الطعن السابع

أنه كان يتلون في الأحكام حتى روي أنه قضى في الجد بسبعين قضية و روي

[ 247 ]

مائة قضية و أنه كان يفضل في القسمة و العطاء و قد سوى الله تعالى بين الجميع و أنه قال في الأحكام من جهة الرأي و الحدس و الظن . أجاب قاضي القضاة عن ذلك فقال مسائل الاجتهاد يسوغ فيها الاختلاف و الرجوع عن رأي إلى رأي بحسب الأمارات و غالب الظن و قد ذكر أن ذلك طريقة أمير المؤمنين ع في أمهات الأولاد و مقاسمة الجد مع الإخوة و مسألة الحرام . قال و إنما الكلام في أصل القياس و الاجتهاد فإذا ثبت ذلك خرج من أن يكون طعنا و قد ثبت أن أمير المؤمنين ع كان يولي من يرى خلاف رأيه كابن عباس و شريح و لا يمنع زيدا و ابن مسعود من الفتيا مع الاختلاف بينه و بينهما . فأما ما روي من السبعين قضية فالمراد به في مسائل من الجد لأن مسألة واحدة لا يوجد فيها سبعون قضية مختلفة و ليس في ذلك عيب بل يدل على سعة علمه . و قال قد صح في زمان الرسول ص مثل ذلك لأنه لما شاور في أمر الأسرى أبا بكر أشار ألا يقتلهم و أشار عمر بقتلهم فمدحهما جميعا فما الذي يمنع من كون القولين صوابا من المجتهدين و من الواحد في حالين . و بعد فقد ثبت أن اجتهاد الحسن ع في طلب الإمامة كان بخلاف اجتهاد الحسين ع لأنه سلم الأمر و تمكنه أكثر من تمكن الحسين ع و لم يمنع ذلك من كونهما ع مصيبين .

[ 248 ]

اعترض المرتضى هذا الجواب فقال لا شك أن التلون في الأحكام و الرجوع من قضاء إلى قضاء إنما يكون عيبا و طعنا إذا أبطل الاجتهاد الذي يذهبون إليه فأما لو ثبت لم يكن ذلك عيبا فأما الدعوى على أمير المؤمنين ع أنه تنقل في الأحكام و رجع من مذهب إلى آخر فإنها غير صحيحة و لا نسلمه و نحن ننازعه فيها و هو لا ينازعنا في تلون صاحبه و تنقله فلم يشتبه الأمران . و أظهر ما روي في ذلك خبر أمهات الأولاد و قد بينا فيما سلف من الكتاب ما فيه و قلنا إن مذهبه في بيعهن كان واحدا غير مختلف و إن كان قد وافق عمر في بعض الأحوال لضرب من الرأي فأما توليته لمن يرى خلاف رأيه فليس ذلك لتسويغه الاجتهاد الذي يذهبون إليه بل لما بيناه من قبل أنه ع كان غير متمكن من اختياره و أنه يجري أكثر الأمور مجراها المتقدم للسياسة و التدبير و هذا السبب في أنه لم يمنع من خالفه في الفتيا . فأما قوله إن السبعين قضية لم تكن في مسألة واحدة و إنما كانت في مسائل من الجد فكلا الأمرين واحد فيما قصدناه لأن حكم الله تعالى لا يختلف في المسألة الواحدة و المسائل فأما أمر الأسارى فإن صح فإنه لا يشبه أحكام الدين المبنية على العلم و اليقين لأنه لا سبيل لأبي بكر و عمر إلى المشورة في أمر الأسارى إلا من طريق الظن و الحسبان و أحكام الدين معلومة و إلى العلم بها سبيل . و ما ادعاه من اجتهاد الحسن بخلاف اجتهاد الحسين ليس على ما ظنه لأن ذلك لم يكن عن اجتهاد و ظن بل كان عن علم و يقين فمن أين له أنهما عملا على الظن فما نراه اعتمد على حجة و من أين له أن تمكن الحسن كان أكثر من تمكن الحسين

[ 249 ]

على أن هذا لو كان على ما قاله لم يحسن من هذا التسليم و من ذاك القتال لأن المقاتل قد يكون مغررا ملقيا بيديه إلى التهلكة و المسالم مضيعا للأمر مفرطا و إذا كان عند صاحب الكتاب التسليم و القتال إنما كانا عن ظن و أمارات فليس يجوز أن يغلب على الظن بأن الرأي في القتال مع ارتفاع أمارات التمكن و لا أن يغلب في الظن المسالمة مع قوة أمارات التمكن . قلت أما القول في صحة الاجتهاد و بطلانه فله مواضع غير هذا الموضع و كذلك القول في تقية الإمام و استصلاحه و فعله ما لا يسوغ لضرب من السياسة و التدبير . و أما مسائل الجد فلم يعترض المرتضى قول قاضي القضاة فيها و أما قاضي القضاة فقد استبعد بل أحال أن تكون مسألة واحدة بعينها تحتمل سبعين حكما مختلفة فحمل الحديث على أن عمر أفتى في باب ميراث الأجداد و الجدات بسبعين فتيا في سبعين مسألة مختلفة الصور و ذلك دليل على علمه و فقهه و تمكنه من البحث في تفاريع المسائل الشرعية هذا هو جواب قاضي القضاة فكيف يعترض بقوله كلا الأمرين واحد فيما قصدناه لأن حكم الله لا يختلف في المسألة الواحدة و المسائل المتعددة أ ليس هذا اعتراض من ظن أن قاضي القضاة قد اعترض بتناقض أحكامه و لكن لا في مسألة بعينها بل في مسائل من باب ميراث الجد و لم يقصد قاضي القضاة ما ظنه و الوجه أن يعترض قاضي القضاة فيقال إن الرواة كلهم اتفقوا على أن عمر تلون تلونا شديدا في الجد مع الإخوة كيف يقاسمهم و هي مسألة واحدة فقضى فيها بسبعين قضية فأخرجوا الرواية مخرج التعجب من تناقض فتاويه و لم يخرج أحد من المحدثين الرواية مخرج المدح له بسعة تفريعه في الفقه و المسائل فلا يجوز صرف الرواية عن الوضع الذي وردت عليه .

[ 250 ]

و قول قاضي القضاة كيف تحتمل مسألة واحدة سبعين وجها جوابه أنه لم يقع الأمر بموجب ما توهمه بل المراد أن قوما تحاكموا إليه في هذه المسألة مثلا اليوم فأفتى فيها بفتيا نحو أن يقول في جد و بنت و أخت للبنت النصف و الباقي بين الجد و الأخت للذكر مثل حظ الأنثيين و هو قول زيد بن ثابت ثم يتحاكم إليه بعد أيام في هذه المسألة بعينها قد وضعت لقوم آخرين فيقول للبنت النصف و للجد السدس و الباقي للأخت و هو المذهب المحكي عن علي ع و ذلك بأن يتغلب على ظنه ترجيح هذه الفتيا على ما كان أفتى به من قبل ثم تقع هذه المسألة بعينها بعد شهر آخر فيفتي فيها بفتيا أخرى فيقول للبنت النصف و الباقي بين الجد و الأخت نصفين و هو مذهب ابن مسعود ثم تقع المسألة بعينها بعد شهر آخر فيقضي فيها بالفتيا الأولى و هي مذهب زيد بأن يعود ظنه مترجحا متغلبا لمذهب زيد ثم تقع المسألة بعينها بعد وقت آخر فيفتي فيها بقول علي ع و هكذا لا تزال المسألة بعينها تقع و أقواله فيها تختلف و هي ثلاثة لا مزيد عليها إلا أنه لا يزال يفتي فيها فتاوى مختلفة إلى أن توفي فأحصيت فكانت سبعين فتيا . فأما احتجاج قاضي القضاة بقصة أسرى بدر فجيد و أما ما اعترض به المرتضى فليس بجيد لأن المسألة من باب الشرع و هو قتل الأسرى أو تخليتهم بالفداء و القتل و إراقة الدم من أهم المسائل الشرعية و قد علم من الشارع شدة العناية بأمر الدنيا فإن كانت أحكام الشرع لا يجوز أن تتلقى و أن يفتي فيها إلا بطريق معلومة و أن الظن و الاجتهاد لا مدخل له في الشرع كما يذهب إليه المرتضى فكيف جاز من رسول الله ص أن يشاور في أحكام شرعية من لا طريق له إلى العلم و إنما قصارى أمره الظن و الاجتهاد و الحسبان و كيف مدحهما جميعا و قد اختلفا و لا بد أن يكون أحدهما مخطئا .

[ 251 ]

و أما قول المرتضى من أين لقاضي القضاة أن ما اعتمده الحسن و الحسين من الكف و الإقدام كان عن الاجتهاد فجيد و جواب صحيح على أصول الإمامية لأنه ليس بمستحيل أن يعتمدا ذلك بوصية سابقة من أبيهما ع . و أما قوله لقاضي القضاة كلامك مضطرب لأنك أسندت ما اعتمداه إلى الاجتهاد ثم قلت و قد كان تمكن الحسن أكثر من تمكن الحسين ع و هذا يؤدي إلى أن أحدهما غرر بنفسه و الآخر فرط في تسليم حقه فليس بجيد و الذي أراده قاضي القضاة الدلالة على جواز الاجتهاد و أنه طريقة المسلمين كلهم و أهل البيت ع و أومأ إلى ما اعتمده الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية و ما اعتمده الحسين من منازعة يزيد الخلافة فعملا فيها بموجب اجتهادهما و ما غلب على ظنونهما من المصلحة و قد كان تمكن الحسن ع في الحال الحاضرة أكثر من تمكن الحسين ع في حاله الحاضرة لأن جند الحسن كان حوله و مطيفا به و هم كما روي مائة ألف سيف و لم يكن مع الحسين ع ممن يحيط به و يسير بمسيره إلى العراق إلا دون مائة فارس و لكن ظنهما في عاقبة الأمر و مستقبل الحال كان مختلفا فكان الحسن يظن خذلان أصحابه عند اللقاء و الحرب و كان الحسين ع يظن نصرة أصحابه عند اللقاء و الحرب فلذلك أحجم أحدهما و أقدم الآخر فقد بان أن قول قاضي القضاة غير مضطرب و لا متناقض