الطعن الخامس

أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز حتى أنه كان يعطي عائشة و حفصة عشرة آلاف درهم في كل سنة و منع أهل البيت خمسهم الذي يجري مجرى الواصل إليهم من قبل رسول الله ص و أنه كان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال على سبيل القرض . أجاب قاضي القضاة بأن دفعه إلى الأزواج جائز من حيث إن لهن حقا في بيت

[ 211 ]

المال و للإمام أن يدفع ذلك على قدر ما يراه و هذا الفعل قد فعله من قبله و من بعده و لو كان منكرا لما استمر عليه أمير المؤمنين ع و قد ثبت استمراره عليه و لو كان ذلك طعنا لوجب إذا كان يدفع إلى الحسن و الحسين و إلى عبد الله بن جعفر و غيرهم من بيت المال شيئا أن يكون في حكم الخائن و كل ذلك يبطل ما قالوه لأن بيت المال إنما يراد لوضع الأموال في حقوقها ثم الاجتهاد و إلى المتولي للأمر في الكثرة و القلة . فأما أمر الخمس فمن باب الاجتهاد و قد اختلف الناس فيه فمنهم من جعله حقا لذوي القربى و سهما مفردا لهم على ما يقتضيه ظاهر الآية و منهم من جعله حقا لهم من جهة الفقر و أجراهم مجرى غيرهم و إن كانوا قد خصوا بالذكر كما أجرى الأيتام و إن خصوا بالذكر مجرى غيرهم في أنهم يستحقون بالفقر و الكلام في ذلك يطول فلم يخرج عمر بما حكم به عن طريقة الاجتهاد و من قدح في ذلك فإنما يقدح في الاجتهاد الذي هو طريقة الصحابة . فأما اقتراضه من بيت المال فإن صح فهو غير محظور بل ربما كان أحوط إذا كان على ثقة من رده بمعرفة الوجه الذي يمكنه منه الرد و قد ذكر الفقهاء ذلك و قال أكثرهم أن الاحتياط في مال الأيتام و غيرهم أن يجعل في ذمة الغني المأمون لبعده عن الخطر و لا فرق بين أن يقرض الغير أو يقترضه لنفسه و من بلغ في أمره أن يطعن على عمر بمثل هذه الأخبار مع ما يعلم من سريرته و تشدده في ذات الله و احتياطه فيما يتصل بملك الله و تنزهه عنه حتى فعل بالصبي الذي أكل من تمر الصدقة واحدة ما فعل و حتى كان يرفع نفسه عن الأمر الحقير و يتشدد على كل أحد حتى على ولده فقد أبعد في القول . اعترض المرتضى فقال أما تفصيل الأزواج فإنه لا يجوز لأنه لا سبب فيهن

[ 212 ]

يقتضي ذلك و إنما يفضل الإمام في العطاء ذوي الأسباب المقتضية لذلك مثل الجهاد و غيره من الأمور العام نفعها للمسلمين . و قوله إن لهن حقا في بيت المال صحيح إلا أنه لا يقتضي تفضيلهن على غيرهن و ما عيب بدفع حقهن إليهن و إنما عيب بالزيادة عليه و ما يعلم أن أمير المؤمنين ع استمر على ذلك و إن كان صحيحا كما ادعى فالسبب الداعي إلى الاستمرار عليه هو السبب الداعي إلى الاستمرار على جميع الأحكام فأما تعلقه بدفع أمير المؤمنين إلى الحسن و الحسين و غيرهما شيئا من بيت المال فعجب لأنه لم يفضل هؤلاء في العطية فيشبه ما ذكرناه في الأزواج و إنما أعطاهم حقوقهم و سوى بينهم و بين غيرهم . فأما الخمس فهو للرسول و لأقربائه على ما نطق به القرآن و إنما عنى تعالى بقوله وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ وَ اَلْيَتامى‏ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ من كان من آل الرسول خاصة لأدلة كثيرة لا حاجة بنا إلى ذكرها هاهنا و

قد روى سليم بن قيس الهلالي قال سمعت أمير المؤمنين ع يقول نحن و الله الذين عنى الله بذي القربى قرنهم الله بنفسه و نبيه ص فقال ما أَفاءَ اَللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ وَ اَلْيَتامى‏ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ كل هؤلاء منا خاصة و لم يجعل لنا سهما في الصدقة أكرم الله تعالى نبيه و أكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس و روى يزيد بن هرم قال كتب نجده إلى ابن عباس يسأله عن الخمس لمن هو فكتب إليه كتبت تسألني عن الخمس لمن هو و إنا كنا نزعم أنه لنا فأبى قومنا علينا ذلك فصبرنا عليه . قال و أما الاجتهاد الذي عول عليه فليس عذرا في إخراج الخمس عن أهله فقد أبطلناه .

[ 213 ]

و أما الاقتراض من بيت المال فهو مما يدعو إلى الريبة و من كان من التشدد و التحفظ و التقشف على الحد الذي ذكره كيف تطيب نفسه بالاقتراض من بيت المال و فيه حقوق و ربما مست الحاجة إلى الإخراج منها و أي حاجة لمن كان جشب المأكل خشن الملبس يتبلغ بالقوت إلى اقتراض الأموال . فأما حكايته عن الفقهاء أن الاحتياط أن يحفظ مال الأيتام في ذمة الغني المأمون فذلك إذا صح لم يكن نافعا له لأن عمر لم يكن غنيا و لو كان غنيا لما اقترض فقد خرج اقتراضه عن أن يكون من باب الاحتياط و إنما اشترط الفقهاء مع الأمانة الغنى لئلا تمس الحاجة إليه فلا يمكن ارتجاعه و لهذا قلنا إن اقتراضه لحاجته إلى المال لم يكن صوابا و حسن نظر للمسلمين . قلت أما قوله لا يجوز للإمام أن يفضل في العطاء إلا لسبب يقتضي ذلك كالجهاد فليست أسباب التفضيل مقصورة على الجهاد وحده فقد يستحق الإنسان التفضيل في العطاء على غيره لكثرة عبادته أو لكثرة علمه أو انتفاع الناس به فلم لا يجوز أن يكون عمر فضل الزوجات لذلك . و أيضا فإن الله تعالى فرض لذوي القربى من رسول الله ص نصيبا في الفي‏ء و الغنيمة ليس إلا لأنهم ذوو قرابته فقط فما المانع من أن يقيس عمر على ذلك ما فعله في العطاء فيفضل ذوي قرابة رسول في ذلك على غيرهم ليس إلا لأنهم ذوو قرابته و الزوجات و إن لم يكن لهن قربى النسب فلهن قربى الزوجية و كيف يقول المرتضى ما جاز أن يفضل أحدا إلا بالجهاد و قد فضل الحسن و الحسين على كثير من أكابر المهاجرين و الأنصار و هما صبيان ما جاهدا و لا بلغا الحلم بعد و أبوهما أمير المؤمنين

[ 214 ]

موافق على ذلك راض به غير منكر له و هل فعل عمر ذلك إلا لقربهما من رسول الله ص . و نحن نذكر ما فعله عمر في هذا الباب مختصرا نقلناه من كتاب أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المحدث في أخبار عمر و سيرته . روى أبو الفرج عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال استشار عمر الصحابة بمن يبدأ في القسم و الفريضة فقالوا ابدأ بنفسك فقال بل أبدأ بآل رسول الله ص و ذوي قرابته فبدأ بالعباس قال ابن الجوزي و قد وقع الاتفاق على أنه لم يفرض لأحد أكثر مما فرض له . و روي أنه فرض له اثني عشر ألفا و هو الأصح ثم فرض لزوجات رسول الله ص لكل واحدة عشرة آلاف و فضل عائشة عليهن بألفين فأبت فقال ذلك بفضل منزلتك عند رسول الله ص فإذا أخذت فشأنك و استثنى من الزوجات جويرية و صفية و ميمونة ففرض لكل واحدة منهن ستة آلاف فقالت عائشة إن رسول الله ص كان يعدل بيننا فعدل عمر بينهن و ألحق هؤلاء الثلاث بسائرهن ثم فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكل واحد خمسة آلاف و لمن شهدها من الأنصار لكل واحد أربعة آلاف . و قد روي أنه فرض لكل واحد ممن شهد بدرا من المهاجرين أو من الأنصار أو من غيرهم من القبائل خمسة آلاف ثم فرض لمن شهد أحدا و ما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد وفاة رسول الله ص ألفين و خمسمائة و ألفين و ألفا

[ 215 ]

و خمسمائة و ألفا واحدا إلى مائتين و هم أهل هجر و مات عمر على ذلك . قال ابن الجوزي و أدخل عمر في أهل بدر ممن لم يحضر بدرا أربعة و هم الحسن و الحسين و أبو ذر و سلمان ففرض لكل واحد منهم خمسة آلاف . قال ابن الجوزي و روى السدي أن عمر كسا أصحاب النبي ص فلم يرتض في الكسوة ما يستصلحه للحسن و الحسين ع فبعث إلى اليمن فأتي لهما بكسوة فاخرة فلما كساهما قال الآن طابت نفسي . قال ابن الجوزي فأما ما اعتمده في النساء فإنه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة و نساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة و نساء من بعد ذلك على ثلاثمائة و جعل نساء أهل القادسية على مائتين مائتين ثم سوى بين النساء بعد ذلك . و لو لم يدل على تصويب عمر فيما فعله إلا إجماع الصحابة و اتفاقهم عليه و ترك الإنكار لذلك كان كافيا . فأما الخمس و الخلاف فيه فإنها مسألة اجتهادية و الذي يظهر لنا فيه و يغلب عندنا من أمرها أن الخمس حق صحيح ثابت و أنه باق إلى الآن على ما يذهب إليه الشافعي و أنه لم يسقط بموت رسول الله ص و لكنا لا نرى ما يعتقده المرتضى من أن الخمس لآل الرسول ص و أن الأيتام أيتامهم و المساكين مساكينهم و ابن السبيل منهم لأنه على خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية و العطف و يمكن أن يحتج على ذلك بأن قوله تعالى في سورة الحشر لِلْفُقَراءِ اَلْمُهاجِرِينَ يبطل هذا القول لأن هذه اللام لا بد أن تتعلق بشي‏ء و ليس قبلها ما تتعلق به أصلا إلا أن تجعل بدلا من اللام التي قبلها في قوله ما أَفاءَ اَللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ

[ 216 ]

وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ وَ اَلْيَتامى‏ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ و ليس يجوز أن تكون بدلا من اللام في اَللَّهُ و لا من اللام في قوله وَ لِلرَّسُولِ فبقي أن تكون بدلا من اللام في قوله و لِذِي اَلْقُرْبى‏ أما الأول فتعظيما له سبحانه و أما الثاني فلأنه تعالى قد أخرج رسوله من الفقراء بقوله وَ يَنْصُرُونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ و لأنه يجب أن يرفع رسول الله ص عن التسمية بالفقير و أما الثالث فإما أن يفسر هذا البدل و ما عطف عليه المبدل منه أو يفسر هذا البدل وحده دون ما عطف عليه المبدل منه و الأول لا يصح لأن المعطوف على هذا البدل ليس من أهل القرى و هم الأنصار أ لا ترى كيف قال سبحانه لِلْفُقَراءِ اَلْمُهاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ الآية ثم قال سبحانه وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ و هم الأنصار و إن كان الثاني صار تقدير الآية أن الخمس لله و للرسول و لذي القربى الذين وصفهم الله و نعتهم بأنهم هاجروا و أخرجوا من ديارهم و للأنصار فيكون هذا مبطلا لما يذهب إليه المرتضى في قصر الخمس على ذوي القربى . و يمكن أن يعترض هذا الاحتجاج فيقال لم لا يجوز أن يكون قوله وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِيمانَ ليس بعطف و لكنه كلام مبتدأ و موضع الذين رفع بالابتداء و خبره يحبون . و أيضا فإن هذه الحجة لا يمكن التمسك بها في آية الأنفال و هو قوله تعالى وَ اِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ . فأما رواية سليم بن قيس الهلالي فليست بشي‏ء و سليم معروف المذهب و يكفي في رد روايته كتابه المعروف بينهم المسمى كتاب سليم .

[ 217 ]

على أني قد سمعت من بعضهم من يذكر أن هذا الاسم على غير مسمى و أنه لم يكن في الدنيا أحد يعرف بسليم بن قيس الهلالي و أن الكتاب المنسوب إليه منحول موضوع لا أصل له و إن كان بعضهم يذكره في اسم الرجال و الرواية المذكورة عن ابن عباس في كتابه إلى نجدة الحروري صحيحة ثابتة و ليس فيها ما يدل على مذهب المرتضى من أن الخمس كله لذوي القربى لأن نجدة إنما سأله عن خمس الخمس لا عن الخمس كله . و ينبغي أن يذكر في هذا الموضع اختلاف الفقهاء في الخمس أما أبو حنيفة فعنده أن قسمة الخمس كانت في عهد رسول الله ص على خمسة أسهم سهم لرسول الله ص و سهم لذوي قرباه من بني هاشم و بني المطلب دون بني عبد شمس و نوفل استحقوه حينئذ بالنصرة و المظاهرة لما روي عن عثمان بن عفان و جبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله ص هؤلاء إخوتك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم أ رأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم و حرمتنا و إنما نحن و هم بمنزلة واحدة

فقال ص إنهم لم يفارقونا في جاهلية و لا إسلام إنما بنو هاشم و بنو المطلب شي‏ء واحد و شبك بين أصابعه و ثلاثة أسهم ليتامى المسلمين و مساكينهم و أبناء السبيل منهم و أما بعد رسول الله ص فسهمه ساقط بموته و كذلك سهم ذوي القربى و إنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء و لا يعطى أغنياؤهم فيقسم الخمس إذن على ثلاثة أسهم اليتامى و المساكين و ابن السبيل . و أما الشافعي فيقسم الخمس عنده بعد وفاة رسول الله ص على خمسة أسهم سهم لرسول الله ص يصرف إلى ما كان يصرفه إليه رسول الله ص أيام حياته من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من الكراع و السلاح

[ 218 ]

و نحو ذلك و سهم لذوي القربى من أغنيائهم و فقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين من بني هاشم و بني المطلب و الباقي للفرق الثلاث . و أما مالك بن أنس فعنده أن الأمر في هذه المسألة مفوض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين هؤلاء و إن رأى أعطاه بعضهم دون بعض و إن رأى الإمام غيرهم أولى و أهم فغيرهم . و بقي الآن البحث عن معنى قوله سبحانه و تعالى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ و ما المراد بسهم الله سبحانه و كيف يقول الفقهاء الخمس مقسوم خمسة أقسام و ظاهر الآية يدل على ستة أقسام فنقول يحتمل أن يكون معنى قوله سبحانه فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ لرسول الله كقوله وَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ أي و رسول الله أحق و مذهب أبي حنيفة و الشافعي يجي‏ء على هذا الاحتمال . و يحتمل أن يريد بذكره إيجاب سهم سادس يصرف إلى وجه من وجوه القرب و مذهب أبي العالية يجي‏ء على هذا الاحتمال لأنه يذهب إلى أن الخمس يقسم ستة أقسام أحدها سهمه تعالى يصرف إلى رتاج الكعبة و قد روي أن رسول الله ص كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة و يقول سهم الله تعالى ثم يقسم ما بقي على خمسة أقسام . و قال قوم سهم الله لبيت الله . و يحتمل احتمالا ثالثا و هو أن يراد بقوله فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أن من حق الخمس أن يكون متقربا به إليه سبحانه لا غير ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلا لها

[ 219 ]

على غيرها كقوله وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ و مذهب مالك يجي‏ء على هذا الاحتمال و

قد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان على ستة لله و للرسول سهمان و سهم لأقاربه و ثلاثة أسهم للثلاثة حتى قبض ع فأسقط أبو بكر ثلاثة أسهم و قسم الخمس كله على ثلاثة أسهم و كذلك فعل عمر و

روي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس و قال إنما لكم أن نعطي فقيركم و نزوج أيمكم و نخدم من لا خادم له منكم و أما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى شيئا و لا يتيم موسر و قد روي عن زيد بن علي ع مثل ذلك قال ليس لنا أن نبني منه القصور و لا أن نركب منه البراذين فأما مذهب الإمامية فإن الخمس كله للقرابة . و

يروون عن أمير المؤمنين ع أنه قال أيتامنا و مساكيننا فإن صح عنه ذلك فقوله عندنا أولى بالاتباع و إنما الكلام في صحته . فأما اقتراض عمر من بيت المال ثمانين ألفا فليس بمعروف و المعروف المشهور أنه كان يظلف نفسه عن الدرهم الواحد منه . و قد روى ابن سعد في كتاب الطبقات أن عمر خطب فقال إن قوما يقولون إن هذا المال حلال لعمر و ليس كما قالوا لاها الله إذن أنا أخبركم بما أستحل منه يحل لي منه حلتان حلة في الشتاء و حلة في القيظ و ما أحج عليه و أعتمر من الظهر و قوتي و قوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم و لا أفقرهم ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم .

[ 220 ]

و روى ابن سعد أيضا أن عمر كان إذا احتاج أتى إلى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما عسر عليه القضاء فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه فيحتال له و ربما خرج عطاؤه فقضاه و لقد اشتكى مرة فوصف له الطبيب العسل فخرج حتى صعد المنبر و في بيت المال عكة فقال إن أذنتم لي فيها أخذتها و إلا فهي علي حرام فأذنوا له فيها ثم قال إن مثلي و مثلكم كقوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم لينفق عليهم فهل يحل له أن يستأثر منها بشي‏ء . و روى ابن سعد أيضا قال مكث عمر زمانا لا يأكل من مال المسلمين شيئا حتى أصابته خصاصة فأرسل إلى أصحاب رسول الله ص فاستشارهم فقال لهم قد شغلت نفسي بأمركم فما الذي يصلح أن أصيبه من مالكم فقال عثمان كل و أطعم و كذلك قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فتركهما و أقبل على علي ع فقال ما تقول أنت قال غداء و عشاء قال أصبت و أخذ بقوله و

روى أبو الفرج بن الجوزي في كتاب سيرة عمر عن نائلة عن ابن عمر قال جمع عمر الناس لما انتهى إليه فتح القادسية و دمشق فقال إني كنت امرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي و قد شغلتموني عن التجارة بأمركم فما ترون أنه يحل لي من هذا المال فقال القوم فأكثروا و علي ع ساكت فقال عمر ما تقول أنت يا أبا الحسن قال ما أصلحك و أصلح عيالك بالمعروف و ليس لك من هذا المال غيره فقال القول ما قاله أبو الحسن و أخذ به . و روى عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن عبد الله و عبيد الله ابني عمر مرا بأبي موسى و هو على العراق و هما مقبلان من أرض فارس فقال مرحبا بابني أخي

[ 221 ]

لو كان عندي شي‏ء و بلي قد اجتمع هذا المال عندي فخذاه و اشتريا به متاعا فإذا قدمتما فبيعاه و لكما ربحه و أديا إلى أمير المؤمنين رأس المال ففعلا فلما قدما على عمر بالمدينة أخبراه فقال أ كل أولاد المهاجرين يصنع بهم أبو موسى مثل ذلك فقالا لا قال فإن عمر يأبى أن يجيز ذلك و جعل قرضا . و روي عن قتادة قال كان معيقيب على بيت المال لعمر فكسح عمر بيت المال يوما و أخرجه إلى المسلمين فوجد معيقيب فيه درهما فدفعه إلى ابن عمر قال معيقيب ثم انصرفت إلى بيتي فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني فجئت فإذا الدرهم في يده فقال ويحك يا معيقيب أ وجدت علي في نفسك شيئا قلت و ما ذاك قال أردت أن تخاصمني أمة محمد في هذا الدرهم يوم القيامة . و روى عمر بن شبة عن عبد الله بن الأرقم و كان خازن عمر فقال إن عندنا حلية من حلية جلولاء و آنية من فضة فانظر ما تأمر فيها قال إذا رأيتني فارغا فآذني فجاءه يوما فقال إني أراك اليوم فارغا فما تأمر بتلك الحلية قال ابسط لي نطعا فبسطه ثم أتى بذلك المال فصب عليه فرفع يديه و قال اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ اَلشَّهَواتِ مِنَ اَلنِّساءِ وَ اَلْبَنِينَ وَ اَلْقَناطِيرِ اَلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ اَلذَّهَبِ وَ اَلْفِضَّةِ ثم قلت لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا اللهم إني أسألك أن تضعه في حقه و أعوذ بك من شره ثم ابتدأ فقسمه بين الناس فجاءه ابن بنت له فقال يا أبتاه هب لي منه خاتما فقال اذهب إلى أمك تسقك سويقا فلم يعطه شيئا . و روى الطبري في تاريخه أن عمر خطب أم كلثوم بنت أبي بكر فأرسل فيها إلى

[ 222 ]

عائشة فقالت الأمر إليها فقالت أم كلثوم لا حاجة لي فيه قالت لها عائشة ويلك أ ترغبين عن أمير المؤمنين قالت نعم إنه يغلق بابه و يمنع خيره و يدخل عابسا و يخرج عابسا فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته فقال أنا أكفيك فأتى عمر فقال يا أمير المؤمنين بلغني خبر أعيذك بالله منه قال ما هو قال خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر قال نعم أ فترغب بي عنها أم ترغب بها عني قال لا واحدة و لكنها حدثة نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين و رفق و فيك غلظة و نحن نهابك و لا نستطيع أن نردك عن خلق من أخلاقك فكيف بها إن خالفتك في شي‏ء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك قال فكيف لي بعائشة و قد كلمتها فيها قال أنا لك بها و أدلك على خير منها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعلق منها بسبب من رسول الله فصرفه عنها إلى أم كلثوم بنت فاطمة . و روى عاصم بن عمر قال بعث إلى عمر عند الهاجرة أو قال عند صلاة الصبح فأتيته فوجدته جالسا في المسجد فقال يا بني إني لم أكن أرى شيئا من هذا المال يحل لي قبل أن ألي إلا بحقه و ما كان أحرم علي منه حين وليته فعاد أمانتي و إني كنت أنفقت عليك من مال الله شهرا و لست بزائدك عليه و قد أعطيتك تمري بالعالية فبعه و خذ ثمنه ثم ائت رجلا من تجار قومك فكن إلى جانبه فإذا ابتاع شيئا فاستشركه و أنفق ما تربحه عليك و على أهلك قال فذهبت ففعلت . و روى الحسن البصري أن عمر كان يمشي يوما في سكة من سكك المدينة إذ صبية تطيش على وجه الأرض تقعد مرة و تقوم أخرى من الضعف و الجهد فقال عمر ما بال هذه قال عبد الله ابنه أ ما تعرف هذه قال لا قال إنها إحدى بناتك

[ 223 ]

فأنكر عمر ذلك فقال هذه ابنتي من فلانة قال ويحك و ما صيرها إلى ما أرى قال منعك ما عندك قال أنا منعتك ما عندي فما الذي منعك أن تطلب لبناتك ما يكسب الأقوام لبناتهم أنه و الله ما لك عندي غير سهمك في المسلمين وسعك أو عجز عنك و كتاب الله بيني و بينك . و روى سعيد بن المسيب قال كتب عمر لما قسم العطاء و فضل من فضل للمهاجرين الذين شهدوا بدرا خمسة آلاف و كتب لمن لم يشهد بدرا أربعة آلاف فكان منهم عمر بن أبي سلمة المخزومي و أسامة بن زيد بن حارثة و محمد بن عبد الله بن جحش و عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن بن عوف و هو الذي كان يكتب يا أمير المؤمنين أن عبد الله بن عمر ليس من هؤلاء أنه و أنه يطريه و يثني عليه فقال له عمر ليس له عندي إلا مثل واحد منهم فتكلم عبد الله و طلب الزيادة و عمر ساكت فلما قضى كلامه قال عمر لعبد الرحمن اكتبه على خمسة آلاف و اكتبني على أربعة آلاف فقال عبد الله لا أريد هذا فقال عمر و الله لا أجتمع أنا و أنت على خمسة آلاف قم إلى منزلك فقام عبد الله كئيبا و قال أبو وائل استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة فأتاني رجل بصك يقول فيه أعط صاحب المطبخ ثمانمائة درهم فقلت له مكانك و دخلت على ابن زياد فقلت له إن عمر استعمل عبد الله بن مسعود بالكوفة على القضاء و بيت المال و استعمل عثمان بن حنيف على سقي الفرات و استعمل عمار بن ياسر على الصلاة و الجند فرزقهم كل يوم شاة واحدة فجعل نصفها و سقطها و أكارعها لعمار لأنه كان على الصلاة و الجند و جعل لابن مسعود ربعها و لابن حنيف ربعها ثم قال إن مالا يؤخذ منه كل يوم شاة أن ذلك فيه لسريع فقال ابن زياد ضع المفتاح فاذهب حيث شئت .

[ 224 ]

و روى أبو جعفر الطبري في التاريخ أن عمر بعث سلمة بن قيس الأشجعي إلى طائفة من الأكراد كانوا على الشرك فخرج إليهم في جيش سرحه معه من المدينة فلما انتهى إليهم دعاهم إلى الإسلام أو إلى أداء الجزية فأبوا فقاتلهم فنصره الله عليهم فقتل المقاتلة و سبي الذرية و جمع الرثة و وجد حلية و فصوصا و جواهر فقال لأصحابه أ تطيب أنفسكم أن نبعث بهذا إلى أمير المؤمنين فإنه غير صالح لكم و إن على أمير المؤمنين لمئونة و أثقالا قالوا نعم قد طابت أنفسنا فجعل تلك الجواهر في سفط و بعث به مع واحد من أصحابه و قال له سر فإذا أتيت البصرة فاشتر راحلتين فأوقرهما زادا لك و لغلامك و سر إلى أمير المؤمنين قال ففعلت فأتيت عمر و هو يغدي الناس قائما متكئا على عصا كما يصنع الراعي و هو يدور على القصاع فيقول يا يرفأ زد هؤلاء لحما زد هؤلاء خبزا زد هؤلاء مرقة فجلست في أدنى الناس فإذا طعام فيه خشونة طعامي الذي معي أطيب منه فلما فرغ أدبر فاتبعته فدخل دارا فاستأذنت و لم أعلم حاجبه من أنا فأذن لي فوجدته في صفة جالسا على مسح متكئا على وسادتين من أدم محشوتين ليفا و في الصفة عليه ستر من صوف فنبذ إلي إحدى الوسادتين فجلست عليها فقال يا أم كلثوم أ لا تغدوننا فأخرج إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق فقال يا أم كلثوم أ لا تخرجين إلينا تأكلين معنا فقالت إني أسمع عندك حس رجل قال نعم و لا أراه من أهل هذا البلد قال فذاك حين عرفت أنه لم يعرفني فقالت لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا الزبير امرأته و كما كسا طلحة امرأته قال أ و ما يكفيك أنك أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب و زوجة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قالت إن ذاك عني لقليل الغناء قال كل فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا فأكلت قليلا و طعامي الذي معي أطيب منه

[ 225 ]

و أكل فما رأيت أحدا أحسن أكلا منه ما يتلبس طعامه بيده و لا فمه ثم قال اسقونا فجاءوا بعس من سلت فقال أعط الرجل فشربت قليلا و إن سويقي الذي معي لأطيب منه ثم أخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته ثم قال الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا و سقانا فأروانا إنك يا هذا لضعيف الأكل ضعيف الشرب فقلت يا أمير المؤمنين إن لي حاجة قال ما حاجتك قلت أنا رسول سلمة بن قيس فقال مرحبا بسلمة و رسوله فكأنما خرجت من صلبه حدثني عن المهاجرين كيف هم قلت كما تحب يا أمير المؤمنين من السلامة و الظفر و النصر على عدوهم قال كيف أسعارهم قلت أرخص أسعار قال كيف اللحم فيهم فإنه شجرة العرب و لا تصلح العرب إلا على شجرتها قلت البقرة فيهم بكذا و الشاة فيهم بكذا ثم سرنا يا أمير المؤمنين حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى الذي أمرت به من الإسلام فأبوا فدعوناهم إلى الخراج فأبوا فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم فقتلنا المقاتلة و سبينا الذرية و جمعنا الرثة فرأى سلمة في الرثة حلية فقال للناس إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا أ فتطيب أنفسكم أن أبعث به إلى أمير المؤمنين قالوا نعم ثم استخرجت سفطي ففتحته فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر و أخضر و أصفر وثب و جعل يده في خاصرته يصيح صياحا عاليا و يقول لا أشبع الله إذن بطن عمر يكررها فظن النساء أني جئت لأغتاله فجئن إلى الستر فكشفنه فسمعنه يقول لف ما جئت به يا يرفأ جأ عنقه قال فأنا أصلح سفطي و يرفأ يجأ عنقي ثم قال النجاء النجاء قلت يا أمير المؤمنين انزع بي فاحلمني فقال يا يرفأ أعطه راحلتين من إبل الصدقة

[ 226 ]

فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه و قال أظنك ستبطئ أما و الله لئن تفرق المسلمون في مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك و بصاحبك الفاقرة . قال فارتحلت حتى أتيت إلى سلمة بن قيس فقلت ما بارك الله فيما اختصصتني به اقسم هذا في الناس قبل أن تصيبني و إياك فاقرة فقسمه فيهم فإن الفص ليباع بخمسة دراهم و بستة و هو خير من عشرين ألفا . و جملة الأمر أن عمر لا يجوز أن يطعن فيه بمثل هذا و لا ينسب إلى شره و حب للمال فإن طريقته في التعفف و التقشف و خشونة العيش و الزهد أظهر من كل ظاهر و أوضح من كل واضح و حاله في ذلك معلومة و على كل تقدير سواء كان يفعل ذلك دينا أو ورعا كما هو الظاهر من حاله أو كان يفعل ذلك ناموسا و صناعة و رياء و حيلة كما تزعم الشيعة فإنه عظيم لأنه إما أن يكون على غاية الدين و التقى أو يكون أقوى الناس نفسا و أشدهم عزما و كلا الأمرين فضيلة . و الذي ذكره المحدثون و أرباب السير أن عمر لما طعن و احتمل في دمه إلى بيته و أوصى بما أوصى قال لابنه عبد الله انظروا ما علي من دين فحسبوه فوجدوه ستمائة و ثمانين ألف درهم هكذا ورد في الأخبار أنها كانت ديونا للمسلمين و لم تكن من بيت المال فقال عمر انظر يا عبد الله فإن وفى به مال آل عمر فأده من أموالهم و إلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف به أموالهم فسل في قريش و لا تعدهم إلى غيرهم فهكذا وردت الرواية فلذلك قال قاضي القضاة فإن صح فالعذر كذا و كذا لأنه لم يثبت عنده صحة اقتراضه هذا المقدار من بيت المال . و قد روي أن عمر كان له نخل بالحجاز غلته كل سنة أربعون ألفا يخرجها في

[ 227 ]

النوائب و الحقوق و يصرفها إلى بني عدي بن كعب إلى فقرائهم و أراملهم و أيتامهم روى ذلك ابن جرير الطبري في التاريخ . فأما قول المرتضى أي حاجة بخشن العيش و جشب المأكل إلى اقتراض الأموال فجوابه أن المتزهد المتقشف قد يضيق على نفسه و يوسع على غيره إما من باب التكرم و الإحسان أو من باب الصدقة و ابتغاء الثواب و قد يصل رحمه و إن قتر على نفسه . و قد روى الطبري أن عمر دفع إلى أم كلثوم بنت أمير المؤمنين ع صداقها يوم تزوجها أربعين ألف درهم فلعل هذا الاقتراض من الناس كان لهذا الوجه و لغيره من الوجوه التي قل أن يخلو أحد منها