أجعلها فيه فشقت أسفل درعها فأعطته خرقة فشدها فيها ثم خرج فقسمها كلها بين أبناء الشهداء و الفقراء فجاء الحارث إلى عمر فأخبره فقال رحم الله عميرا ثم لم يلبث أن هلك فعظم مهلكه على عمر و خرج مع رهط من أصحابه ماشين إلى بقيع الغرقد فقال لأصحابه ليتمنين كل واحد منا أمنيته فكل واحد تمنى شيئا و انتهت الأمنية إلى عمر فقال وددت أن لي رجلا مثل عمير بن سعد أستعين به على أمور المسلمين