الطعن الثاني

أنه أمر برجم حامل حتى نبهه معاذ و قال إن يكن لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها فرجع عن حكمه و قال لو لا معاذ لهلك عمر و من يجهل هذا القدر لا يجوز أن يكون إماما لأنه يجري مجرى أصول الشرع بل العقل يدل عليه لأن الرجم عقوبة و لا يجوز أن يعاقب من لا يستحق .

[ 203 ]

اعتذر قاضي القضاة عن هذا فقال إنه ليس في الخبر أنه أمر برجمها مع علمه بأنها حامل لأنه ليس ممن يخفى عليه هذا القدر و هو أن الحامل لا ترجم حتى تضع و إنما ثبت عنده زناها فأمر برجمها على الظاهر و إنما قال ما قال في معاذ لأنه نبهه على أنها حامل . ثم سأل نفسه فقال فإن قيل إذا لم تكن منه معصية فكيف يهلك لو لا معاذ و أجاب بأنه لم يرد لهلك من جهة العذاب و إنما أراد أنه كان يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل و يجوز أن يريد بذلك تقصيره في تعرف حالها لأن ذلك لا يمتنع أن يكون بخطيئة و إن صغرت . اعترض المرتضى على هذا الاعتذار فقال لو كان الأمر على ما ظننته لم يكن تنبيه معاذ له على هذا الوجه بل كان يجب أن ينبهه بأن يقول له هي حامل و لا يقول له إن كان لك سبيل عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها لأن هذا قول من عنده أنه أمر برجمها مع العلم بحملها و أقل ما يجب لو كان الأمر كما ظنه صاحب الكتاب أن يقول لمعاذ ما ذهب علي أن الحامل لا ترجم و إنما أمرت برجمها لفقد علمي بحملها فكان ينفي بهذا القول عن نفسه الشبهة و في إمساكه عنه مع شدة الحاجة إليه دليل على صحة قولنا و قد كان يجب أيضا أن يسأل عن الحمل لأنه أحد الموانع من الرجم فإذا علم انتفاءه و ارتفاعه أمر بالرجم و صاحب الكتاب قد اعترف بأن ترك المسألة عن ذلك تقصير و خطيئة و ادعى أنها صغيرة و من أين له ذلك و لا دليل يدل عنده في غير الأنبياء ع أن معصية بعينها صغيرة . فأما إقراره بالهلاك لو لا تنبيه معاذ فإنه يقتضي التعظيم و التفخيم لشأن الفعل و لا يليق ذلك إلا بالتقصير الواقع إما في الأمر برجمها مع العلم بأنها حامل أو ترك البحث عن ذلك

[ 204 ]

و المسألة عنه و أي لوم عليه في أن يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل إذا لم يكن ذلك عن تفريط منه و لا تقصير . قلت أما ظاهر لفظ معاذ فيشعر بما قاله المرتضى و لم يمتنع أن يكون عمر لم يعلم أنها حامل و أن معاذا قد كان من الأدب أن يقول له حامل يا أمير المؤمنين فعدل عن هذا اللفظ بمقتضى أخلاق العرب و خشونتهم فقال له إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها فنبهه على العلة و الحكم معا و كان الأدب أن ينبهه على العلة فقط . و أما عدول عمر عن أن يقول أنا أعلم أن الحامل لا ترجم و إنما أمرت برجمها لأني لم أعلم أنها حامل فلأنه إنما يجب أن يقول مثل هذا من يخاف من اضطراب حاله أو نقصان ناموسه و قاعدته أن لم يقله و عمر كان أثبت قدما في ولايته و أشد تمكنا من أن يحتاج إلى الاعتذار بمثل هذا . و أما قول المرتضى كان يجب أن يسأل عن الحمل لأنه أحد الموانع من الرجم فكلام صحيح لازم و لا ريب إن ترك السؤال عن ذلك نوع من الخطإ و لكن المرتضى قد ظلم قاضي القضاة لأنه زعم أنه ادعى أن ذلك صغيرة ثم أنكر عليه ذلك و من أين له ذلك و أي دليل دل على أن هذه المعصية صغيرة و قاضي القضاة ما ادعى أن ذلك صغيرة بل قال لا يمتنع أن يكون ذلك خطيئة و إن صغرت و العجب أنه حكى لفظ قاضي القضاة بهذه الصورة ثم قال إنه ادعى أنها صغيرة و بين قول القائل لا يمتنع أن يكون صغيرة و قوله هي صغيرة لا محالة فرق عظيم . و أما قول عمر لو لا معاذ لهلك عمر فإن ظاهر اللفظ يشعر بما يريده المرتضى و ينحو إليه و لا يمتنع أن يكون المقصود به ما ذكره قاضي القضاة و إن كان مرجوحا فإن القائل خطأ

[ 205 ]

قد يقول هلكت ليس يعني به العقاب يوم القيامة بل لوم الناس و تعنيفهم إياه على ترك الاحتراس و إهمال التثبت