الطعن الثامن

ما روي عن عمر من قوله متعتان كانتا على عهد رسول الله ص أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما و هذا اللفظ قبيح لو صح المعنى فكيف إذ فسد لأنه ليس ممن

[ 252 ]

يشرع فيقول هذا القول و لأنه يوهم مساواة الرسول ص في الأمر و النهي و أن اتباعه أولى من اتباع رسول الله ص . أجاب قاضي القضاة فقال أنه إنما عنى بقوله و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما كراهته لذلك و تشدده فيه من حيث نهى رسول الله ص عنهما بعد أن كانتا في أيامه منبها بذلك على حصول النسخ فيهما و تغير الحكم لأنا نعلم أنه كان متبعا للرسول متدينا بالإسلام فلا يجوز أن نحمل قوله على خلاف ما تواتر من حاله و حكي عن أبي علي أن ذلك بمنزلة أن يقول إني أعاقب من صلى إلى بيت المقدس و إن كان صلي إلى بيت المقدس في حياة رسول الله ص و اعتمد في تصويبه على كف الصحابة عن النكير عنه و ادعى أن أمير المؤمنين ع أنكر على ابن عباس إحلال المتعة و روى عن النبي ص تحريمهما فأما متعة الحج فإنما أراد ما كانوا يفعلون من فسخ الحج لأنه كان يحصل لهم عنده التمتع و لم يرد بذلك التمتع الذي يجري مجرى تقدم العمرة و إضافة الحج إليها بعد ذلك لأنه جائز لم يقع فيه قبح . اعترض المرتضى هذا الكلام فقال ظاهر الخبر المروي عن عمر في المتعتين يبطل هذا التأويل لأنه قال متعتان كانتا على عهد رسول الله ص أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما فأضاف النهي إلى نفسه و لو كان الرسول نهى عنهما لأضاف النهي إليه فكان آكد و أولى فكان يقول فنهى عنهما أو نسخهما و أنا من بعده أنهى عنهما و أعاقب عليهما و ليس يشبه ما ذكره من الصلاة إلى بيت المقدس أن نسخ

[ 253 ]

الصلاة إلى بيت المقدس معلوم ضرورة من دينه ص و ليس كذلك المتعة على أنه لو قال إن الصلاة إلى بيت المقدس كانت في أيام النبي ص جائزة و أنا الآن أنهى عنها لكان قبيحا شنيعا مثل ما استقبحنا من القول الأول و ليس هذا القول منه ردا على الرسول ص لأنه لا يمتنع أن يكون استحسن حظرها في أيامه لوجه لم يكن فيما تقدم و اعتقد أن الإباحة في أيام رسول الله ص كان لها شرط لم يوجد في أيامه و قد روي عنه أنه صرح بهذا المعنى فقال إنما أحل الله المتعة للناس على عهد رسول الله ص و النساء يومئذ قليلة و لذلك روي عنه في متعة الحج أنه قال قد علمت أن رسول الله ص فعلها و أصحابه و لكن كرهت أن يظلوا بها معرسين تحت الأراك ثم يرجعوا بالحج تقطر رءوسهم . و أما اعتماده على الكف عن النكير فقد تقدم أنه ليس بحجة إلا على شرائط شرحناها على أنه قد روي أن عمر قال بعد نهيه عن المتعة لا أوتي بأحد تزوج متعة إلا عذبته بالحجارة و لو كنت تقدمت فيها لرجمت و ما وجدنا أحدا أنكر عليه هذا القول لأن المتمتع عندهم لا يستحق الرجم و لم يدل ترك النكير على صوابه . فأما ادعاؤه على أمير المؤمنين ع أنه أنكر على ابن عباس إحلالها فالأمر بخلافه و عكسه فقد روي عنه ع من طرق كثيرة أنه كان يفتي بها و ينكر على محرمها و الناهي عنها و

روى عمر بن سعد الهمداني عن حبيش بن المعتمر قال سمعت عليا ع يقول لو لا ما سبق من ابن الخطاب في المتعة ما زنى إلا شقي و

روى أبو بصير قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر ع يروي عن جده أمير المؤمنين ع لو لا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلا شقي و قد أفتى بالمتعة

[ 254 ]

جماعة من الصحابة و التابعين كعبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود و جابر بن عبد الله الأنصاري و سلمة بن الأكوع و أبي سعيد الخدري و سعيد بن جبير و مجاهد و غير ما ذكرناه ممن يطول ذكره فأما سادة أهل البيت ع و علماؤهم فأمرهم واضح في الفتيا بها كعلي بن الحسين زين العابدين و أبي جعفر الباقر ع و أبي عبد الله الصادق ع و أبي الحسن موسى الكاظم و علي بن موسى الرضا ع و ما ذكرنا من فتيا من أشرنا إليه من الصحابة بها يدل على أوضح بطلان ما ذكره صاحب الكتاب من ارتفاع النكير لتحريمها لأن مقامهم على الفتيا بها نكير فأما متعة الحج فقد فعلها النبي ص و الناس أجمع من بعده و الفقهاء في أعصارنا هذه لا يرونها خطأ بل صوابا . فأما قول صاحب الكتاب إن عمر إنما أنكر فسخ الحج فباطل لأن ذلك أولا لا يسمى متعة و لأن ذلك ما فعل في أيام النبي ص و لا فعله أحد من المسلمين بعده و إنما هو من سنن الجاهلية فكيف يقول عمر متعتان كانتا على عهد رسول الله ص و كيف يغلظ و يشدد فيما لم يفعل و لا فعل . قلت لا شبهة أن الظاهر من كلام عمر إضافة النهي إلى نفسه لكنا يجب علينا أن نترك ظاهر اللفظ إذا علمنا من قائله ما يوجب صرف اللفظ عن الظاهر كما يعتمده كل أحد في القرائن المقترنة بالألفاظ و المعلوم من حال عمر أنه لم يكن يدعي أنه ناسخ لشريعة

[ 255 ]

الرسول ص و أنه كان متدينا بالإسلام و تابعا للرسول الذي جاء به فوجب أن يحمل كلامه على أنه أراد أنهما كانتا ثم حرمتا ثم أنا الآن أعاقب من فعلهما لأنه قد كان بلغه عن قوم من المسلمين بعد علمهم بالتحريم و قول المرتضى لعله كان اعتقد أن الإباحة أيام رسول الله ص كانت مشروطة بشرط لم يوجد في أيامه قول يبطل طعنه في عمر و يمهد له عذرا و يصير المسألة اجتهادية . و أما طعنه في الاحتجاج على تصويب عمر بترك الإنكار عليه و قوله فهلا أنكروا عليه قوله لا أرى أحدا يستمتع إلا رجمته فليس بطعن مستقيم و إنما يكون طعنا صحيحا لو كان أتى بمتمتع فأمر برجمه فأما أن ينكروا عليه وعيده و تهديده لا لإنسان معين بل كلاما مطلقا و قولا كليا يقصد به حسم المادة في المتعة و تخويف فاعلها فإنه ليس بمحل للإنكار عليه و ما زالت الأئمة و الصالحون يتوعدون بأمر ليس في نفوسهم فعله على طريق التأديب و التهذيب على أن قوما من الفقهاء قد أوجبوا إقامة الحد على المتمتع فلا يمتنع أن يكون عمر ذاهبا إلى هذا المذهب . فأما ما رواه عن أمير المؤمنين ع و عن الطاهرين من أولاده من تحليل المتعة فلسنا في هذا المقام نناكره في ذلك و ننازعه فيها و المسألة فقهية من فروع الشريعة و ليس كتابنا موضوعا لذكره و لا الموضع الذي نحن فيه يقتضي الحجاج فيها و البحث في تحليلها و تحريمها و إنما الموضع موضع الكلام في حال عمر و ما نقل عنه من الكلمة هل يقتضي ذلك الطعن في دينه أم لا . فأما متعة الحج فقد اعتذر لنفسه و قال ما قدمنا ذكره من أن الحج بهاء من بهاء الله و أن التمتع يكسفه و يذهب نوره و رونقه و أنهم يظلون معرسين تحت الأراك ثم

[ 256 ]

يهلون بالحج و رءوسهم تقطر و إذا كان قد اعتذر لنفسه فقد كفانا مئونة الاعتذار