الطعن التاسع

ما روي عنه من قصة الشورى و كونه خرج بها عن الاختيار و النص جميعا و أنه ذم كل واحد بأن ذكر فيه طعنا ثم أهله للخلافة بعد أن طعن فيه و أنه جعل الأمر إلى ستة ثم إلى أربعة ثم إلى واحد قد وصفه بالضعف و القصور و قال إن اجتمع علي و عثمان فالقول ما قالاه و إن صاروا ثلاثة و ثلاثة فالقول للذين فيهم عبد الرحمن و ذلك لعلمه بأن عليا و عثمان لا يجتمعان و أن عبد الرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه و ابن عمه و أنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام و أنه أمر بقتل من يخالف الأربعة منهم أو الذين فيهم عبد الرحمن . أجاب قاضي القضاة عن ذلك فقال الأمور الظاهرة لا يجوز أن يعترض عليها بأخبار غير صحيحة و الأمر في الشورى ظاهر و أن الجماعة دخلت فيها بالرضا و لا فرق بين من قال في أحدهم أنه دخل فيها لا بالرضا و بين من قال ذلك في جميعهم و لذلك جعلنا دخول أمير المؤمنين ع في الشورى أحد ما يعتمد عليه في أن لا نص يدل عليه أنه المختص بالإمامة لأنه قد كان يجب عليه أن يصرح بالنص على نفسه بل يحتاج إلى ذكر فضائله و مناقبه لأن الحال حال مناظرة و لم يكن الأمر مستقرا لواحد فلا يمكن أن يتعلق بالتقية و المتعالم من حاله أنه لو امتنع من هذا الأمر في الشورى أصلا لم يلحقه الخوف فضلا عن غيره و معلوم أن دلالة الفعل أحسن من دلالة القول من حيث كان الاحتمال فيه أقل و المروي أن عبد الرحمن أخذ الميثاق على الجماعة

[ 257 ]

بالرضا بمن يختاره و لا يجب القدح في الأفعال بالظنون بل يجب حملها على ظاهر الصحة دون الاحتمال كما يجب مثله في غيرها و يجب إذا تقدمت للفاعل حالة تقتضي حسن الظن به أن يحمل فعله على ما يطابقها و قد علمنا أن حال عمر و ما كان عليه من النصيحة للمسلمين منع من صرف أمره في الشورى إلى الأغراض التي يظنها أعداؤه فلا يصح لهم أن يقولوا كان مراده في الشورى بأن يجعل الأمر إلى الفرقة التي فيها عبد الرحمن عند الخلاف أن يتم الأمر لعثمان لأنه لو كان هذا مراده لم يكن هناك ما يمنعه من النص على عثمان كما لم يمنع ذلك أبا بكر لأن أمره إن لم يكن أقوى من أمر أبي بكر لم ينقص عنه و ليس ذلك بدعة لأنه إذا جاز في غير الإمام إذا اختار أن يفعل ذلك بأن ينظر في أماثل القوم فيعلم أنهم عشرة ثم ينظر في العشرة فيعلم أن أمثلهم خمسة ثم ينظر في واحد من الخمسة فما الذي يمنع من مثله في الإمام و هو في هذا الباب أقوى اختيارا لأن له أن يختار واحدا بعينه . ثم ذكر أنه إنما حصره في الجماعة الذين انتهى إليهم الفضل و جعله شورى بينهم ثم بين أن الانتقال من الستة إلى الأربعة و من الأربعة إلى الثلاثة لا يكون متناقضا لأن الأقوال مختلفة و ليست واحدة و لو كانت أيضا واحدة لكان كالرجوع و للإمام أن يرجع في مثل ذلك لأنه في حكم الوصية . قال و قولهم أنه كان يعلم أن عثمان و عليا لا يجتمعان و أن عبد الرحمن يميل إلى عثمان قلة دين لأن الأمور المستقبلة لا تعلم و إنما يحصل فيها أمارة قال و الأمارات توجب أنه لم يكن فيهم حرص شديد على الإمامة بل الغالب من حالهم طلب الاتفاق و الائتلاف و الاسترواح إلى قيام الغير بذلك و إنما جعل عمر الأمر إلى عبد الرحمن عند الاختلاف لعلمه بزهده في الأمر و أنه لأجل ذلك أقرب أن يتثبت لأن الراغب

[ 258 ]

عن الشي‏ء يحصل له من التثبت ما لا يحصل للراغب فيه و من كانت هذه حاله كان القوم إلى الرضا به أقرب . و حكي عن أبي علي أن المخادعة إنما تظن بمن قصده في الأمور طريق الفساد و عمر بري‏ء من ذلك . قال و الضعف الذي وصف به عبد الرحمن إنما أراد به الضعف عن القيام بالإمامة لا ضعف الرأي و لذلك رد الاختيار و الرأي إليه و حكي عن أبي علي ضعف ما روي من أمره بضرب أعناق القوم إذا تأخروا عن البيعة و أن ذلك لو صح لأنكره القوم و لم يدخلوا في الشورى بهذا الشرط ثم تأوله إذ سلم صحته على أنهم إن تأخروا عن البيعة على سبيل شق العصا و طلب الأمر من غير وجهه و قال و لا يمتنع أن يقول ذلك على طريق التهديد و إن بعد عنده أن يقدموا عليه كما قال تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . اعترض المرتضى هذا الكلام فقال إن الذي رتبه عمر في قصة الشورى من ترتيب العدد و اتفاقه و اختلافه يدل أولا على بطلان مذهب أصحاب الاختيار في عدد العاقدين للإمامة و أنه يتم بعقد واحد لغيره برضا أربعة و أنه لا يتم بدون ذلك فإن قصة الشورى تصرح بخلاف هذا الاعتبار فهذا أحد وجوه المطاعن فيها . و من جملتها أنه وصف كل واحد منهم بوصف زعم أنه يمنع من الإمامة ثم جعل الأمر فيمن له تلك الأوصاف و قد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال قال عمر لا أدري ما أصنع بأمة محمد ص و ذلك قبل أن يطعن فقلت و لم تهتم و أنت تجد من تستخلفه

[ 259 ]

عليهم قال أ صاحبكم يعني عليا قلت نعم هو لها أهل في قرابته من رسول الله ص و صهره و سابقته و بلائه قال إن فيه بطالة و فكاهة فقلت فأين أنت من طلحة قال فأين الزهو و النخوة قلت عبد الرحمن قال هو رجل صالح على ضعف فيه قلت فسعد قال ذاك صاحب مقنب و قتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها قلت فالزبير قال وعقة لقس مؤمن الرضا كافر الغضب شحيح و إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف رفيق في غير ضعف و جواد في غير سرف قلت فأين أنت من عثمان قال لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس و لو فعلها لقتلوه . و قد يروى من غير هذا الطريق أن عمر قال لأصحاب الشورى روحوا إلي فلما نظر إليهم قال قد جاءني كل واحد منهم يهز عفريته يرجو أن يكون خليفة أما أنت يا طلحة أ فلست القائل إن قبض النبي ص أنكح أزواجه من بعده فما جعل الله محمدا أحق ببنات أعمامنا منا فأنزل الله تعالى فيك وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً و أما أنت يا زبير فو الله ما لان قلبك يوما و لا ليلة و ما زلت جلفا جافيا و أما أنت يا عثمان فو الله لروثة خير منك و أما أنت يا عبد الرحمن فإنك رجل عاجز تحب قومك جميعا و أما أنت يا سعد فصاحب عصبية و فتنة و أما أنت يا علي فو الله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم فقام علي موليا يخرج فقال عمر و الله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموه

[ 260 ]

أمركم لحملكم على المحجة البيضاء قالوا من هو قال هذا المولي من بينكم قالوا فما يمنعك من ذلك قال ليس إلى ذلك سبيل . و في خبر آخر رواه البلاذري في تاريخه أن عمر لما خرج أهل الشورى من عنده قال إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق فقال عبد الله بن عمر فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين قال أكره أن أتحملها حيا و ميتا . فوصف كما ترى كل واحد من القوم بوصف قبيح يمنع من الإمامة ثم جعلها في جملتهم حتى كان تلك الأوصاف تزول في حال الاجتماع و نحن نعلم أن الذي ذكره إن كان مانعا من الإمامة في كل واحد على الانفراد فهو مانع من الاجتماع مع أنه وصف عليا ع بوصف لا يليق به و لا ادعاه عدو قط بل هو معروف بضده من الركانة و البعد عن المزاح و الدعابة و هذا معلوم ضرورة لمن سمع أخباره ع و كيف يظن به ذلك و قد روي عن ابن عباس أنه قال كان أمير المؤمنين علي ع إذا أتى هبنا أن نبتدئه بالكلام و هذا لا يكون إلا من شدة التزمت و التوقر و ما يخالف الدعابة و الفكاهة . و مما تضمنته قصة الشورى من المطاعن أنه قال لا أتحملها حيا و ميتا و هذا إن كان علة عدوله عن النص إلى واحد بعينه فهو قول متلمس متخلص لا يفتات على الناس في آرائهم ثم نقض هذا بأن نص على ستة من بين العالم كله ثم رتب العدد ترتيبا مخصوصا يؤول إلى أن اختيار عبد الرحمن هو المقدم و أي شي‏ء يكون من التحمل أكثر من هذا و أي فرق بين أن يتحملها بأن ينص على واحد بعينه و بين أن يفعل ما فعله من الحصر و الترتيب .

[ 261 ]

و من جملة المطاعن أنه أمر بضرب الأعناق إن تأخروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيام و معلوم أنهم بذلك لا يستحقون القتل لأنهم إذا كانوا إنما كلفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الإمام فربما طال زمان الاجتهاد و ربما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض فأي معنى للأمر بالقتل إذا تجاوزوا الأيام الثلاثة ثم أنه أمر بقتل من يخالف الأربعة و من يخالف العدد الذي فيه عبد الرحمن و كل ذلك مما لا يستحق به القتل . فأما تضعيف أبي علي لذكر القتل فليس بحجة مع أن جميع من روى قصة الشورى روى ذلك و قد روى الطبري ذلك في تاريخه و غيره . فأما تأوله الأمر بالقتل على أن المراد به إذا تأخروا على طريق شق العصا و طلب الأمر من غير وجهه فبعيد من الصواب لأنه ليس في ظاهر الخبر ذلك و لأنهم إذا شقوا العصا و طلبوا الأمر من غير وجهه من أول يوم وجب أن يمنعوا و يقاتلوا فأي معنى لضرب الأيام الثلاثة أجلا . فأما تعلقه بالتهديد فكيف يجوز أن يتهدد الإنسان على فعل بما لا يستحقه و إن علم أنه لا يعزم عليه . فأما قوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فيخالف ما ذكر لأن الشرك يستحق به إحباط الأعمال و ليس يستحق بالتأخير عن البيعة القتل . فأما ادعاء صاحب الكتاب أن الجماعة دخلوا في الشورى على سبيل الرضا و أن عبد الرحمن أخذ عليهم العهد أن يرضوا بما يفعله فمن قرأ قصة الشورى على وجهها و عدل عما تسوله النفس من بناء الأخبار على المذاهب علم أن الأمر بخلاف ما ذكر و قد روى الطبري في تاريخه عن أشياخه من طرق مختلفة أن أمير المؤمنين ع قال حين خرج من عند عمر بعد خطابه للجماعة بما تقدم ذكره لقوم كانوا معه من بني هاشم إن طمع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا و تلقاه العباس بن عبد المطلب

[ 262 ]

فقال يا عم عدلت عنا قال و ما علمك قال قرن بي عثمان و قال كونوا مع الأكثر و إن رضي رجلان رجلا و رجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن و عبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن فلو كان الآخران معي لم ينفعاني بله أني لا أرجو إلا أحدهما فقال له العباس لم أدفعك عن شي‏ء إلا رجعت إلى مستأخرا أشرت عليك عند وفاة رسول الله ص أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت و أشرت عليك عند وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت و أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت فاحفظ علي واحدة كلما عرض عليك القوم فقل لا إلا أن يولوك و احذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا و غيرهم و ايم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير

فقال علي ع أما و الله لئن بقي عمر لأذكرنه ما أتى إلينا و لئن مات ليتداولنها بينهم و لئن فعلوا ليجدنني حيث يكرهون ثم تمثل

حلفت برب الراقصات عشية
غدون خفافا فابتدرن المحصبا
ليحتلبن رهط ابن يعمر مارئا
نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا

فالتفت فرأى أبا طلحة الأنصاري فكره مكانه فقال أبو طلحة لا ترع أبا حسن . قال المرتضى فإن قال قائل أي معنى لقول العباس إني دعوتك إلى أن تسأل رسول الله ص فيمن هذا الأمر من قبل وفاته أ ليس هذا مبطلا لما تدعونه من النص . قلنا غير ممتنع أن يريد العباس سؤاله عمن يصير الأمر إليه و ينتقل إلى يديه

[ 263 ]

لأنه قد يستحقه من لا يصل إليه و قد يصل إلى من لا يستحقه و ليس يمتنع أن يريد إنما كنا نسأله ص إعادة النص قبل الموت ليتجدد و يتأكد و يكون لقرب العهد إليه بعيدا من أن يطرح . فإن قيل أ ليس قد أنكرتم على صاحب الكتاب من التأويل بعينه فيما استعمله من الرواية عن أبي بكر من قوله ليتني كنت سألت رسول الله ص هل للأنصار في هذا الأمر حق . قلنا إنما أنكرناه في ذلك الخبر لأنه لا يليق به من حيث قال فكنا لا ننازعه أهله و هذا قول من لا علم له بأنه ليس للأنصار حق في الإمامة و من كان يرجع في أن لهم حقا في الأمر أو لا حق لهم فيه إلى ما يسمعه مستأنفا و ليس هذا في الخبر الذي ذكرناه . و

روى العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده في إسناده أن أمير المؤمنين ع شكا إلى العباس ما سمع من قول عمر كونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف و قال و الله لقد ذهب الأمر منا قال و كيف قلت ذلك يا ابن أخي قال إن سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن و عبد الرحمن نظير عثمان و صهره فأحدهما يختار لصاحبه لا محالة و إن كان الزبير و طلحة معي فلن أنتفع بذلك إذا كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين . قال ابن الكلبي عبد الرحمن زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و أمها أروى بنت كريز و أروى أم عثمان فلذلك قال صهره . و في رواية الطبري أن عبد الرحمن دعا عليا ع فقال عليك عهد الله

[ 264 ]

و ميثاقه لتعملن بكتاب الله و سنة رسوله و سيرة الخليفتين فقال أرجو أن أفعل و أعمل بمبلغ علمي و طاقتي . و

في خبر آخر عن أبي الطفيل أن عبد الرحمن قال لعلي ع هلم يدك خذها بما فيها على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر فقال آخذها بما فيها على أن أسير فيكم بكتاب الله و سنة نبيه جهدي فترك يده و قال هلم يدك يا عثمان أ تأخذها بما فيها على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر قال نعم قال هي لك يا عثمان و

في رواية الطبري أنه قال لعثمان مثل قوله لعلي فقال نعم فبايعه فقال علي ع ختونة حنت دهرا و

في خبر آخر نفعت الختونة يا ابن عوف ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ و الله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك و الله كل يوم هو في شأن و

في غير رواية الطبري أن عبد الرحمن قال له لقد قلت ذلك لعمر فقال ع أ و لم يكن ذلك كما قلت و

روى الطبري أن عبد الرحمن قال لا تجعلن يا علي على نفسك سبيلا فإني نظرت و شاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان فقام علي ع و هو يقول سيبلغ الكتاب أجله و

في رواية الطبري أن الناس لما بايعوا عثمان تلكأ علي ع فقال عثمان فمن نكث فإنما ينكث على نفسه و من أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا

[ 265 ]

عظيما فرجع علي ع حتى بايعه و هو يقول خدعة و أي خدعة . و روى البلاذري في كتابه عن ابن الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف في إسناد له أن عليا ع لما بايع عبد الرحمن عثمان كان قائما فقال له عبد الرحمن بايع و إلا ضربت عنقك و لم يكن يومئذ مع أحد سيف غيره فخرج علي مغضبا فلحقه أصحاب الشورى فقالوا له بايع و إلا جاهدناك فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان . قال المرتضى فأي رضا هاهنا و أي إجماع و كيف يكون مختارا من تهدد بالقتل و بالجهاد و هذا المعنى و هو حديث ضرب العنق لو روته الشيعة لتضاحك المخالفون منه و تغامزوا و قالوا هذا من جملة ما تدعونه من المحال و تروونه من الأحاديث و قد أنطق الله به رواتهم و أجراه على أفواه ثقاتهم و لقد تكلم المقداد في ذلك اليوم بكلام طويل يفند فيه ما فعلوه من بيعة عثمان و عدولهم بالأمر عن أمير المؤمنين إلى أن قال له عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة ثم إن المقداد قام فأتى عليا فقال أ تقاتل فنقاتل معك فقال علي فبمن أقاتل و تكلم أيضا عمار فيما رواه أبو مخنف فقال يا معشر قريش أين تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم تحولونه هاهنا مرة و هاهنا مرة أما و الله ما أنا بآمن أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما انتزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله فقال له هشام بن الوليد يا ابن سمية لقد عدوت طورك و ما عرفت قدرك و ما أنت و ما رأته قريش لأنفسها إنك لست في شي‏ء من أمرها و إمارتها فتنح عنها و تكلمت قريش بأجمعها و صاحت بعمار و انتهرته فقال الحمد لله ما زال أعوان الحق قليلا .

روى أبو مخنف أيضا أن عمارا قال هذا البيت ذلك اليوم

[ 266 ]

يا ناعي الإسلام قم فانعه
قد مات عرف و أتى منكر

أما و الله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم و قال أمير المؤمنين ع لئن قاتلتهم بواحد لأكونن ثانيا فقال و الله ما أجد عليهم أعوانا و لا أحب أن أعرضكم لما لا تطيقون و

روى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال دخلت على علي ع و كنت حاضرا بالمدينة يوم بويع عثمان فإذا هو واجم كئيب فقلت ما أصاب قوم صرفوا هذا الأمر عنكم فقال صبر جميل فقلت سبحان الله إنك لصبور قال فاصنع ما ذا قلت تقوم في الناس خطيبا فتدعوهم إلى نفسك و تخبرهم أنك أولى بالنبي ص بالعمل و السابقة و تسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك فإن أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المائة فإن دانوا لك كان ما أحببت و إن أبوا قاتلتهم فإن ظهرت عليهم فهو سلطان الله آتاه نبيه ص و كنت أولى به منهم إذ ذهبوا بذلك فرده الله إليك و إن قتلت في طلبه فقتلت شهيدا و كنت أولى بالعذر عند الله تعالى في الدنيا و الآخرة فقال ع أ و تراه كان تابعي من كل مائة عشرة قلت لأرجو ذلك قال لكني لا أرجو و لا و الله من المائة اثنين و سأخبرك من أين ذلك إن الناس إنما ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمد ص و قبيلته و إن قريشا تنظر إلينا فتقول إن لهم بالنبوة فضلا على سائر قريش و إنهم أولياء هذا الأمر دون قريش و الناس و إنهم إن ولوه لم يخرج هذا السلطان منهم إلى أحد أبدا و متى كان في غيرهم تداولتموه بينكم فلا و الله لا تدفع قريش إلينا هذا السلطان طائعة أبدا قلت أ فلا أرجع إلى المصر فأخبر الناس بمقالتك هذه و أدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذلك فرجعت فكلما ذكرت للناس شيئا من فضل علي زبروني

[ 267 ]

و نهروني حتى رفع ذلك من أمري للوليد بن عقبة فبعث إلي فحبسني . قال و هذه الجملة التي أوردناها قليل من كثير في أن الخلاف كان واقما و الرضا كان مرتفعا و الأمر إنما تم بالحيلة و المكر و الخداع و أول شي‏ء مكر به عبد الرحمن أنه ابتدأ فأخرج نفسه من الأمر ليتمكن من صرفه إلى من يريد و ليقال أنه لو لا إيثاره الحق و زهده في الولاية لما أخرج نفسه منها ثم عرض على أمير المؤمنين ع ما يعلم أنه لا يجيب إليه و لا تلزمه الإجابة إليه من السير فيهم بسيرة الرجلين و علم أنه ع لا يتمكن من أن يقول إن سيرتهما لا تلزمني لئلا ينسب إلى الطعن عليهما و كيف يلزم سيرتهما و كل واحد منهما لم يسر بسيرة الآخر بل اختلفا و تباينا في كثير من الأحكام هذا بعد أن قال لأهل الشورى وثقوا إلي من أنفسكم بأنكم ترضون باختياري إذا أخرجت نفسي فأجابوه على ما رواه أبو مخنف بإسناده إلى ما عرض عليهم إلا أمير المؤمنين ع فإنه قال انظر لعلمه بما يجر هذا المكر حتى أتاهم أبو طلحة فأخبره عبد الرحمن بما عرض و ما جاء به القوم إياه إلا عليا فأقبل أبو طلحة على علي ع فقال يا أبا الحسن إن أبا محمد ثقة لك و للمسلمين فما بالك تخافه و قد عدل بالأمر عن نفسه فلن يتحمل المأثم لغيره فأحلف علي ع عبد الرحمن بما عرض ألا يميل إلى الهوى و أن يؤثر الحق و يجتهد للأمة و لا يحابي ذا قرابة فحلف له و هذا غاية ما يتمكن منه أمير المؤمنين ع في الحال لأن عبد الرحمن لما أخرج نفسه من الأمر و ظنت به الجماعة الخير و فوضت إليه الاختيار لم يقدر أمير المؤمنين ع على أن يخالفهم و ينقض ما اجتمعوا عليه فكان أكثر ما تمكن منه أن أحلفه و صرح بما يخافه من جهته من الميل إلى الهوى و إيثار القرابة غير أن ذلك كله لم يغن شيئا .

[ 268 ]

قال و أما قول صاحب الكتاب أن دخوله في الشورى دلالة على أنه لا نص عليه بالإمامة و لو كان عليه نص لصرح به في تلك الحال و كان ذكره أولى من ذكر الفضائل و المناقب فإن المانع من ذكر النص كونه يقتضي تضليل من تقدم عليه و تفسيقهم و ليس كذلك تعديد المناقب و الفضائل . و أما دخوله ع في الشورى فلو لم يدخل فيها إلا ليحتج بما احتج به من مقاماته و فضائله و درايته و وسائله إلى الإمامة و بالأخبار الدالة عندنا عليها على النص و الإشارة بالإمامة إليه لكان غرضا صحيحا و داعيا قويا و كيف لا يدخل في الشورى و عندهم أن واضعها قد أحسن النظر للمسلمين و فعل ما لم يسبق إليه من التحرز للدين . فأول ما كان يقال له لو امتنع منها إنك مصرح بالطعن على واضعها و على جماعة المسلمين بالرضا بها و ليس طعنك إلا لأنك ترى أن الأمر لك و أنك أحق به فيعود الأمر إلى ما كان ع يخافه من تفرق الكلمة و وقوع الفتنة . قال و في أصحابنا القائلين بالنص من يقول إنه ع إنما دخل في الشورى لتجويزه أن ينال الأمر منها و عليه أن يتوصل إلى ما يلزمه القيام به من كل وجه يظن أن يوصله إليه . قال و قول صاحب الكتاب إن التقية لا يمكن أن يتعلق بها لأن الأمر لم يكن استقر لواحد طريف لأن الأمر و إن لم يكن في تلك الحال مستقرا لأحد فمعلوم أن الإظهار بما يطعن في المتقدمين من ولاة الأمر لا يمكن منه و لا يرضى به و كذلك

[ 269 ]

الخروج مما يتفق أكثرهم عليه و يرضى جمهورهم به و لا يقرون أحدا عليه بل يعدونه شذوذا عن الجماعة و خلافا على الأمة . فأما قوله إن الأفعال لا يقدح فيها بالظنون بل يجب أن تحمل على ظاهر الصحة و إن الفاعل إذا تقدمت له حالة تقتضي حسن الظن به يجب أن تحمل أفعاله على ما يطابقها فإنا متى سلمنا له بهذه المقدمة لم يتم قصده فيها لأن الفعل إذا كان له ظاهر وجب أن يحمل على ظاهره إلا بدليل يعدل بنا عن ظاهره كما يجب مثله في الألفاظ و قد بينا أن ظاهر الشورى و ما جرى فيها يقتضي ما ذكرناه للأمارات اللائحة و الوجوه الظاهرة فما عدلنا عن ظاهر إلى محتمل بل المخالف هو الذي يسومنا أن نعدل عن الظاهر فأما الفاعل و ما تقدم له من الأحوال فمتى تقدم للفاعل حالة تقتضي أن يظن به الخير من غير علم و لا يقين فلا بد أن يؤثر فيها و يقدح أن يرى له حالة أخرى تقتضي ظن القبيح به لدلالة ظاهرها على ذلك و ليس لنا أن نقضي بالأولى على الثانية و هما جميعا مظنونتان لأن ذلك بمنزلة أن يقول قائل اقضوا بالثانية على الأولى و ليس كذلك إذا تقدمت للفاعل حالة تقتضي بالخير منه ثم تليها حالة تقتضي ظن القبيح به لأنا حينئذ نقتضي بالعلم على الظن و نبطل حكمه لمكان العلم و إذا صحت هذه الجملة فما تقدمت لمن ذكر حالة تقتضي العلم بالخير و إنما تقدم ما يقتضي حسن الظن فليس لنا إلا نسي‏ء الظن به عند ظهور أمارات سوء الظن لأن كل ذلك مظنون غير معلوم . و قوله لو أراد ذلك ما منعه من أن ينص على عثمان مانع كما لم يمنع ذلك أبا بكر من النص عليه فليس بشي‏ء لأنه قد فعل ما يقوم مقام النص على من أراد إيصاله إليه و صرفه عمن أراد أن يصرفه عنه من غير شناعة التصريح و حتى لا يقال فيه ما قيل في أبي بكر و يراجع في قصته كما روجع أبو بكر و لم يتعسف أبعد الطريقين و غرضه يتم من أقربهما .

[ 270 ]

قال فأما بيان صاحب الكتاب أن الانتقال من الستة إلى الأربعة في الشورى و من الأربعة إلى الثلاثة لا يكون تناقضا فهو رد على من زعم أن ذلك تناقض و ليس من هذا الوجه طعنا بل قد بينا وجوه المطاعن و فصلناها . و أما قوله إن الأمور المستقبلة لا تعلم و إنما يحصل فيها أمارة ردا على من قال إن عمر كان يعلم أن عليا ع و عثمان لا يجتمعان و أن عبد الرحمن يميل إلى عثمان فكلام في غير موضعه لأن المراد بذلك الظن لا العلم و إن عبر عن الظن بالعلم على طريقه في الاستعمال معروفة لا يتناكرها المتكلمون و لعل صاحب الكتاب قد استعمل العلم في موضع الظن فيما لا يحصى كثرة من كتابه هذا و غيره و قد بينا فيما ذكرناه من رواية الكلبي عن أبي مخنف أن أمير المؤمنين ع أول من سبق إلى هذا المعنى في قوله للعباس شاكيا إليه ذهب و الله الأمر منا لأن سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن و عبد الرحمن صهر عثمان فأحدهما مختار لصاحبه لا محالة و إن كان الزبير و طلحة معي فلن أنتفع بذلك إذا كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين فأما قوله إن عبد الرحمن كان زاهدا في الأمر و الزاهد أقرب إلى التثبت فقد بينا وجه إظهاره الزهد فيه و أنه جعله الذريعة إلى مراده . فأما قول صاحب الكتاب إن الضعف الذي وصفه به إنما أراد به الضعف عن القيام بالإمامة لا ضعف الرأي فهب أن الأمر كذلك أ ليس قد جعله أحد من يجوز أن يختار للإمامة و يفوض إليه مع ضعفه عنها و هذا بمنزلة أن يصفه بالفسق ثم يدخله في جملة القوم لأن الضعف عن الإمامة مانع منها كما أن الفسق كذلك .

[ 271 ]

قلت الكلام في الشورى و المطاعن فيها طويل جدا و قد ذكرت من ذلك في كتبي الكلامية و تعليقاتي ما قاله الناس و ما لم أسبق إليه و لا يحتمل هذا الكتاب الإطالة باستقصاء ذلك لأنه ليس بكتاب حجاج و نظر و لكني أذكر منه نكتا يسيرة فأقول إن كانت أفعال عمر و أقواله قد تناقضت في واقعة الشورى كما زعم المرتضى رحمه الله فكذلك أفعال أمير المؤمنين إن كان منصوصا عليه كما تقوله الإمامية قد تناقضت أيضا أما أولا فإن كان منصوصا عليه فكيف أدخل نفسه في الشورى المبنية على صحة الاختيار و عدم النص أ ليس هذا إيهاما ظاهرا لأكثر المسلمين خصوصا الضعفة منهم و من لا نظر له في دقائق الأمور عنده أنه غير منصوص عليه فكيف يجوز له إضلال المكلفين و أن يوقع في نفوسهم عدم النص مع كون النص كان حاصلا . و أما عذر المرتضى عن هذا بأنه دخل في الشورى ليتمكن من الاحتجاج على أهل الشورى بمقاماته و فضائله فيقال له قد كان الدهر الأطول مخالطا لأهل الشورى و غيرهم مجتمعا معهم في المسجد و غيره من مواطن كل يوم بل كل ساعة فلا يجوز أن يقال دخل ليضمه و إياهم أو يظلهم سقف فيتمكن بذلك من ذكر مقاماته و فضائله بينهم لأن العاقل لا يجوز أن يرتكب أمرا يوهم القبيح ليفعل فعلا قد كان من قبله بثلاث عشرة سنة متمكنا من أن يفعله من غير أن يرتكب ذلك الأمر الموهم للقبيح و ليت شعري من الذي كان يمنعه أيام أبي بكر و عمر من أن يذكر مقاماته و فضائله و يفتخر بها و لم أنفك ع من ذكر فضائله و الفخر بمناقبه في تلك المدة الطويلة و قد كان عمر و هو المعروف المشهور بالغلظة و الفظاظة يذكر فضائله و يعترف بها فلست أرى لعذر المرتضى أصلا بهذا الوجه أو معنى .

[ 272 ]

فأما عذره الثاني عن دخوله في الشورى بقوله لو لم يدخل فيها لقيل له إنك قد طعنت على واضع الشورى و ليس ذلك إلا لأنك ترى الأمر لك فليس بعذر جيد لأنه لو امتنع من الدخول فيها على وجه الزهد و قلة الالتفات إلى الولاية و الإعراض عن السلطان و الإمرة لما نسبه أحد إلى ما ذكره المرتضى أصلا و لقال الناس رجل زاهد لا يريد الدنيا و لا يرغب في الرئاسة ثم ما المانع من أن يقول لعمر و هو حي نشدتك الله لا تدخلني فيها فإني لا أريدها و لا أوثرها أ تراه كان في جواب هذا الكلام يأمر بقتله و يقول له إنما امتناعك لأنك تدعي أن رسول الله ص نص عليك فلا ترى أخذ الأمر من جهتي و توليه من طريقي و إنما تريده بمحض النص الأول لا غير ما أظن أن عاقلا يخطر له أن ذلك كان يكون فهذا العذر بارد لا معنى له كالعذر الأول . فأما عذره الثالث و هو قوله إنه كان يجب عليه أن يتوصل إلى القيام بالأمر بكل طريق لأنه يلزمه القيام به فعذر جيد لا بأس به . و أما ثانيا فيقال للمرتضى هب إنا نزلنا عن الدخول في الشورى هلا عرض للجماعة و هم مجتمعون و هو يعد لهم مناقبه و فضائله بذكر النص و ذلك بأن يكنى عنه كناية لطيفة فيقول لهم قد كان من رسول الله ص بالأمس في حقي ما تعلمون أ تراهم كانوا في جواب هذه الكلمة يقتلونه ما أظن أنهم كانوا يجتمعون على ذلك و لا بد لو عرض بشي‏ء من ذلك كان من كلام يدور بينهم في المعنى نحو أن يقولوا إن ذلك النص رجع عنه رسول الله ص أو يقولوا رأى المسلمون تركه للمصلحة أو يجري بينه و بينهم جدال و نزاع و لم يكن هناك خليفة يخاف جانبه و إنما كان مجلس مناظرة و بحث و لم يستقر الأمر لأحد . و قول المرتضى إنه و إن كان كذلك إلا أنهم كانوا لا يرضون أن يطعن في المتقدمين

[ 273 ]

منهم و يكرهون منه ذلك و لا يقرونه عليه و يعدونه شذوذا له عن الجماعة و خلافا للأمة قول صحيح إذا كان القائل يقوله على وجه شق العصا و المنابذة و كشف القناع و إذا قاله على وجه الاستعطاف لهم و الإذكار بما عساهم نسوة و حسن التلطف و الرفق بهم و الاستمالة لهم و تذكيرهم حقوق رسول الله ص و ميثاقه الذي واثقهم به فإنه لا يقع منهم في مقابلة ذلك قتله و لا قطع عضو من أعضائه و لا إقامة الحد عليه و أقصى ما في الباب أنهم كانوا يردون ذلك عليه بكلام مثل كلامه و يجيبونه بجواب يناسب جوابه و يدفعونه عما يرومه بوجه من وجوه الدفع إن كانوا مقيمين على الإصرار على غصب الحق منه . و أما ثالثا فإن كان ع كما تقوله الإمامية منصوصا عليه فما الذي منعه لما قال له عبد الرحمن أبايعك على أن تسير فينا بسيرة الشيخين أن يقول نعم فإنه لو قال نعم لبايعه عبد الرحمن و وصل إلى الأمر الذي يلزمه القيام به و إلى الحال التي كان يتوصل بكل طريق إلى الوصول إليها . و قول المرتضى إن سيرتهما كانت مختلفة لأن أحدهما حكم بكثير مما حكم الآخر بضده ليس بجيد لأن السيرة التي كان عبد الرحمن يطلبها ذلك اليوم هو الأمر الكلي في إيالة الرعية و سياستهم و جباية الفي‏ء و ظلف الوالي نفسه و أهله عنه و صرفه إلى المسلمين و رم الأمور و جمع العمال و قهر الظلمة و إنصاف المظلومين و حماية البيضة و تسريب الجيوش إلى بلاد الشرك هذه هي السيرة التي كان عبد الرحمن يشترطها و هي التي طلبها الناس بعد ذلك فقالوا لمعاوية في آخر أيامه و لعبد الملك و لغيرهما و صاحوا بهم تحت المنابر نطلب سيرة العمرين و لم يريدوا في الأحكام و الفتاوي الشرعية نحو القول في الجد مع الإخوة

[ 274 ]

و القول في الكلالة و القول في أمهات الأولاد فما أعلم الذي منع أمير المؤمنين ع من أن يقول لعبد الرحمن نعم فيأخذها ثم كان إذا أخذها أقدر الناس على هذه السيرة و أقواهم عليها فوا عجبا بينا هو يطلب الخلافة أشد الطلب فإذا هو ناكص عنها و قد عرضت عليه على أمر هو قيم به و لهذا كان الرأي عندي أن يدخل فيها حينئذ و من الذي كان يناظره بعد ذلك و يجادله فيقول قد أخللت بشي‏ء من سيرة أبي بكر و عمر كلا إن السيف لضاربه و الأمر لمالكه و الرعية أتباع و الحكم لصاحب السلطان منهم . و من العجب أن يقول المرتضى إنه لأجل التقية وافق على الرضا بالشورى فهلا اتقى القوم و قد ذكروا له سيرة الشيخين فأباها و كرهها و من كان يخاف على نفسه أن لو أظهر الزهد في الخلافة و الرغبة عن الدخول في أمر الشورى كيف لم يخف على نفسه و قد ذكرت له سيرة الشيخين فتركها و لم يوافق عليها و قال لا بل على أن أجتهد رأيي . و أما قول المرتضى إنه وصف القوم بصفات تمنع من الإمامة ثم عينهم للإمامة فنقول في جوابه أن تلك الصفات لا تمنع من الإمامة بالكلية بل هي صفات تنقص في الجملة أي لو لم تكن هذه الصفات فيهم لكانوا أكمل أ لا ترى أنه قال في عبد الرحمن رجل صالح على ضعف فيه فذكر أن فيه ضعفا يسيرا لأنه لو كان يرى ضعفه مانعا من الإمامة لقال ضعيف عنها جدا أو لا يصلح لها لضعفه و كذلك قوله في أمير المؤمنين فيه فكاهة لأن ذلك لا يمنع من الإمامة و لا زهو طلحة و نخوته و لا ما وصف به الزبير من أنه شديد السخط وقت غضبه و أنه بخيل و لا توليه الأقارب على رقاب الناس إذا لم يكونوا فساقا و أقوى عيب ذكره ما عاب به سعدا في قوله صاحب

[ 275 ]

مقنب و قتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها و يجوز أن يكون قال ذلك على سبيل المبالغة في استصلاحه لأن يكون صاحب جيش يقاتل به بين يدي الإمام و أنه ليس له دربة و نظر في تدبير البلاد و الأطراف و جباية أموالها أ لا تراه كيف قال لا يقوم بقرية و يجوز أن يلي الخلافة من هذه حاله و يستعين في أمر العباد و البلاد و جباية الأموال بالكفاة الأمناء فأما الرواية الأخرى التي قال فيها لعثمان لروثة خير منك فهي من روايات الشيعة و لسنا نعرفها من كتب غيرهم . فأما قوله كيف قال لا أتحملها حيا و ميتا فحصر الخلافة في العدد المخصوص ثم رتبها ذلك الترتيب إلى أن آلت إلى اختيار عبد الرحمن وحده فنقول في جوابه أنه كان يحب إلا يستقل وحده بأمر الخلافة و أن يشاركه في ذلك غيره من صلحاء المهاجرين ليكون أعذر عند الله تعالى و عند الناس و إذا كان قد وضع الشورى على ذلك الوضع المخصوص فلم يتحملها استقلالا بل شركه فيها غيره فهو أقل لتحمله أمرها لو كان عين على واحد بعينه . و أما حديث القتل فليس مراده إلا شق العصا و مخالفة الجماعة و التوثب على الأمر مغالبة . و قول المرتضى لو كان ذلك من أول يوم لوجب أن يمنع فاعله و يقاتل فأي معنى لضرب الأيام الثلاثة أجلا فإنه يقال له إن الأجل المذكور لم يضرب لقتل من يشق العصا و إنما ضرب لإبرامهم الأمر و فصله قبل أن تتطاول الأيام بهم و يتسامع من بعد عن دار الهجرة أن الخليفة قد قتل و أنهم مضطربون إلى الآن لم يقيموا لأنفسهم خليفة بعده فيطمع أهل الفساد و الدعارة و لا يؤمن وقوع الفتن

[ 276 ]

و لا يؤمن أيضا أن يسترد الروم و فارس بلادا قد كان الإسلام استولى عليها لأن عدم الرئيس مطمع للعدو في ملكه و رعيته . فأما الأخبار و الآثار التي ذكرها المرتضى في مبايعة علي ع لعثمان و أنه كان مكرها عليها أو كالمكره و أن الرضا كان مرتفعا و الخلاف كان واقعا فكلام في غير موضعه لأن قاضي القضاة لم ينح بكلامه هذا النحو و لا قصد هذا القصد ليناقضه بما رواه و أسنده من الأخبار و الآثار و لا هذا الموضع من كتاب المغني موضع الكلام في بيعة عثمان و صحتها و وقوع الرضا بها فيطعن المرتضى في ذلك بما رواه من الأخبار و الآثار الدالة على تهضم القوم لأمير المؤمنين ع و أصحابه و شيعته و تهددهم و إنما الرضا الذي أشار إليه قاضي القضاة فهو رضا أمير المؤمنين ع بأن يكون في جملة أهل الشورى لأن هذا الباب من كتاب المغني هو باب نفي المطاعن عن عمر و قد تقدم ذكر كثير منها . ثم انتهى إلى هذا الطعن و هو حديث الشورى فذكر قاضي القضاة أن الشورى مما طعن بها عليه و ادعى أنها كانت خطأ من أفعاله لأنها لا نص و لا اختيار أ لا تراه كيف قال في أول الطعن فخرج بها عن النص و الاختيار فنقول في الجواب لو كانت خطأ لما دخل علي ع فيها و لا رضي بها فدخوله فيها و رضاه بها دليل على أنها لم تكن خطأ و أين هذا من بيعة عثمان حتى يخلط أحد البابين بالآخر . فأما دعواه أن عمر عمل هذا الفعل حيلة ليصرف الأمر عن علي ع من حيث علم أن عبد الرحمن صهر عثمان و أن سعدا ابن عم عبد الرحمن فلا يخالفه فجعل

[ 277 ]

الصواب في الثلاثة الذين يكون فيهم عبد الرحمن فنقول في جوابه إن عمر لو فعل ذلك و قصده لكان أحمق الناس و أجهلهم لأنه من الجائز ألا يوافق سعد ابن عمه لعداوة تكون بينهما خصوصا من بني العم و يمكن أن يستميل علي ع سعدا إلى نفسه بطريق آمنة بنت وهب و بطريق حمزة بن عبد المطلب و بطريق الدين و الإسلام و عهد الرسول ص و من الجائز أن يعطف عبد الرحمن على علي ع لوجه من الوجوه و يعرض عن عثمان أو يبدو من عثمان في الأيام الثلاثة أمر يكرهه عبد الرحمن فيتركه و يميل إلى علي ع و من الجائز أن يموت عبد الرحمن في تلك الأيام أو يموت سعد أو يموت عثمان أو يقتل واحد منهم فيخلص الأمر لعلي ع و من الجائز أن يخالف أبو طلحة أمره له أن يعتمد على الفرقة التي فيها عبد الرحمن و لا يعمل بقوله و يميل إلى جهة علي ع فتبطل حيلته و تدبيره . ثم هب أن هذا كله قد أسقطناه من الذي أجبر عمر و أكرهه و قسره على إدخال علي ع في أهل الشورى و إن كان مراده كما زعم المرتضى صرف الأمر بالحيلة فقد كان يمكنه أن يجعل الشورى في خمسة و لا يذكر عليا ع فيهم أ تراه كان يخاف أحدا لو فعل ذلك و من الذي كان يجسر أن يراجعه في هذا أو غيره و حيث أدخله من الذي أجبره على أن يقول إن وليها ذلك لحملهم على المحجة البيضاء و حملهم على الصراط المستقيم و نحو ذلك من المدح قد كان قادرا ألا يقول ذلك و الكلام الغث البارد لا أحبه . فأما قوله إن عبد الرحمن فعل ما فعل من إخراج نفسه من الإمامة حيلة ليسلم الأمر إلى عثمان و يصرفه عن علي ع فكلام بعضه صحيح و بعضه غير صحيح أما الصحيح منه فميل عبد الرحمن إلى جهة عثمان و انحرافه عن علي ع قليلا

[ 278 ]

و ليس هذا بمخصوص بعبد الرحمن بل قريش قاطبة كانت منحرفة عنه . و أما الذي هو غير صحيح فقوله أنه أخرج نفسه منها لذلك فإن هذا عندي غير صحيح لأنه قد كان يمكنه ألا يخرج نفسه منها و يبلغ غرضه بأن يتجاوز هو و ابن عمه إلى عثمان و يدع عليا و طلحة و الزبير طائفة أخرى فيولي المسلمون الأمر الطائفة التي فيها عبد الرحمن بمقتضى نص عمر على ذلك ثم يعتمد عبد الرحمن بعد ذلك ما يشاء إن شاء وليها هو أو أحد الرجلين فأي حاجة كانت به إلى أن يخرج نفسه منها ليبلغ غرضا قد كان يمكنه الوصول إليه بدون ذلك . و أيضا فإن كان غرضه ذلك فإنه من رجال الدنيا قد كان لا محالة و لم يكن من رجال الآخرة و من هو من رجال الدنيا و محبيها كيف تسمح نفسه بترك الخلافة ليعطيها غيره و هلا واطأ سعدا ابن عمه و طلحة صديقه على أن يولياه الخلافة و قد قال عمر كونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن لا سيما و طلحة منحرف عن علي ع و عثمان لأنهما ابنا عبد مناف و كذلك سعد و عبد الرحمن منحرفان عنهما لذلك أيضا و لما اختصا به من صهر رسول الله ص و الصحيح أن عبد الرحمن أخرج نفسه منها لأنه استضعف نفسه عن تحمل أثقالها و كلفها و كره أن يدخل فيها فيقصر عن عمر و يراه الناس بعين النقص و لا يستطيع أن يقوم بما كان عمر يقوم به و كان عبد الرحمن غنيا موسرا كثير المال و شيخا قد ذهب عنه ترف الشباب فنفض عنها يده استغناء عنها و كراهية لخلل يدخل عليه إن وليها . و أما ميله عن علي ع فقد كان منه بعض ذلك و الطباع لا تملك و الحسد مستقر في نفوس البشر لا سيما إذا انضاف إليه ما يقتضي الازدياد في الأمور . فأما تنزيه المرتضى لعلي ع عن الفكاهة و الدعابة فحق و لقد كان

[ 279 ]

ع على قدم عظيمة من الوقار و الجد و السمت العظيم و الهدى الرصين و لكنه كان طلق الوجه سمح الأخلاق و عمر كان يريد مثله من ذوي الفظاظة و الخشونة لأن كل واحد يستحسن طبع نفسه و لا يستحسن طبع من يباينه في الخلق و الطبع و أنا أعجب من لفظة عمر إن كان قالها إن فيه بطالة و حاش لله أن يوصف علي ع بذلك و إنما يوصف به أهل الدعابة و اللهو و ما أظن عمر إن شاء الله قالها و أظنها زيدت في كلامه و إن الكلمة هاهنا لدالة على انحراف شديد . فأما قول أمير المؤمنين ع للعباس و لغيره ذهب الأمر منا إن عبد الرحمن لا يخالف ابن عمه فليس معناه أن عمر قصد ذلك و إنما معناه أن من سوء الاتفاق أن وقع الأمر هكذا و يوشك ألا يصل إلينا حيث قد اتفق فيه هذه النكتة . فأما قول قاضي القضاة إذا تقدمت للفاعل حالة تقتضي حسن الظن وجب أن يحمل فعله على ما يطابقها و اعتراض المرتضى عليه بقوله إن ذلك إنما يجب إذا كان الخير معلوما منه فيما تقدم لا مظنونا و متى كان مظنونا ثم وجدنا له فعلا يظن به القبيح لم يكن لنا أن نقضي بالسابق على اللاحق فنقول في جوابه أن الإنسان إذا كان مشهورا بالصلاح و الخير و تكرر منه فعل ذلك مدة طويلة ثم رأيناه قد وقعت منه حركة تنافي ذلك فيما بعد فإنه يجب علينا أن نحملها على ما يطابق أحواله الأولى ما وجدنا لها محملا لأن أحواله الأولى كثيرة و هذه حالة مفردة شاذة و إلحاق القليل بالكثير و حمله عليه أولى من نقض الكثير بالقليل و قد كانت أحوال عمر مدة عشرين سنة منتظمة في إصلاح الرعية و مناصحة الدين و هذا معلوم منه ضرورة أعني ظاهر أحواله فإذا وقعت عنه حالة واحدة و هي

[ 280 ]

قصة الشورى فيها شبهة ما وجب أن نتأولها ما وجدنا لها في الخير محملا و نلحقها بتلك الأحوال الكثيرة التي تكررت منه في الأزمان الطويلة و لا يجوز أن نضع اليد عليها و نقول هذه لا غيرها و نقبحها و نهجنها و نسد أبواب هذه التأويلات عنها ثم نحمل أفعاله الكثيرة المتقدمة كلها عليها في التقبيح و التهجين فهذا خلاف الواجب فقد بان صحة ما ذكره قاضي القضاة لأنه لا حاجة بنا في القضاء بالسابق على اللاحق إلا أن يكون خيره معلوما و علم علما يقينا فإن الظن الغالب كاف في هذا المقام على الوجه الذي ذكرناه . و أما قوله عن عمر أنه بلغ ما في نفسه من إيصال الأمر إلى من أراد و صرفه عمن أراد من غير شناعة بالتصريح و حتى لا يقال فيه ما قيل في أبي بكر أو يراجع في نصه كما روجع أبو بكر و لأي حال يتعسف أبعد الطريقين و غرضه يتم من أقربهما فقد قلنا في جوابه ما كفى و بينا أن عمر لو أراد ما ذكر لصرف الأمر عمن يريد صرفه عنه و نص على من يريد إيصال الأمر إليه و لم يبال بأحد فقد عرف الناس كلهم كيف كانت هيبته و سطوته و طاعة الرعية له حتى أن المسلمين أطاعوه أعظم من طاعتهم رسول الله ص في حياته و نفوذ أمره فيهم أعظم من نفوذ أمره ع فمن الذي كان يجسر أو يقدر أن يراجعه في نصه أو يراده أو يلفظ عنده أو غائبا عنه بكلمة تنافي مراده و أي شي‏ء ضر أبا بكر من مراجعة طلحة له حيث نص ليقول المرتضى خاف عمر من أن يراجع كما روجع أبو بكر و قد سمع الناس ما قال أبو بكر لطلحة لما راجعه فإنه أخزاه و جبهه حتى دخل في الأرض و قام من عنده و هو لا يهتدي إلى الطريق و أين كانت هيبة الناس لأبي بكر من هيبتهم لعمر فلقد كان أبو بكر و هو خليفة يهابه و هو رعية و سوقة بين يديه و كل أفاضل الصحابة كان يهابه و هو بعد لم يل الخلافة حتى أن الشيعة تقول إن النبي ص يهابه فمن

[ 281 ]

كانت هذه حاله و هو رعية و سوقة فكيف يكون و هو خليفة قد ملك مشارق الأرض و مغاربها و خطب له على مائة ألف منبر و لو أراد عمر أن يخطب بالخلافة لأبي هريرة لما خالفه أحد من الناس أبدا فكيف يقول المرتضى لما ذا يتعسف عمر أبعد الطريقين و غرضه يتم من أقربهما . و العجب منه كيف يقول خاف شناعة التصريح فمن لم يخف عندهم شناعة المخالفة لرسول الله ص و هو يعلم أن المسلمين يعلمون أنه مخالف لله تعالى و لرسوله قائم في مقام لم يجعله الله تعالى له كيف يخاف شناعة التصريح باسم عثمان لو كان يريد استخلافه إن هذا لأعجب من العجب