الطعن السادس

أنه عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهد عليه بالزناء و لقن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة اتباعا لهواه فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدهم و ضربهم فتجنب أن يفضح المغيرة و هو واحد و فضح الثلاثة مع تعطيله لحكم الله و وضعه في غير موضعه . أجاب قاضي القضاة فقال إنه لم يعطل الحد إلا من حيث لم تكمل الشهادة و بإرادة الرابع لئلا يشهد لا تكمل البينة و إنما تكمل بالشهادة . و قال إن قوله أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين يجري في أنه سائغ صحيح مجرى ما روي عن النبي ص من أنه أتي بسارق فقال لا تقر .

[ 228 ]

و قال ع لصفوان بن أمية لما أتاه بالسارق و أمر بقطعه فقال هو له يعني ما سرق هلا قبل أن تأتيني به فلا يمتنع من عمر ألا يحب أن تكمل الشهادة و ينبه الشاهد على ألا يشهد و قال إنه جلد الثلاثة من حيث صاروا قذفه و إنه ليس حالهم و قد شهدوا كحال من لم تتكامل الشهادة عليه لأن الحيلة في إزالة الحد عنه و لما تتكامل الشهادة عليه ممكنة بتلقين و تنبيه غيره و لا حيلة فيما قد وقع من الشهادة فلذلك حدهم . قال و ليس في إقامة الحد عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشهادة على المغيرة لأنه يتصور بأنه زان و يحكم بذلك و ليس كذلك حال الشهود لأنهم لا يتصورون بذلك و إن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة . و حكي عن أبي علي أن الثلاثة كان القذف قد تقدم منهم للمغيرة بالبصرة لأنهم صاحوا به من نواحي المسجد بأنا نشهد أنك زان فلو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدهم لا محالة فلم يمكن في إزالة الحد عنهم ما أمكن في المغيرة . و حكي عن أبي علي في جواب اعتراضه عن نفسه بما روي عن عمر أنه كان إذا رآه يقول لقد خفت أن يرميني الله عز و جل بحجارة من السماء أن هذا الخبر غير صحيح و لو كان حقا لكان تأويله التخويف و إظهار قوة الظن لصدق القوم الذين شهدوا عليه ليكون ردعا له و ذكر أنه غير ممتنع أن يحب ألا يفتضح لما كان متوليا للبصرة من قبله . ثم أجاب عن سؤال من سأله عن امتناع زياد من الشهادة و هل يقتضي الفسق أم لا فإن قال لا نعلم أنه كان يتمم الشهادة و لو علمنا ذلك لكان حيث ثبت في الشرع أن له

[ 229 ]

السكوت لا يكون طعنا و لو كان ذلك طعنا و قد ظهر أمره لأمير المؤمنين ع لما ولاه فارس و لما ائتمنه على أموال الناس و دمائهم . اعترض المرتضى فقال إنما نسب إلى تعطيل الحد من حيث كان في حكم الثابت و إنما بتلقينه لم تكمل الشهادة لأن زيادا ما حضر إلا ليشهد بما شهد به أصحابه و قد صرح بذلك كما صرحوا قبل حضورهم و لو لم يكن هذا لما شهد القوم قبله و هم لا يعلمون هل حاله في ذلك الحكم كحالهم لكنه أحجم في الشهادة لما رأى كراهية متولي الأمر لكمالها و تصريحه بأنه لا يريد أن يعمل بموجبها . و من العجائب أن يطلب الحيلة في دفع الحد عن واحد و هو لا يندفع إلا بانصرافه إلى ثلاثة فإن كان درء الحد و الاحتيال في دفعه من السنن المتبعة فدرؤه عن ثلاثة أولى من درئه عن واحد . و قوله إن دفع الحد عن المغيرة ممكن و دفعه عن ثلاثة و قد شهدوا غير ممكن طريف لأنه لو لم يلقن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة لاندفع الحد عن الثلاثة و كيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكره . و قوله إن المغيرة يتصور بصورة زان لو تكاملت الشهادة و في هذا من الفضيحة ما ليس في حد الثلاثة غير صحيح لأن الحكم في الأمرين واحد لأن الثلاثة إذا حدوا يظن بهم الكذب و إن جوز أن يكونوا صادقين و المغيرة لو تكاملت الشهادة عليه بالزناء لظن به ذلك مع التجويز لأن يكون الشهود كذبه و ليس في أحد إلا ما في الآخر . و ما روي عنه ع من أنه أتي بسارق فقال له لا تقر إن كان صحيحا لا يشبه ما نحن فيه لأنه ليس في دفع الحد عن السارق إيقاع غيره في المكروه . و قصة المغيرة تخالف هذا لما ذكرناه .

[ 230 ]

فأما قوله ع هلا قبل أن تأتيني به فلا يشبه كل ما نحن فيه لأنه بين أن ذلك القول يسقط الحد لو تقدم و ليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحد . فأما ما حكاه عن أبي علي من أن القذف من الثلاثة كان قد تقدم و أنهم لو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدهم لا محالة فغير معروف و الظاهر المروي خلافه و هو أنه حدهم عند نكول زياد عن الشهادة و أن ذلك كان السبب في إيقاع الحد بهم و تأوله عليه لقد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء لا يليق بظاهر الكلام لأنه يقتضي التندم و التأسف على تفريط وقع و لم يخاف أن يرمى بالحجارة و هو لم يدرأ الحد عن مستحق له و لو أراد الردع و التخويف للمغيرة لأتي بكلام يليق بذلك و لا يقتضي إضافة التفريط إلى نفسه و كونه واليا من قبله لا يقتضي أن يدرأ عنه الحد و يعدل به إلى غيره . و أما قوله إنا ما كنا نعلم أن زيادا كان يتمم الشهادة فقد بينا أن ذلك كان معلوما بالظاهر و من قرأ ما روي في هذه القصة علم بلا شك أن حال زياد كحال الثلاثة في أنه إنما حضر للشهادة و إنما عدل عنها لكلام عمر . و قوله إن الشرع يبيح السكوت ليس بصحيح لأن الشرع قد حظر كتمان الشهادة . فأما استدلاله على أن زيادا لم يفسق بالإمساك عن الشهادة بتوليه أمير المؤمنين ع له فارس فليس بشي‏ء يعتمد لأنه لا يمتنع أن يكون قد تاب بعد ذلك و أظهر توبته لأمير المؤمنين ع فجاز أن يوليه و قد كان بعض أصحابنا يقول في قصة المغيرة شيئا طيبا و إن كان معتملا في باب الحجة كان يقول إن زيادا إنما امتنع من التصريح بالشهادة المطلوبة في الزناء و قد شهد بأنه شاهده بين شعبها الأربع و سمع نفسا عاليا فقد صح على المغيرة بشهادة الأربع جلوسه منها مجلس الفاحشة إلى غير ذلك

[ 231 ]

من مقدمات الزناء و أسبابه فهلا ضم عمر إلى جلد الثلاثة تعزير هذا الذي قد صح عنده بشهادة الأربعة ما صح من الفاحشة مثل تعريك أذنه أو ما يجري مجراه من خفيف التعزير و يسيره و هل في العدول عن ذلك حتى عن لومه و توبيخه و الاستخفاف به إلا ما ذكروه من السبب الذي يشهد الحال به قلت أما المغيرة فلا شك عندي أنه زنى بالمرأة و لكني لست أخطئ عمر في درء الحد عنه و إنما أذكر أولا قصته من كتابي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري و أبي الفرج علي بن الحسن الأصفهاني ليعلم أن الرجل زنى بها لا محالة ثم أعتذر لعمر في درء الحد عنه . قال الطبري في تاريخه و في هذه السنة يعني سنة سبع عشرة ولى عمر أبا موسى البصرة و أمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة و ذلك لأمر بلغه عنه قال الطبري حدثني محمد بن يعقوب بن عتبة قال حدثني أبي قال كان المغيرة يخالف إلى أم جميل امرأة من بني هلال بن عامر و كان لها زوج من ثقيف هلك قبل ذلك يقال له الحجاج بن عبيد و كان المغيرة و كان أمير البصرة يختلف إليها سرا فبلغ ذلك أهل البصرة فأعظموه فخرج المغيرة يوما من الأيام إلى المرأة فدخل عليها و قد وضعوا عليهما الرصد فانطلق القوم الذين شهدوا عند عمر فكشفوا الستر فرأوه قد واقعها فكتبوا بذلك إلى عمر و أوفدوا إليه بالكتاب أبا بكرة فانتهى أبو بكرة إلى المدينة و جاء إلى باب عمر فسمع صوته و بينه و بينه حجاب فقال أبو بكرة فقال نعم قال لقد جئت لشر قال إنما جاء به المغيرة ثم قص عليه القصة و عرض عليه الكتاب فبعث أبا موسى عاملا و أمره

[ 232 ]

أن يبعث إليه المغيرة فلما دخل أبو موسى البصرة و قعد في الإمارة أهدى إليه المغيرة عقيلة و قال إنني قد رضيتها لك فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر . و قال الطبري و روى الواقدي قال حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري عن أبيه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال قدم المغيرة على عمر فتزوج في طريقه امرأة من بني مرة فقال له عمر إنك لفارغ القلب شديد الشبق طويل الغرمول ثم سأل عن المرأة فقيل له يقال لها الرقطاء كان زوجها من ثقيف و هي من بني هلال . قال الطبري و كتب إلي السري عن شعيب عن سيف أن المغيرة كان يبغض أبا بكرة و كان أبو بكرة يبغضه و يناغي كل واحد منهما صاحبه و ينافره عند كل ما يكون منه و كانا متجاورين بالبصرة بينهما طريق و هما في مشربتين متقابلتين فهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت ريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة و قد فتحت الريح باب الكوة التي في مشربته و هو بين رجلي امرأة فقال للنفر قوموا فانظروا فقاموا فنظروا ثم قال اشهدوا قالوا و من هذه قال أم جميل إحدى نساء بني عامر بن صعصعة فقالوا إنما رأينا أعجازا و لا ندري الوجوه فلما قامت صمموا و خرج المغيرة إلى الصلاة فحال أبو بكرة بينه و بين الصلاة و قال لا تصل بنا و كتبوا إلى عمر بذلك و كتب المغيرة إليه أيضا فأرسل عمر إلى أبي موسى فقال يا أبا موسى إني مستعملك و إني باعثك إلى الأرض التي قد باض بها الشيطان و فرخ فالزم ما تعرف و لا تستبدل فيستبدل الله بك فقال يا أمير المؤمنين أعني بعدة من

[ 233 ]

أصحاب رسول الله ص من المهاجرين و الأنصار فإني وجدتهم في هذه الأمة و هذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به قال عمر فاستعن بمن أحببت فاستعان بتسعة و عشرين رجلا منهم أنس بن مالك و عمران بن حصين و هشام بن عامر و خرج أبو موسى بهم حتى أناخ بالبصرة في المربد و بلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال و الله ما جاء أبو موسى زائرا و لا تاجرا و لكنه جاء أميرا فإنهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم فدفع إلى المغيرة كتابا من عمر إنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس أربع كلم عزل فيها و عاتب و استحث و أمر أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى فسلم ما في يديك إليه و العجل . كتب إلى أهل البصرة أما بعد فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم ليأخذ لضعيفكم من قويكم و ليقاتل بكم عدوكم و ليدفع عن ذمتكم و ليجبي لكم فيئكم و ليقسم فيكم و ليحمي لكم طرقكم . فأهدى إليه المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى عقيلة و قال إني قد رضيتها لك و كانت فارهة و ارتحل المغيرة و أبو بكرة و نافع بن كلدة و زياد و شبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر فجمع بينهم و بين المغيرة فقال المغيرة يا أمير المؤمنين سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني مستقبلهم أم مستدبرهم و كيف رأوا المرأة و عرفوها فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر و إن كانوا مستدبري فبأي شي‏ء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي و الله ما أتيت إلا امرأتي فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل و هو يدخله و يخرجه قال عمر كيف رأيتهما قال مستدبرهما قال كيف استثبت رأسها قال تجافيت فدعا بشبل بن معبد فشهد مثل ذلك و قال استقبلتهما و استدبرتهما و شهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة و لم يشهد زياد بمثل شهادتهم قال

[ 234 ]

رأيته جالسا بين رجلي امرأة و رأيت قدمين مرفوعتين تخفقان و استين مكشوفتين و سمعت حفزا شديدا قال عمر فهل رأيته فيها كالميل في المكحلة قال لا قال فهل تعرف المرأة قال لا و لكن أشبهها فأمر عمر بالثلاثة فجلدوا الحد و قرأ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اَللَّهِ هُمُ اَلْكاذِبُونَ فقال المغيرة الحمد لله الذي أخزاكم فصاح به عمر اسكت أسكت الله نأمتك أما و الله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك فهذا ما ذكره الطبري . و أما أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني فإنه ذكر في كتاب الأغاني أن أحمد بن عبد العزيز الجوهري حدثه عن عمر بن شبة عن علي بن محمد عن قتادة قال كان المغيرة بن شعبة و هو أمير البصرة يختلف سرا إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء فلقيه أبو بكرة يوما فقال له أين تريد قال أزور آل فلان فأخذ بتلابيبه و قال إن الأمير يزار و لا يزور . قال أبو الفرج و حدثني بحديثه جماعة ذكر أسماءهم بأسانيد مختلفة لا نرى الإطالة بذكرها أن المغيرة كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار فكان أبو بكرة يلقاه فيقول له أين يذهب الأمير فيقول له إلى حاجة فيقول حاجة ما ذا إن الأمير يزار و لا يزور . قالوا و كانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة فقال فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع و زياد و رجل آخر يقال له شبل بن معبد و كانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها فقال أبو بكرة هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا فنظروا حتى أثبتوا

[ 235 ]

فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له أبو بكرة إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا فذهب المغيرة و جاء ليصلي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة و قال لا و الله لا تصلي بنا و قد فعلت ما فعلت فقال الناس دعوه فليصل إنه الأمير و اكتبوا إلى عمر فكتبوا إليه فورد كتابه أن يقدموا عليه جميعا المغيرة و الشهود . قال أبو الفرج و قال المدائني في حديثه فبعث عمر بأبي موسى و عزم عليه ألا يضع كتابه من يده حتى يرحل المغيرة . قال أبو الفرج و قال علي بن هاشم في حديثه إن أبا موسى قال لعمر لما أمره أن يرحل المغيرة من وقته أ و خير من ذلك يا أمير المؤمنين نتركه فيتجهز ثلاثا ثم يخرج . قالوا فخرج أبو موسى حتى صلى صلاة الغداة بظهر المربد و أقبل إنسان فدخل على المغيرة فقال إني رأيت أبا موسى قد دخل المسجد الغداة و عليه برنس و ها هو في جانب المسجد فقال المغيرة إنه لم يأت زائرا و لا تاجرا قالوا و جاء أبو موسى حتى دخل على المغيرة و معه صحيفة مل‏ء يده فلما رآه قال أمير فأعطاه أبو موسى الكتاب فلما ذهب يتحرك عن سريره قال له مكانك تجهز ثلاثا . قال أبو الفرج و قال آخرون إن أبا موسى أمره أن يرحل من وقته فقال المغيرة قد علمت ما وجهت له فألا تقدمت و صليت فقال ما أنا و أنت في هذا الأمر إلا سواء فقال المغيرة إني أحب أن أقيم ثلاثا لأتجهز فقال أبو موسى قد عزم علي أمير المؤمنين ألا أضع عهدي من يدي إذا قرأته حتى أرحلك إليه قال إن شئت شفعتني و أبررت قسم أمير المؤمنين بأن تؤجلني إلى الظهر و تمسك الكتاب في يدك . قالوا فلقد رئي أبو موسى مقبلا و مدبرا و أن الكتاب في يده معلق بخيط فتجهز المغيرة و بعث إلى أبي موسى بعقيلة جارية عربية من سبي اليمامة من

[ 236 ]

بني حنيفة و يقال إنها مولدة الطائف و معها خادم و سار المغيرة حين صلى الظهر حتى قدم على عمر . قال أبو الفرج فقال محمد بن عبد الله بن حزم في حديثه إن عمر قال له لما قدم عليه لقد شهد عليك بأمر إن كان حقا لأن تكون مت قبل ذلك كان خيرا لك . قال أبو الفرج قال أبو زيد عمر بن شبة فجلس له عمر و دعا به و بالشهود فتقدم أبو بكرة فقال أ رأيته بين فخذيها قال نعم و الله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها قال المغيرة لقد ألطفت النظر قال أبو بكرة لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به فقال عمر لا و الله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة قال نعم أشهد على ذلك فقال عمر اذهب عنك مغيرة ذهب ربعك . قال أبو الفرج و يقال إن عليا ع هو قائل هذا القول ثم دعا نافعا فقال علام تشهد قال على مثل شهادة أبي بكرة فقال عمر لا حتى تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة قال نعم حتى بلغ قذذه فقال اذهب عنك مغيرة ذهب نصفك ثم دعا الثالث و هو شبل بن معبد فقال علام تشهد قال على مثل شهادة صاحبي فقال اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك قال فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين و بكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه قال و لم يكن زياد حضر ذلك المجلس فأمر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة و ألا يجالسهم أحد من أهل المدينة و انتظر قدوم زياد فلما قدم جلس في المسجد و اجتمع رءوس المهاجرين و الأنصار قال المغيرة و كنت قد أعددت كلمة أقولها فلما رأى عمر زيادا مقبلا قال إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين .

[ 237 ]

قال أبو الفرج و في حديث أبي زيد بن عمر بن شبة عن السري عن عبد الكريم بن رشيد عن أبي عثمان النهدي أنه لما شهد الشاهد الأول عند عمر تغير الثالث لذلك لون عمر ثم جاء الثاني فشهد فانكسر لذلك انكسارا شديدا ثم جاء فشهد فكان الرماد نثر على وجه عمر فلما جاء زياد جاء شاب يخطر بيديه فرفع عمر رأسه إليه و قال ما عندك أنت يا سلح العقاب و صاح أبو عثمان النهدي صيحة تحكي صيحة عمر قال عبد الكريم بن رشيد لقد كدت أن يغشى علي لصيحته . قال أبو الفرج فكان المغيرة يحدث قال فقمت إلى زياد فقلت لا مخبأ لعطر بعد عروس يا زياد أذكرك الله و أذكرك موقف القيامة و كتابه و رسوله أن تتجاوز إلى ما لم تر ثم صحت يا أمير المؤمنين أن هؤلاء قد احتقروا دمي فالله الله في دمي قال فترنقت عينا زياد و احمر وجهه و قال يا أمير المؤمنين أما إن أحق ما حق القوم فليس عندي و لكني رأيت مجلسا قبيحا و سمعت نفسا حثيثا و انتهارا و رأيته متبطنها فقال عمر أ رأيته يدخل و يخرج كالميل في المكحلة قال لا . قال أبو الفرج و روى كثير من الرواة أنه قال رأيته رافعا برجليها و رأيت خصيتيه مترددتين بين فخذيها و سمعت حفزا شديدا و سمعت نفسا عاليا فقال عمر أ رأيته يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة قال لا فقال عمر الله أكبر قم يا مغيرة إليهم فاضربهم فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين و ضرب الباقين . و روى قوم أن الضارب لهم الحد لم يكن المغيرة و أعجب عمر قول زياد و درأ الحد عن المغيرة فقال أبو بكرة بعد أن ضرب أشهد أن المغيرة فعل كذا و كذا فهم عمر بضربه فقال له علي ع إن ضربته رجمت صاحبك و نهاه عن ذلك .

[ 238 ]

قال أبو الفرج يعني إن ضربه تصير شهادته شهادتين فيوجب بذلك الرجم على المغيرة . قال فاستتاب عمر أبا بكرة فقال إنما تستتيبني لتقبل شهادتي قال أجل قال فإني لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا قال فلما ضربوا الحد قال المغيرة الله أكبر الحمد لله الذي أخزاكم فقال عمر اسكت أخزى الله مكانا رأوك فيه . قال و أقام أبو بكرة على قوله و كان يقول و الله ما أنسي قط فخذيها و تاب الاثنان فقبل شهادتهما و كان أبو بكرة بعد ذلك إذا طلب إلى شهادة قال اطلبوا غيري فإن زيادا أفسد علي شهادتي . و قال أبو الفرج و روى إبراهيم بن سعيد عن أبيه عن جده قال لما ضرب أبو بكرة أمرت أمه بشاة فذبحت و جعل جلدها على ظهره قال إبراهيم فكان أبي يقول ما ذاك إلا من ضرب شديد . قال أبو الفرج فحدثنا الجوهري عن عمر بن شبة عن علي بن محمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي قال كانت الرقطاء التي رمي بها المغيرة تختلف إليه في أيام إمارته الكوفة في خلافة معاوية في حوائجها فيقضيها لها . قال أبو الفرج و حج عمر بعد ذلك مرة فوافق الرقطاء بالموسم فرآها و كان المغيرة يومئذ هناك فقال عمر للمغيرة ويحك أ تتجاهل علي و الله ما أظن أبا بكرة كذب عليك و ما رأيتك إلا خفت أن أرمي بحجارة من السماء . قال و كان علي ع بعد ذلك يقول إن ظفرت بالمغيرة لأتبعته الحجارة . قال أبو الفرج فقال حسان بن ثابت يهجو المغيرة و يذكر هذه القصة

لو أن اللؤم ينسب كان عبدا
قبيح الوجه أعور من ثقيف

[ 239 ]

تركت الدين و الإسلام لما
بدت لك غدوة ذات النصيف
و راجعت الصبا و ذكرت لهوا
مع القينات في العمر اللطيف

قال أبو الفرج و روى المدائني أن المغيرة لما شخص إلى عمر في هذه الوقعة رأى في طريقه جارية فأعجبته فخطبها إلى أبيها فقال له و أنت على هذه الحال قال و ما عليك إن أبق فهو الذي تريد و إن أقتل ترثني فزوجه . و قال أبو الفرج قال الواقدي كانت امرأة من بني مرة تزوجها بالرقم فلما قدم بها على عمر قال إنك لفارغ القلب طويل الشبق . فهذه الأخبار كما تراها تدل متأملها على أن الرجل زنى بالمرأة لا محالة و كل كتب التواريخ و السير تشهد بذلك و إنما اقتصرنا نحن منها على ما في هذين الكتابين . و قد روى المدائني أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية فلما دخل في الإسلام قيده الإسلام و بقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته البصرة . و روى أبو الفرج في كتاب الأغاني عن الجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر قال كان المغيرة بن شعبة و الأشعث بن قيس و جرير بن عبد الله البجلي يوما متوافقين بالكناسة في نفر و طلع عليهم أعرابي فقال لهم المغيرة دعوني أحركه قالوا لا تفعل فإن للأعراب جوابا يؤثر قال لا بد قالوا فأنت أعلم فقال له يا أعرابي أ تعرف المغيرة بن شعبة قال نعم أعرفه أعور زانيا فوجم ثم تجلد فقال أ تعرف الأشعث بن قيس قال نعم ذاك رجل لا يعرى قومه قال و كيف ذاك قال لأنهم حاكة . قال فهل تعرف جرير بن عبد الله قال كيف لا أعرف رجلا لولاه ما عرفت عشيرته فقالوا قبحك الله فإنك شر جليس هل تحب أن يوقر لك بعيرك هذا مالا و تموت

[ 240 ]

أكرم العرب موتة قال فمن يبلغه إذن أهلي فانصرفوا عنه فتركوه قال أبو الفرج و روى علي بن سليمان الأخفس قال خرج المغيرة بن شعبة و هو يومئذ على الكوفة و معه الهيثم بن التيهان النخعي غب مطر يسير في ظهر الكوفة و النجف فلقي ابن لسان الحمرة أحد بني تيم الله بن ثعلبة و هو لا يعرف المغيرة و لا يعرفه المغيرة فقال له من أين أقبلت يا أعرابي قال من السماوة قال كيف تركت الأرض خلفك قال عريضة أريضة قال فكيف كان المطر قال عفى الأثر و ملأ الحفر قال فمن أنت قال من بكر بن وائل قال كيف علمك بهم قال إن جهلتهم لم أعرف غيرهم قال فما تقول في بني شيبان قال سادتنا و سادة غيرنا قال فما تقول في بني ذهل قال سادة نوكى قال فقيس بن ثعلبة قال إن جاورتهم سرقوك و إن ائتمنتهم خانوك قال فبنو تيم الله بن ثعلبة قال رعاء النقد و عراقيب الكلاب قال فبني يشكر قال صريح تحسبه مولى . قال هشام بن الكلبي لأن في ألوانهم حمرة قال فعجل قال أحلاس الخيل قال فعبد القيس قال يطعمون الطعام و يضربون الهام قال فعنزة قال لا تلتقي بهم الشفتان لؤما قال فضبيعة أضجم قال جدعا و عقرا قال فأخبرني عن النساء قال النساء أربع ربيع مربع و جميع مجمع و شيطان سمعمع و غل لا يخلع قال فسر قال أما الربيع المربع فالتي إذا نظرت إليها سرتك و إذا أقسمت عليها برتك و أما التي هي جميع مجمع فالمرأة تتزوجها و لها نسب فيجتمع نسبها إلى نسبك و أما الشيطان السمعمع فالكالحة في وجهك إذا دخلت المولولة في أثرك

[ 241 ]

إذا خرجت و أما الغل الذي لا يخلع فبنت عمك السوداء القصيرة الفوهاء الدميمة التي قد نثرت لك بطنها إن طلقتها ضاع ولدك و إن أمسكتها فعلى جدع أنفك قال المغيرة بل أنفك قال فما تقول في أميرك المغيرة بن شعبة قال أعور زان فقال الهيثم بن الأسود فض الله فاك ويلك إنه الأمير المغيرة قال إنها كلمة تقال فانطلق به المغيرة إلى منزله و عنده يومئذ أربع نسوة و ستون أو سبعون أمه و قال ويحك هل يزني الحر و عنده مثل هؤلاء ثم قال لهن ارمين إليه بحليكن ففعلن فخرج بمل‏ء كسائه ذهبا و فضة . و إنما أوردنا هذين الخبرين ليعلم السامع أن الخبر بزناه كان شائعا مشهورا مستفيضا بين الناس و لأنهما يتضمنان أدبا و كتابنا هذا موضوع للأدب . و إنما قلنا إن عمر لم يخطئ في درء الحد عنه لأن الإمام يستحب له ذلك و إن غلب على ظنه أنه قد وجب الحد عليه

روى المدائني أن أمير المؤمنين عليا ع أتي برجل قد وجب عليه الحد فقال أ هاهنا شهود قالوا نعم قال فأتوني بهم إذا أمسيتم و لا تأتوني إلا معتمين فلما أعتموا جاءوه فقال لهم نشدت الله رجلا ما لي عنده مثل هذا الحد إلا انصرف قال فما بقي منهم أحد فدرأ عنه الحد : ذكر هذا الخبر أبو حيان في كتاب البصائر في الجزء السادس منه : و الخبر المشهور الذي كاد يكون متواترا

أن رسول الله ص قال ادرءوا الحدود بالشبهات و من تأمل المسائل الفقهية في باب الحدود علم أنها بنيت على الإسقاط عند أدنى سبب و أضعفه أ لا ترى أنه لو أقر بالزناء ثم رجع عن إقراره قبل إقامة الحد أو في وسطه قبل رجوعه و خلي سبيله .

[ 242 ]

و قال أبو حنيفة و أصحابه يستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع و يقول له تأمل ما تقول لعلك مسستها أو قبلتها و يجب على الإمام أن يسأل الشهود ما الزناء و كيف هو و أين زنى و بمن زنى و متى زنى و هل رأوه وطئها في فرجها كالميل في المكحلة فإذا ثبت كل ذلك سأل عنهم فلا يقيم الحد حتى يعدلهم القاضي في السر و العلانية و لا يقام الحد بإقرار الإنسان على نفسه حتى يقر أربع مرات في أربعة مجالس كلما أقر رده القاضي و إذا تم إقراره سأله القاضي عن الزناء ما هو و كيف هو و أين زنى و بمن زنى و متى زنى . قال الفقهاء و يجب أن يبتدئ الشهود برجمه إذا تكاملت الشهادة فإن امتنعوا من الابتداء برجمه سقط الحد . قالوا و لا حد على من وطئ جارية ولده أو ولد ولده و إن قال علمت أنها على حرام و إن وطئ جارية أبيه أو أمه أو أخته و قال ظننت أنها تحل لي فلا حد عليه و من أقر أربع مرات في مجالس مختلفة بالزناء بفلانة فقالت هي بل تزوجني فلا حد عليه و كذلك إن أقرت المرأة بأنه زنى بها فلان فقال الرجل بل تزوجتها فلا حد عليها قالوا و إذا شهد الشهود بحد متقادم من الزناء لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إذا كان حد الزناء و إن شهدوا أنه زنى بامرأة و لا يعرفونها لم يحد لم تقبل شهادتهم إذا كان حد الزناء و إن شهدوا أنه زنى بامرأة و لا يعرفونها لم يحد و إن شهد اثنان أنه زنى بامرأة بالكوفة و آخران أنه زنى بالبصرة درئ الحد عنهما جميعا و إن شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة بالنخيلة عند طلوع الشمس من يوم كذا و كذا و أربعة شهدوا بهذه المرأة عند طلوع الشمس ذلك اليوم بدير هند درئ الحد عنه و عنها و عنهم جميعا و إن شهد أربعة على شهادة أربعة بالزناء لم يحد المشهود عليه .

[ 243 ]

و هذه المسائل كلها مذهب أبي حنيفة و يوافقه الشافعي في كثير منها و من تأملها علم أن مبني الحدود على الإسقاط بالشبهات و إن ضعفت . فإن قلت كل هذا لا يلزم المرتضى لأن مذهبه في فروع الفقه مخالف لمذهب الفقهاء قلت ذكر محمد بن النعمان و هو شيخ المرتضى الذي قرأ عليه فقه الإمامية في كتاب المقنعة أن الشهود الأربعة إن تفرقوا في الشهادة بالزناء و لم يأتوا بها مجتمعين في وقت في مكان واحد سقط الحد عن المشهود عليه و وجب عليهم حد القذف . قال و إذا أقر الإنسان على نفسه بالزناء أربع مرات على اختيار منه للإقرار وجب عليه الحد و إن أقر مرة أو مرتين أو ثلاثا لم يجب عليه الحد بهذا الإقرار و للإمام أن يؤدبه بإقراره على نفسه حسب ما يراه فإن كان أقر على امرأة بعينها جلد حد القذف . قال و إن جعل في الحفرة ليرجم و هو مقر على نفسه بالزناء ففر منها ترك و لم يرد لأن فراره رجوع عن الإقرار و هو أعلم بنفسه . قال و لا يجب الرجم على المحصن الذي يعده الفقهاء محصنا و هو من وطئ امرأة في نكاح صحيح و إنما الإحصان عندنا من له زوجة أو ملك يمين يستغني بها عن غيرها و يتمكن من وطئها فإن كانت مريضة لا يصل إليها بنكاح أو صغيرة لا يوطأ مثلها أو غائبة عنه أو محبوسة لم يكن محصنا بها و لا يجب عليه الرجم . قال و نكاح المتعة لا يحصن عندنا و إذا كان هذا مذهب الإمامية فقد اتفق قولهم و أقوال الفقهاء في سقوط الرجم بأدنى سبب و الذي رواه أبو الفرج الأصفهاني أن زيادا لم يحضر في المجلس الأول و أنه حضر في مجلس ثان فلعل إسقاط الحد كان لهذا . ثم نعود إلى تصفح ما اعترض به المرتضى كلام قاضي القضاة .

[ 244 ]

أما قوله كان الحد في حكم الثابت فإن الله تعالى لم يوجب الحد إلا إذا كان ثابتا و لم يوجبه إذا كان في حكم الثابت و يسأل عن معنى قوله في حكم الثابت هل المراد بذلك أنه قريب من الثبوت و إن لم يثبت حقيقة أم المراد أنه قد ثبت و تحقق فإن أراد الثاني قيل له لا نسلم أنه ثبت لأن الشهادة لم تتم و قد اعترف المرتضى بذلك و أقر بأن الشهادة لم تكمل و لكنه نسب ذلك إلى تلقين عمر و إن أراد الأول قيل له ليس يكفي في وحوب الحد أن يكون قريبا إلى الثبوت لأنه لو كفى ذلك لحد الإنسان بشهادة ثلاثة من الشهود . و أما قوله إن عمر لقنه و كره أن يشهد فلا ريب أن الأمر وقع كذلك و قد قلنا إن هذا جائز بل مندوب إليه و روينا عن أمير المؤمنين ما رويناه و ذكرنا قول الفقهاء في ذلك و إنهم استحبوا أن يقول القاضي للمقر بالزناء تأمل ما تقوله لعلك مسستها أو قبلتها . فأما قول المرتضى إنه درأ الحد عن واحد و كان درؤه عن ثلاثة أولى فقد أجاب قاضي القضاة عنه بأنه ما كان يمكن دفعه عنهم فأما قول المرتضى بل قد كان يمكن دفعه عنهم بألا يلقن الرابع الامتناع من الشهادة فقد أجاب قاضي القضاة عنه بأن الزناء و وسم الإنسان به أعظم و أشنع و أفحش من أن يوسم بالكذب و الافتراء و عقوبة الزاني أعظم من عقوبة الكاذب القاذف عند الله تعالى في دار التكليف يبين ذلك أن الله تعالى أوجب جلد ثلاثة من المسلمين لتخليص واحد شهد الثلاثة عليه بالزناء فلو لم يكن هذا المعنى ملحوظا في نظر الشارع لما أوجبه فكيف يقول المرتضى ليس لأحد الأمرين إلا ما في الآخر . و أما خبر السارق الذي رواه قاضي القضاة و قول المرتضى في الاعتراض عليه ليس في دفع الحد عن السارق إيقاع غيره في المكروه و قصة المغيرة تخالف هذا فليس بجيد

[ 245 ]

لأن في دفع الحد عن السارق إضاعة مال المسلم الذي سرق السارق في زمانه و فيه أيضا إغراء أهل الفساد بالسرقة لأنهم إذا لم يقم الحد عليهم لمكان الجحود أقدموا على سرقة الأموال فلو لم يكن عناية الشارع بالدماء أكثر من عنايته بغيره من الأموال و الأبشار لما قال للمكلف لا تقر بالسرقة و لا بالزناء و لما رجح واحدا على ثلاثة و هان في نظره أن تضرب أبشارهم بالسياط و هم ثلاثة حفظا لدم واحد . و أما حديث صفوان و قول المرتضى فلا يشبه كل ما نحن فيه لأن الرسول ص بين أن ذلك القول يسقط الحد لو تقدم و ليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحد . فجوابه أن قاضي القضاة لم يقصد بإيراد هذا الخبر إلا تشييد قول عمر أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين لأن عمر كره فضيحة المغيرة كما كره رسول الله ص فضيحة السارق الذي قال صفوان هو له و قال ع هلا قبل أن تأتيني به أي هلا قلت ذلك قبل أن تحضره فلم يفتضح بين الناس فإن قولك هو له و إن درأ الحد إلا أنه لا يدرأ الفضيحة . فأما ما حكاه قاضي القضاة عن أبي علي من أن القذف قد كان تقدم منهم و هم بالبصرة فقد ذكرنا في الخبر ما يدل على ذلك فبطل قول المرتضى أن ذلك غير معروف و أن الظاهر المروي خلافه . و أما قول عمر للمغيرة ما رأيتك إلا خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء فالظاهر أن مراده ما ذكره قاضي القضاة من التخويف و إظهار قوة الظن بصدق الشهود ليكون ردعا له و لذلك ورد في الخبر ما أظن أبا بكرة كذب عليك تقديره أظنه لم يكذب و لو كان كما قال المرتضى ندما و تأسفا على تفريط وقع لأقام الحد عليه و لو بعد حين و من الذي كان يمنعه من ذلك لو أراده .

[ 246 ]

و قوله لم يخاف أن يرمى بالحجارة و هو لم يدرأ الحد عن مستحق له جوابه أن هذا القول يجري مجرى التهويل و التخويف للمغيرة كيلا يقدم على أن يعرض نفسه لشبهه فيما بعد . فأما قول قاضي القضاة أنه غير ممتنع أن يحب ألا يفتضح لما كان متوليا للبصرة من قبله و قول المرتضى معترضا عليه إن كونه واليا من قبله لا يقتضي أن يدرأ عنه الحد فغير لازم لأن قاضي القضاة ما جعل كونه واليا من قبله مقتضيا أن يدرأ عنه الحد و إنما قاله في جواب من أنكر على عمر محبته لدرء الحد عنه فقال إنه غير قبيح و لا يحرم محبة درء الحد عنه لأنه وال من قبله فجعل الولاية للبصرة مسوغة لمحبة عمر لدفع الحد عنه لا مسوغة لدفع الحد عنه و بين الأمرين فرق واضح . و أما قول المرتضى إن الشرع حظر كتمان الشهادة فصحيح فيما عدا الحدود فأما في الحدود فلا و قد ورد

في الخبر الصحيح من رأى على أخيه شيئا من هذه القاذورات و ستر ستره الله يوم يفتضح المجرمون . فأما قول المرتضى هب أن الحد سقط أ ما اقتضت الحال تأديب المغيرة بنوع من أنواع التعزير و إن خف فكلام لازم لا جواب عنه و لو فعله عمر لبرئ من التهمة براءة الذئب من دم يوسف و ما أدري كيف فاته ذلك مع تشدده في الدين و صلابته في السياسة و لعله كان له مانع عن اعتماد ذلك لا نعلمه