الطعن الأول

قال قاضى القضاة أول ما طعن به عليه قول من قال إنه بلغ من قلة علمه أنه لم يعلم أن الموت يجوز على النبي ص و أنه أسوة الأنبياء في ذلك حتى قال و الله ما مات محمد و لا يموت حتى تقطع أيدي رجال و أرجلهم فلما تلا عليه أبو بكر قوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و قوله وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ الآية قال أيقنت بوفاته و كأني لم أسمع هذه الآية فلو كان يحفظ القرآن أو يفكر فيه لما قال ذلك و هذا يدل على بعده من حفظ القرآن و تلاوته و من هذا حاله لا يجوز أن يكون إماما . قال قاضى القضاة و هذا لا يصح لأنه قد روي عنه أنه قال كيف يموت و قد قال الله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ و قال وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً و لذلك نفى موته ع لأنه حمل الآية على أنها خبر عنه في حال حياته

[ 196 ]

حتى قال له أبو بكر إن الله وعده بذلك و سيفعله و تلا عليه ما تلا فأيقن عند ذلك بموته و إنما ظن أن موته يتأخر عن ذلك الوقت لا أنه منع من موته . ثم سأل قاضى القضاة نفسه فقال فإن قيل فلم قال لأبي بكر عند قراءة الآية كأني لم أسمعها و وصف نفسه بأنه أيقن بالوفاة . و أجاب بأن قال لما كان الوجه في ظنه ما أزال أبو بكر الشبهة فيه جاز أن يتيقن ثم سأل نفسه عن سبب يقينه فيما لا يعلم إلا بالمشاهدة . و أجاب بأن قرينة الحال عند سماع الخبر أفادته اليقين و لو لم يكن في ذلك إلا خبر أبي بكر و ادعاؤه لذلك و الناس مجتمعون لحصل اليقين . و قوله كأني لم أقرأ هذه الآية أو لم أسمعها تنبيه على ذهوله عن الاستدلال بها لا أنه على الحقيقة لم يقرأها و لم يسمعها و لا يجب فيمن ذهب عن بعض أحكام الكتاب ألا يعرف القرآن لأن ذلك لو دل لوجب ألا يحفظ القرآن إلا من يعرف جميع أحكامه ثم ذكر أن حفظ القرآن كله غير واجب و لا يقدح الإخلال به في الفضل . و حكي عن الشيخ أبي علي أن أمير المؤمنين ع لم يحط علمه بجميع الأحكام و لم يمنع ذلك من فضله و استدل بما روي من قوله كنت إذا سمعت من رسول الله ص حديثا نفعني الله به ما شاء أن ينفعني و إذا حدثني غيره أحلفته فإن حلف لي صدقته و حدثني أبو بكر و صدق أبو بكر و ذكر أنه لم يعرف أي موضع يدفن فيه رسول الله ص حتى رجع إلى ما رواه أبو بكر و ذكر قصة الزبير في موالي صفية و أن أمير المؤمنين ع أراد أن يأخذ ميراثهم كما أن عليه أن يحمل عقلهم حتى أخبره عمر بخلاف ذلك من أن الميراث للأب و العقل على العصبة .

[ 197 ]

ثم سأل نفسه فقال كيف يجوز ما ذكرتم على أمير المؤمنين ع مع قوله سلوني قبل أن تفقدوني و قوله إن هاهنا علما جما يومئ إلى قلبه و قوله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل القرآن بقرآنهم و قوله كنت إذا سئلت أجبت و إذا سكت ابتدئت . و أجاب عن ذلك بأن هذا إنما يدل على عظم المحل في العلم من غير أن يدل على الإحاطة بالجميع . و حكي عن أبي علي استبعاده ما روي من قوله لو ثنيت الوسادة قال لأنه لا يجوز أن يصف نفسه بأنه يحكم بما لا يجوز و معلوم أنه ع لا يحكم بين الجميع إلا بالقرآن ثنيت له الوسادة أو لم تثن و هذا يدل على أن الخبر موضوع . فاعترض الشريف المرتضى فقال ليس يخلو خلاف عمر في وفاة رسول الله ص من أن يكون على سبيل الإنكار لموته على كل حال و الاعتقاد بأن الموت لا يجوز عليه على كل وجه أو يكون منكرا لموته في تلك الحال من حيث لم يظهر دينه على الدين كله و ما أشبه ذلك مما قال صاحب الكتاب أنها كانت شبهة في تأخر موته عن تلك الحال . فإن كان الوجه الأول فهو مما لا يجوز خلاف العقلاء في مثله و العلم بجواز الموت على سائر البشر لا يشك فيه عاقل و العلم من دينه ع بأنه سيموت كما مات من قبله ضروري و ليس يحتاج في مثل هذا إلى الآيات التي تلاها أبو بكر من قوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و ما أشبهها و إن كان خلافه على الوجه الثاني تأول ما فيه أن هذا الخلاف لا يليق بما احتج به أبو بكر من قوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ لأنه لم ينكر على هذا جواز الموت و إنما خالف في تقدمه و قد كان يجب أن يقول له و أي حجة في هذه الآيات على

[ 198 ]

من جوز عليه ص الموت في المستقبل و أنكره في هذه الحال و بعد فكيف دخلت الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق و من أين زعم أنه لا يموت حتى يقطع أيدي رجال و أرجلهم و كيف حمل معنى قوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ و قوله وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً على أن ذلك لا يكون في المستقبل بعد الوفاة و كيف لم يخطر هذا إلا لعمر وحده و معلوم أن ضعف الشبهة إنما يكون من ضعف الفكرة و قلة التأمل و البصيرة و كيف لم يوقن بموته لما رأى ما عليه أهل الإسلام من اعتقاد موته و ما ركبهم من الحزن و الكآبة لفقده و هلا دفع بهذا اليقين ذلك التأويل البعيد فلم يحتج إلى موقف و معرف و قد كان يجب إن كانت هذه شبهة أن يقول في حال مرض رسول الله ص و قد رأى جزع أهله و أصحابه و خوفهم عليه من الوفاة حتى يقول أسامة بن زيد معتذرا من تباطئه عن الخروج في الجيش الذي كان رسول الله ص يكرر و يردد الأمر حينئذ بتنفيذه لم أكن لأسأل عنك الركب ما هذا الجزع و الهلع و قد أمنكم الله من موته بكذا في وجه كذا و ليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها على ما ظنه صاحب الكتاب . قلت الذي قرأناه و رويناه من كتب التواريخ يدل على أن عمر أنكر موت رسول الله ص من الوجهين المذكورين أنكر أولا أن يموت إلى يوم القيامة و اعتقد عمر أنه يعمر كما يعتقد كثير من الناس في الخضر فلما حاجه أبو بكر بقوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و بقوله أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ رجع عن ذلك الاعتقاد . و ليس يرد على هذا ما اعترض به المرتضى لأن عمر ما كان يعتقد استحالة الموت عليه كاستحالة الموت على البارئ تعالى أعني الاستحالة الذاتية بل اعتقد استمرار حياته إلى يوم

[ 199 ]

القيامة مع كون الموت جائزا في العقل عليه و لا تناقض في ذلك فإن إبليس يبقى حيا إلى يوم القيامة مع كون موته جائزا في العقل و ما أورده أبو بكر عليه لازم على أن يكون نفيه للموت على هذا أوجه . و أما الوجه الثاني فهو أنه لما دفعه أبو بكر عن ذلك الاعتقاد وقف مع شبهة أخرى اقتضت عنده أن موته يتأخر و إن لم يكن إلى يوم القيامة و ذلك أنه تأول قوله تعالى هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ فجعل الضمير عائدا على الرسول لا على الدين و قال إن رسول الله ص لم يظهر بعد على سائر الأديان فوجب أن تستمر حياته إلى أن يظهر على الأديان بمقتضى الوعد الذي لا يجوز عليه الخلف و الكذب فحاجه أبو بكر من هذا المقام فقال له إنما أراد ليظهر دينه و سيظهره فيما بعد و لم يقل ليظهره الآن فمن ثم قال له و لو أراد ليظهر الرسول ص على الدين كله لكان الجواب واحدا لأنه إذا ظهر دينه فقد أظهره هو . فأما قول المرتضى رحمه الله و كيف دخلت هذه الشبهة على عمر من بين الخلق فهكذا تكون الخراطر و الشبه و الاعتقادات تسبق إلى ذهن واحد دون غيره و كيف دخلت الشبهة على جماعة منعوا الزكاة و احتجوا بقوله تعالى وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ دون غيرهم من قبائل العرب و كيف دخلت الشبهة على أصحاب الجمل و صفين دون غيرهم و كيف دخلت الشبهة على خوارج النهروان دون غيرهم و هذا باب واسع فأما قوله و من أين زعم أنه لا يموت حتى تقطع أيدي رجال و أرجلهم فإن الذي

[ 200 ]

ذكره المؤرخون أنه قال ما مات رسول الله ص و إنما غاب عنا كما غاب موسى عن قومه و سيعود فتقطع أيدي رجال و أرجلهم ممن أرجف بموته و هذه الرواية تخالف ما ذكره المرتضى . فأما قوله و كيف حمل معنى قوله لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ و قوله وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً على أن ذلك لا يكون في المستقبل فقد بينا الشبهة الداخلة عليه في ذلك و كونه ظن أن ذلك يكون معجلا على الفور و كذلك قوله وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً فإنه ظن أن هذا العموم يدخل فيه رسول الله ص لأنه سيد المؤمنين و سيد الصالحين أو أنه لفظ عام و المراد به رسول الله وحده كما ورد في كثير من آيات القرآن مثل ذلك فظن أن هذا الاستخلاف في جميع الأرض و تبديل الخوف بالأمن إنما هو على الفور لا على التراخي و ليست هذه الشبهة بضعيفة جدا كما ظن المرتضى بل هي موضع نظر . فأما قوله كيف لم يؤمن بموته لما رأى من كآبة الناس و حزنهم فلأن الناس يبنون الأمر على الظاهر و عمر نظر في أمر باطن دقيق فاعتقد أن الرسول لم يمت و إنما ألقي شبهه على غيره كما ألقي شبه عيسى على غيره فصلب و عيسى قد رفع و لم يصلب و اعلم أن أول من سن لأهل الغيبة من الشيعة القول بأن الإمام لم يمت و لم يقتل و إن كان في الظاهر و في مرأى العين قد قتل أو مات إنما هو عمر و لقد كان يجب على المرتضى و طائفته أن يشكروه على ما أسس لهم من هذا الاعتقاد .

[ 201 ]

فأما قوله فهلا قال في مرض رسول الله ص لما رأى جزعهم لموته قد أمنكم الله من موته فغير لازم لأن الشبهة لا تجب أن تخطر بالبال في كل الأوقات فلعله قد كان في ذلك الوقت غافلا عنها مشغول الذهن بغيرها و لو صح للمرتضى هذا لوجب أن يدفع و يبطل كل ما يتجدد و يطرأ على الناس من الشبهة في المذاهب و الآراء فنقول كيف طرأت عليهم هذه الشبهات الآن و لم تطرأ عليهم من قبل و هذا من اعتراضات المرتضى الضعيفة على أنا قد ذكرنا نحن في الجزء الأول من هذا الكتاب ما قصده عمر بقوله إن رسول الله لم يمت و قلنا فيه قولا شافيا لم نسبق إليه فليعاود ثم قال المرتضى فأما ما روي عن أمير المؤمنين ع من خبر الاستحلاف في الأخبار فلا يدل على عدم علم أمير المؤمنين بالحكم لأنه يجوز أن يكون استحلافه ليرهب المخبر و يخوفه من الكذب على النبي ص لأن العلم بصحة الحكم الذي يتضمنه الخبر لا يقتضي صدق المخبر و أيضا فلا تاريخ لهذا الحديث و يمكن أن يكون استحلافه ع للرواة إنما كان في حياة رسول الله ص و في تلك الحال لم يكن محيطا بجميع الأحكام . فأما حديث الدفن و إدخاله في باب أحكام الدين التي يجب معرفتها فطريف و قد يجوز أن يكون أمير المؤمنين ع سمع من النبي ص في باب الدفن مثل ما سمعه أبو بكر و كان عازما على العمل به حتى روى أبو بكر ما رواه فعمل بما كان يعلمه لا من طريق أبي بكر و ظن الناس أن العمل لأجله و يجوز أن يكون رسول الله ص خير وصيه ع في موضع دفنه و لم يعين له موضعا بعينه فلما روى أبو بكر ما رواه رأى موافقته فليس في هذا دلالة على أنه ع استفاد حكما لم يكن عنده .

[ 202 ]

و أما موالي صفية فحكم الله فيهم ما أفتى به أمير المؤمنين ع و ليس سكوته حيث سكت عند عمر رجوعا عما أفتى به و لكنه كسكوته عن كثير من الحق تقية و مداراة للقوم . و أما قوله ع سلوني قبل أن تفقدوني و قوله إن هاهنا لعلما جما إلى غير ذلك فإنه لا يدل على عظم المحل في العلم فقط على ما ظنه صاحب الكتاب بل هو قول واثق بنفسه آمن من أن يسأل عما لا يعلمه و كيف يجوز أن يقول مثله على رءوس الأشهاد و ظهور المنابر سلوني قبل أن تفقدوني و هو يعلم أن كثيرا من أحكام الدين يعزب عنه و أين كان أعداؤه و المنتهزون لفرصته و زلته عن سؤاله عن مشكل المسائل و غوامض الأحكام و الأمر في هذا ظاهر . فأما استبعاد أبي علي لما روي عنه ع من قوله لو ثنيت لي الوسادة للوجه الذي ظنه فهو البعيد فإنه لم يفطن لغرضه ع و إنما أراد أني كنت أقاضيهم إلى كتبهم الدالة على البشارة بنبينا ص و صحة شرعه فأكون حاكما حينئذ عليهم بما تقتضيه كتبهم من هذه الشريعة و أحكام هذا القرآن و هذا من جليل الأغراض و عظيمها