الطعن الثالث

خبر المجنونة التي أمر برجمها فنبهه أمير المؤمنين ع و

قال إن القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق فقال لو لا علي لهلك عمر و هذا يدل على أنه لم يكن يعرف الظاهر من الشريعة . أجاب قاضي القضاة فقال ليس في الخبر أنه عرف جنونها فيجوز أن يكون الذي نبه عليه هو جنونها دون الحكم لأنه كان يعلم أن الحد لا يقام في حال الجنون و إنما قال لو لا علي لهلك عمر لا من جهة المعصية و الإثم لكن لأن حكمه لو نفذ لعظم غمه و يقال في شدة الغم إنه هلاك كما يقال في الفقر و غيره و ذلك مبالغة منه لما كان يلحقه من الغم الذي زال بهذا التنبيه على أن هذا الوجه مما لا يمتنع في الشرع أن يكون صحيحا و أن يقال إذا كانت مستحقة للحد فإقامته عليها تصح و إن لم يكن لها عقل لأنه لا يخرج الحد من أن يكون واقعا موقعه و يكون قوله ع رفع القلم عن ثلاث يراد به زوال التكليف عنهم دون زوال إجراء الحكم عليهم و من هذه حاله لا يمتنع أن يكون مشتبها فرجع فيه إلى غيره و لا يكون الخطأ فيه مما يعظم فيمنع من صحة الإمامة . اعترض الشريف المرتضى هذا فقال لو كان أمر برجم المجنونة من غير علم بجنونها لما قال له أمير المؤمنين أ ما علمت أن القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق بل كان يقول له بدلا من ذلك هي مجنونة و كان ينبغي أن يقول عمر متبرئا من الشبهة ما علمت بجنونها و لست ممن يذهب عليه أن المجنون لا يرجم فلما رأيناه استعظم ما أمر به و قال لو لا

[ 206 ]

علي لهلك عمر دلنا على أنه كان تأثم و تحرج بوقوع الأمر بالرجم و أنه مما لا يجوز و لا يحل و إلا فلا معنى لهذا الكلام و أما ذكر الغم فأي غم كان يلحقه إذا فعل ما له أن يفعله و لم يكن منه تفريط و لا تقصير لأنه إذا كان جنونها لم يعلم به فكانت المسألة عن حالها و البحث لا يجبان عليه فأي وجه لتألمه و توجعه و استعظامه لما فعله و هل هذا إلا كرجم المشهود عليه بالزناء في أنه لو ظهر للإمام بعد ذلك براءة ساحته لم يجب أن يندم على فعله و يستعظمه لأنه وقع صوابا مستحقا . و أما قوله إنه كان لا يمتنع في الشرع أن يقام الحد على المجنون و تأوله الخبر المروي على أنه يقتضي زوال التكليف دون الأحكام فإن أراد أنه لا يمتنع في العقل أن يقام على المجنون ما هو من جنس الحد بغير استخفاف و لا إهانة فذلك صحيح كما يقام على التائب و أما الحد في الحقيقة و هو الذي تضمنه الاستخفاف و الإهانة فلا يجوز إلا على المكلفين و مستحقي العقاب و بالجنون قد أزيل التكليف فزال استحقاق العقاب الذي تبعه الحد . و قوله لا يمتنع أن يرجع فيما هذه حاله من المشتبه إلى غيره فليس هذا من المشتبه الغامض بل يجب أن يعرفه العوام فضلا عن العلماء على أنا قد بينا أنه لا يجوز أن يرجع الإمام في جلي و لا مشتبه من أحكام الدين إلى غيره . و قوله إن الخطأ في ذلك لا يعظم فيمنع من صحة الإمامة اقتراح بغير حجة لأنه إذا اعترف بالخطإ فلا سبيل للقطع على أنه صغير . قلت لو كان قد نقل أن أمير المؤمنين قال له أ ما علمت لكان قول المرتضى قويا ظاهرا إلا أنه لم ينقل هذه الصيغة بعينها و المعروف المنقول أنه قال له قال رسول الله ص رفع القلم عن ثلاث فرجع عن رجمها و يجوز أن يكون أشعره بالعلة

[ 207 ]

و الحكم معا لأن هذا الموضع أكثر اشتباها من حديث رجم الحامل فغلب على ظن أمير المؤمنين أنه لو اقتصر على قوله أنها مجنونة لم يكن ذلك دافعا لرجمها فأكده برواية الحديث و اعتذار قاضي القضاة بالغم جيد و قول المرتضى أي غم كان يلحقه إذا فعل ما له أن يفعله ليس بإنصاف و لا مثل هذا يقال فيه أنه فعل ما له أن يفعله و لا يقال في العرف لمن قتل إنسانا خطأ أنه فعل ما له أن يفعله و المرجوم في الزناء إذا ظهر للإمام بعد قتله براءة ساحته قد يغتم بقتله غما كثيرا بالطبع البشرى و يتألم و إن لم يكن آثما و ليس من توابع الإثم و لوازمه . و قول المرتضى لم يجب أن يندم على ما فعله كلام خارج عما هو بصدده لأنه لم يجر ذكر للندم و إنما الكلام في الغم و لا يلزم أن يكون كل مغتم نادما . و أما اعتراضه على قاضي القضاة في قوله لا يمتنع في الشرع أن ترجم المجنونة فلما اشتبه على عمر الأمر سأل غيره عنه بقوله إن أردت الحد الحقيقي فمعلوم و إن أردت ما هو جنس الحد فمسلم فليس بجيد لأن هذا إنما يكون طعنا على عمر بتقدير ثلاثة أمور أحدها أن يكون

النبي ص قد قال أقيموا الحد على الزاني بهذا اللفظ أعني أن يكون في لفظ النص ذكر الحد و ثانيها أن يكون الحد في اللغة العربية أو في عرف الشرع الذي يتفاهمه الصحابة هو العقوبة المخصوصة التي يقارنها الاستخفاف و الإهانة و ثالثها ألا يصح إهانة المجنون و الاستخفاف به و أن يعلم عمر ذلك فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة ثم أمر عمر بأن يقام الحد على المجنونة فقد توجه الطعن و معلوم أنه لم تجتمع هذه الأمور الثلاثة فإنه ليس في القرآن و لا في السنة ذكر الحد بهذا اللفظ و لا الحد في اللغة العربية هو العقوبة التي يقارنها الاستخفاف و الإهانة و لا عرف الشرع و مواضعه الصحابة يشتمل على ذلك و إنما هذا شي‏ء استنبطه المتكلمون المتأخرون بأذهانهم و أفكارهم ثم بتقدير تسليم هذين المقامين لم قال إن المجنون

[ 208 ]

لا يصح عليه الاستخفاف و الإهانة فمن الجائز أن يصح ذلك عليه و إن لم يتألم بالاستخفاف و الإهانة كما يتألم بالعقوبة و إذا صح عليه أن يألم بالعقوبة صح عليه أن يألم بالاستخفاف و الإهانة لأن الجنون لا يبلغ و إن عظم مبلغا يبطل تصور الإنسان لإهانته و لاستخفافه و بتقدير ألا يصح على المجنون الاستخفاف و الإهانة من أين لنا أن عمر علم أن ذلك لا يصح عليه فمن الممكن أن يكون ظن أن ذلك يصح عليه لأن هذا مقام اشتباه و التباس . فأما قوله قد بينا أنه لا يجوز أن يرجع الإمام أصلا إلى غيره فهو مبني على مذهبهم و قواعدهم و قوله معترضا على كلام قاضي القضاة أن الخطأ في ذلك قد لا يعظم ليمنع من صحة الإمامة أن هذا اقتراح بغير حجة لأنه إذا اعترف بالخطإ فلا سبيل إلى القطع على أنه صغير غير لازم لأن قاضي القضاة لم يقطع بأنه صغير بل قال لا يمتنع و إذا جاز أن يكون صغيرا لم نكن قاطعين على فساد الإمامة به . فإن قال المرتضى كما أنكم لا تقطعون على أنه صغير فتكون الإمامة مشكوكا فيها قيل له الأصل عدم الكبير فإذا حصل الشك في أمر هل هو صغير أم كبير تساقط التعارض و رجعنا إلى الأصل و هو عدم كون ذلك الخطإ كبيرا فلا يمنع ذلك من صحة الإمامة