ذكر الأحاديث الواردة في فضل عمر

فأما الحديث الوارد في فضل عمر فمنه ما هو مذكور في الصحاح و منه ما هو غير مذكور فيها فمما ذكر في المسانيد الصحيحة من ذلك

ما روت عائشة أن رسول الله ص قال كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر أخرجاه في الصحيحين و

روى سعد بن أبي وقاص قال استأذن عمر على رسول الله ص و عنده نساء من قريش يكلمنه عالية أصواتهن فلما استأذن قمن يبتدرن الحجاب فدخل و رسول الله ص يضحك قال أضحك الله سنك يا رسول الله قال عجبت من هؤلاء اللواتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب فقال عمر أنت

[ 178 ]

أحق أن يهبن ثم قال أي عدوات أنفسهن أ تهبنني و لا تهبن رسول الله ص قلن نعم أنت أغلظ و أفظ فقال رسول الله ص و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك أخرجاه في الصحيحين و قد روي في فضله من غير الصحاح أحاديث

منها إن السكينة لتنطق على لسان عمر و

منها إن الله تعالى ضرب بالحق على لسان عمر و قلبه و

منها إن بين عيني عمر ملكا يسدده و يوفقه و

منها لو لم أبعث فيكم لبعث عمر و

منها لو كان بعدي نبي لكان عمر و

منها لو نزل إلى الأرض عذاب لما نجا منه إلا عمر و

منها ما أبطأ عني جبريل إلا ظننت أنه بعث إلى عمر و

منها سراج أهل الجنة عمر و

منها إن شاعرا أنشد النبي ص شعرا فدخل عمر فأشار النبي ص إلى الشاعر أن اسكت فلما خرج عمر قال له عد فعاد فدخل عمر فأشار النبي ص بالسكوت مرة ثانية فلما خرج عمر سأل الشاعر رسول الله ص عن الرجل فقال هذا عمر بن الخطاب و هو رجل لا يحب الباطل و

منها إن النبي ص قال وزنت بأمتي فرجحت و وزن أبو بكر بها فرجح و وزن عمر بها فرجح ثم رجح ثم رجح .

[ 179 ]

و قد رووا في فضله حديثا كثيرا غير هذا و لكنا ذكرنا الأشهر و قد طعن أعداؤه و مبغضوه في هذه الأحاديث فقالوا لو كان محدثا و ملهما لما اختار معاوية الفاسق لولاية الشام و لكن الله تعالى قد ألهمه و حدثه بما يواقع من القبائح و المنكرات و البغي و التغلب على الخلافة و الاستئثار بمال الفي‏ء و غير ذلك من المعاصي الظاهرة قالوا و كيف لا يزال الشيطان يسلك فجا غير فجه و قد فر مرارا من الزحف في أحد و حنين و خيبر و الفرار من الزحف من عمل الشيطان و إحدى الكبائر الموبقة . قالوا و كيف يدعى له أن السكينة تنطق على لسانه أ ترى كانت السكينة تلاحي رسول الله ص يوم الحديبية حتى أغضبه . قالوا و لو كان ينطق على لسانه ملك أو بين عينيه ملك يسدده و يوفقه أو ضرب الله بالحق على لسانه و قلبه لكان نظيرا لرسول الله ص بل كان أفضل منه لأنه ص كان يؤدي الرسالة إلى الأمة عن ملك من الملائكة و عمر قد كان ينطق على لسانه ملك و زيد ملكا آخر بين عينيه يسدده و يوفقه فهذا الملك الثاني مما قد فضل به على رسول الله ص و قد كان حكم في أشياء فيخطئ فيها حتى يفهمه إياها علي بن أبي طالب و معاذ بن جبل و غيرهما حتى قال لو لا علي لهلك عمر و لو لا معاذ لهلك عمر و كان يشكل عليه الحكم فيقول لابن عباس غص يا غواص فيفرج عنه فأين كان الملك الثاني المسدد له و أين الحق الذي ضرب به على لسان عمر و معلوم أن رسول الله ص كان ينتظر في الوقائع نزول الوحي و عمر على مقتضى هذه الأخبار لا حاجة به إلى نزول ملك عليه لأن الملكين معه في كل وقت و كل حال ملك ينطق على لسانه و ملك آخر بين عينيه يسدده و يوفقه و قد عززا بثالث و هي السكينة فهو إذا أفضل من رسول الله ص .

[ 180 ]

و قالوا و الحديث الذي مضمونه لو لم أبعث فيكم لبعث عمر فيلزم أن يكون رسول الله ص عذابا على عمر و أذى شديدا له لأنه لو لم يبعث لبعث عمر نبيا و رسولا و لم تعلم رتبة أجل من رتبة الرسالة فالمزيل لعمر عن هذه الرتبة التي ليس وراءها رتبة ينبغي ألا يكون في الأرض أحد أبغض إليه منه . قالوا و أما كونه سراج أهل الجنة فيقتضي أنه لو لم يكن تجلى عمر لكانت الجنة مظلمة لا سراج لها . قالوا و كيف يجوز أن يقال لو نزل العذاب لم ينج منه إلا عمر و الله تعالى يقول وَ ما كانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ . قالوا و كيف يجوز أن يقال إن النبي ص كان يسمع الباطل و يحبه و يشهده و عمر لا يسمع الباطل و لا يشهده و لا يحبه أ ليس هذا تنزيها لعمر عما لم ينزه عنه رسول الله ص . قالوا و من العجب أن يكون النبي ص أرجح من الأمة يسيرا و كذلك أبو بكر و يكون عمر أرجح منهما كثيرا فإن هذا يقتضي أن يكون فضله أبين و أظهر من فضل أبي بكر و من فضل رسول الله ص . و الجواب أنه ليس يجب فيمن كان محدثا ملهما أن يكون محدثا ملهما في كل شي‏ء بل الاعتبار بأكثر أفعاله و ظنونه و آرائه و لقد كان عمر كثير التوفيق مصيب الرأي في جمهور أمره و من تأمل سيرته علم صحة ذلك و لا يقدح في ذلك أن يختلف ظنه في القليل من الأمور . و أما الفرار من الزحف فإنه لم يفر إلا متحيزا إلى فئة و قد استثنى الله تعالى ذلك فخرج به عن الإثم .

[ 181 ]

و أما باقي الأخبار فالمراد بالملك فيها الأخبار عن صحة ظنه و صدق فراسته و هو كلام يجري مجرى المثل فلا يقدح فيه ما ذكروه . و أما قوله ص لو نزل إلى الأرض عذاب لما نجا منه إلا عمر فهو كلام قاله عقيب أخذ الفدية من أسارى بدر فإن عمر لم يشر عليه و نهاه عنه فأنزل الله تعالى لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ و إذا كان القرآن قد نطق بذلك و شهد لم يلتفت إلى طعن من طعن في الخبر . و أما قوله ع سراج أهل الجنة عمر فمعناه سراج القوم الذين يستحقون الجنة من أهل الدنيا أيام كونهم في الدنيا مع عمر أي يستضيئون بعلمه كما يستضاء بالسراج . و أما حديث منع الشاعر فإن رسول الله ص خاف أن يذكر في شعره ما يقتضي الإنكار فيعنف به عمر و كان شديد الغلظة فأراد النبي ص أن ينكر هو على الشاعر أن قال في شعره ما يقتضي ذلك على وجه اللطف و الرفق و كان ع رءوفا رحيما كما قال الله تعالى . و أما حديث الرجحان فالمراد به الفتوح و ملك البلاد و تأويله أنه ع أري في منامه ما يدل على أنه يفتح الله عليه بلادا و على أبي بكر مثله و يفتح على عمر أضعاف ذلك و هكذا وقع . و اعلم أن من تصدى للعيب وجده و من قصر همته على الطعن على الناس انفتحت

[ 182 ]

له أبواب كثيرة و السعيد من أنصف من نفسه و رفض الهوى و تزود التقوى و بالله التوفيق