أخبار عمر مع عمرو بن معديكرب

و ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب مقاتل الفرسان أن سعد بن أبي وقاص أوفد عمرو بن معديكرب بعد فتح القادسية إلى عمر فسأله عمر عن سعد كيف تركته و كيف رضا الناس عنه فقال يا أمير المؤمنين هو لهم كالأب يجمع لهم جمع الذرة أعرابي في نمرته أسد في تامورته نبطي في جبايته يقسم بالسوية و يعدل في القضية و ينفر في السرية . و كان سعد كتب يثني على عمرو فقال عمر لكأنما تعاوضتما الثناء كتب يثني عليك و قدمت تثني عليه فقال لم أثن إلا بما رأيت قال دع عنك سعدا و أخبرني عن مذحج قومك . قال في كل فضل و خير قال ما قولك في علة بن خالد قال أولئك فوارس أعراضنا أحثنا طلبا و أقلنا هربا قال فسعد العشيرة قال أعظمنا خميسا و أكبرنا رئيسا و أشدنا شريسا قال فالحارث بن كعب قال حكمة لا ترام قال فمراد قال الأتقياء البررة و المساعير الفجرة ألزمنا قرارا و أبعدنا آثارا .

[ 119 ]

قال فأخبرني عن الحرب قال مرة المذاق إذا قلصت عن ساق من صبر فيها عرف و من ضعف عنها تلف و إنها لكما قال الشاعر

الحرب أول ما تكون فتية
تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا استعرت و شب ضرامها
عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزت رأسها و تنكرت
مكروهة للشم و التقبيل

قال فأخبرني عن السلاح قال سل عما شئت منه قال الرمح قال أخوك و ربما خانك قال النبل قال منايا تخطئ و تصيب قال الترس قال ذاك المجن و عليه تدور الدوائر قال الدرع قال مشغلة للراكب متعبة للراجل و إنها لحصن حصين قال السيف قال هناك قارعت أمك الهبل قال بل أمك قال بل أمي و الحمى أضرعتني لك . عرض سليمان بن ربيعة الباهلي جنده بأرمينية فكان لا يقبل من الخيل إلا عتيقا فمر عمرو بن معديكرب بفرس غليظ فرده و قال هذا هجين قال عمرو إنه ليس بهجين و لكنه غليظ قال بل هو هجين فقال عمرو إن الهجين ليعرف الهجين فكتب بكلمته إلى عمر فكتب إليه أما بعد يا ابن معديكرب فإنك القائل لأميرك ما قلت فإنه بلغني أن عندك سيفا تسميه الصمصامة و أن عندي سيفا أسميه مصمما و أقسم بالله لئن وضعته بين أذنيك لا يقلع حتى يبلغ قحفك .

[ 120 ]

و كتب إلى سليمان بن ربيعة يلومه في حلمه عنه فلما قرأ عمرو الكتاب قال من ترونه يعني قالوا أنت أعلم قال هددني بعلي و الله و قد كان صلى بناره مرة في حياة رسول الله ص و أفلت من يده بجريعة الذقن و ذلك حين ارتدت مذحج و كان رسول الله ص أمر عليها فروة بن مسيك المرادي فأساء السيرة و نابذ عمرو بن معديكرب ففارقه في كثير من قبائل مذحج فاستجاش فروة عليه و عليهم رسول الله ص فأرسل خالد بن سعيد بن العاص في سرية و خالد بن الوليد بعده في سرية ثانية و علي بن أبي طالب ع في سرية ثالثة و كتب إليهم كل واحد منكم أمير من معه فإذا اجتمعتم فعلي أمير على الكل فاجتمعوا بموضع من أرض اليمن يقال له كسر فاقتتلوا هناك و صمد عمرو بن معديكرب لعلي ع و كان يظن أن لا يثبت له أحد من شجعان العرب فثبت له فعلا عليه و عاين منه ما لم يكن يحتسبه ففر من بين يديه هاربا ناجيا بحشاشة نفسه بعد أن كاد يقتله و فر معه رؤساء مذحج و فرسانهم و غنم المسلمون أموالهم و سبيت ذلك اليوم ريحانة بنت معديكرب أخت عمرو فأدى خالد بن سعيد بن العاص فداءها من ماله فأصابه عمرو أخوها الصمصامة فلم يزل ينتقل في بني أمية و يتداولونه واحدا بعد واحد حتى صار إلى بني العباس في أيام المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر