الطعن العاشر

قولهم إنه أبدع في الدين ما لا يجوز كالتراويح و ما عمله في الخراج الذي وضعه على السواد و في ترتيب الجزية و كل ذلك مخالف للقرآن و السنة لأنه تعالى جعل الغنيمة للغانمين و الخمس منها لأهل الخمس فخالف القرآن و كذلك السنة تنطق في الجزية أن على كل حالم دينارا فخالف في ذلك السنة و أن الجماعة لا تكون إلا في المكتوبات فخالف السنة . أجاب قاضي القضاة عن ذلك بأن قيام شهر رمضان قد روي عن النبي ص أنه عمله ثم تركه و إذا علم أن الترك ليس بنسخ صار سنة يجوز أن يعمل بها و إذا كان ما لأجله تركه من التنبيه بذلك على أنه ليس بفرض و من تخفيف التعبد

[ 282 ]

ليس بقائم في فعل عمر لم يمتنع أن يدوم عليه و إذا كان فيه الدعاء إلى الصلاة و التشدد في حفظ القرآن فما الذي يمنع أن يعمل به . فأما أمر الخراج فأصله السنة لأن النبي ص بين أن لمن يتولى الأمر ضربا من الاختيار في الغنيمة و لذلك فصل بين الرجال و الأموال فجعل الاختيار في الرجال إلى الإمام في القتل و الاسترقاق و المفاداة و فصل بينه و بين المال و إن كان الجميع غنيمة . ثم ذكر أن الغنيمة لم تضف إلى الغانمين إضافة الملك و إنما المراد أن لهم في ذلك من الاختصاص و الحق ما ليس لغيرهم فإذا عرض ما يقتضي تقديم أمر آخر جاز للإمام أن يفعله و رأى عمر في أمر السواد الاحتياط للإسلام بأن يقر في أيديهم على الخراج الذي وضعه و إن كان في الناس من يقول فعل ذلك برضا الغانمين و بأن عوض و يدل على صحة فعله إجماع الأمة و رضاهم به و لما أفضى الأمر إلى أمير المؤمنين ع تركه على جملته و لم يغيره . ثم ذكر في الجزية أن طريقها الاجتهاد فإن الخبر المروي في هذا الباب ليس بمقطوع به و لا معناه معلوم . اعترض المرتضى هذا الجواب فقال أما التراويح فلا شبهة أنها بدعة و

قد روي عن النبي ص أنه قال أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة و صلاة الضحى بدعة ألا فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان في النافلة و لا تصلوا صلاة الضحى فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة ألا و إن كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها في النار

[ 283 ]

و قد روي أن عمر خرج في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المسجد فقال ما هذا فقيل له إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع فقال بدعة فنعمت البدعة فاعترف كما ترى بأنها بدعة و

قد شهد الرسول ص أن كل بدعة ضلالة . و قد روي أن أمير المؤمنين ع لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماما يصلي بهم نافلة شهر رمضان زجرهم و عرفهم أن ذلك خلاف السنة فتركوه و اجتمعوا لأنفسهم و قدموا بعضهم فبعث إليهم ابنه الحسن ع فدخل عليهم المسجد و معه الدرة فلما رأوه تبادروا الأبواب و صاحوا وا عمراه . قال فأما ادعاؤه أن قيام شهر رمضان كان في أيام الرسول ص ثم تركه فمغالطة منه لأنا لا ننكر قيام شهر رمضان بالنوافل على سبيل الانفراد و إنما أنكرنا الاجتماع على ذلك فإن ادعى أن الرسول ص صلاها جماعة في أيامه فإنها مكابرة ما أقدم عليها أحد و لو كان كذلك ما قال عمر إنها بدعة و إن أراد غير ذلك فهو مما لا ينفعه لأن الذي أنكرناه غيره . قال و الذي ذكره من أن فيه التشدد في حفظ القرآن و المحافظة على الصلاة ليس بشي‏ء لأن الله تعالى و رسوله بذلك أعلم و لو كان كما قاله لكانا يسنان هذه الصلاة و يأمران بها و ليس لنا أن نبدع في الدين بما نظن أن فيه مصلحة لأنه لا خلاف في أن ذلك لا يسوغ و لا يحل . و أما أمر الخراج فهو خلاف لنص القرآن لأن الله تعالى جعل الغنيمة في وجوه مخصوصة فمن خالفها فقد أبدع و ليس للإمام و لا لغيره أن يجتهد فيخالف النص فبطل قوله أنه رأى من الاحتياط للإسلام أن يقر في أيديهم على الخراج لأن خلاف النص

[ 284 ]

لا يكون من الاحتياط و رسوله أعلم بالاحتياط منه و لو كان لرضا الغانمين عن ذلك أو عوضهم منه على ما ادعاه صاحب الكتاب لوجب أن يظهر ذلك و يعلم و ما عرفنا في ذلك شيئا و لا نقله الناقلون . و أما ما ادعاه من الإجماع فمعوله فيه على ترك النكير و قد تقدم الكلام عليه و تكرر و كذلك قد تقدم الكلام في وجه إقرار أمير المؤمنين ع ما أقره من أحكام القوم و ما ادعاه أن خبر الجزية غير معلوم و لا مقطوع به فهب أن ذلك مسلم على ما فيه أ ليس من مذهبه أن أخبار الآحاد في الشريعة يعمل بها و إن لم تكن معلومة فهلا عمل عمر بالخبر المروي في هذا الباب و عدل عن اجتهاده الذي أداه إلى مخالفة الله تعالى . أما كون صلاة التراويح بدعة و إطلاق عمر عليها هذا اللفظ فإن لفظ البدعة يطلق على مفهومين أحدهما ما خولف به الكتاب و السنة مثل صوم يوم النحر و أيام التشريق فإنه و إن كان صوما إلا أنه منهي عنه . و الثاني ما لم يرد فيه نص بل سكت عنه ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله ص فإن أريد بكون صلاة التراويح بدعة المفهوم الأول فلا نسلم أنها بدعة بهذا التفسير و الخبر الذي رواه المرتضى غير معروف و لا يمكنه أن يسنده إلى كتاب من كتب المحدثين و لو قدر على ذلك لأسنده و لعله من أخبار أصحابه من محدثي الإمامية و الأخباريين منهم و الألفاظ التي في آخر الحديث و هي

كل بدعة ضلالة و كل ضلالة

[ 285 ]

في النار مروية مشهورة و لكن على تفسير البدعة بالمفهوم الأول و قول عمر إنها لبدعة خبر مروي مشهور و لكن أراد به البدعة بالتفسير الثاني و الخبر الذي رواه أمير المؤمنين ع ينفرد هو و طائفته بنقله و المحدثون لا يعرفون ذلك و لا يثبتونه . فأما إنكاره أن تكون نافلة شهر رمضان صلاها رسول الله ص في جماعة فإنكار لست أرتضيه لمثله فإن كتب المحدثين مشحونة برواية ذلك و قد ذكره أحمد بن حنبل في مسنده غير مرة بعدة طرق و رواه الفقهاء ذكره الطحاوي في كتاب إختلاف الفقهاء و ذكره أبو الطيب الطبري الشافعي في شرحه كتاب المزني و قد ذكره المتأخرون أيضا ذكره الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين و قال إن رسول الله ص صلى التراويح في شهر رمضان في جماعة ليلتين أو ثلاثا ثم ترك و قال أخاف أن يوجب عليكم و أجاز لي الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي بروايته عن شيخه محمد بن ناصر عن شيوخه و رجاله أن رسول الله ص صلى نافلة شهر رمضان في جماعة يأتمون به ليالي ثم لم يخرج و قام في بيته و صلى الناس فرادى بقية أيامه و أيام أبي بكر و صدرا من خلافة عمر فخرج عمر ليلة فرأى الناس أوزاعا يصلون في المسجد فقال لو جمعتهم على إمام فأمر أبي بن كعب أن يصلي بهم فصلى بهم تلك الليلة ثم خرج فرآهم مجتمعين إلى أبي بن كعب يصلي بهم فقال بدعة و نعمة البدعة أما إنها لفضل و التي ينامون عنها أفضل . قال يعني قيام آخر الليل فإنه أفضل من قيام أوله . و أما قول قاضي القضاة أن في التراويح فائدة و هي التشدد في حفظ القرآن و الدعاء إلى الصلاة و اعتراض المرتضى إياه بقوله الله أعلم بالمصلحة و ليس لنا أن نسن ما لم يسنه

[ 286 ]

الله و رسوله فإنه يقال له أ ليس يجوز للإنسان أن يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة و أعداد ركعات مخصوصة و لا يكون ذلك مكروها و لا حراما نحو أن يصلي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة و يقرأ في كل ركعة منها سورة من قصار المفصل أ فيقول أحد إن هذا بدعة لأنه لم يرد فيه نص و لا سبق إليه المسلمون من قبل فإن قال هذا يسوغ فإنه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة النافلة قيل له و التراويح جائزة و مسنونة لأنها داخلة تحت عموم ما ورد في فضل صلاة الجماعة . فإن قال كيف تكون نافلة و هي جماعة قيل له قد رأينا كثيرا من النوافل تصلى جماعة نحو صلاة العيد و صلاة الكسوف و صلاة الاستسقاء و صلاة الجنازة إذا لم يتعين للمصلي بأن يقوم غيره مقامه فيها . فأما ما أشار إليه قاضي القضاة من التشدد في حفظ القرآن فهو أنه روي أن عمر أتي بسارق فأمر بقطعه فقال لم أعلم أن الله أوجب القطع في السرقة و لو علمت لم أسرق فأحلفه على ذلك و سن التراويح جماعة ليتكرر سماع القرآن على أسماع المسلمين . و قد اختلف الفقهاء أيما أفضل في نافلة شهر رمضان الاجتماع عليها أم صلاتها فرادى فقال قوم الجماعة أفضل لأن الاجتماع بركة و له فضيلة و لو لا فضيلته لم يسن في المكتوبة و لأنه ربما يكسل في الانفراد و ينشط عند مشاهدة الجمع . و قال قوم الانفراد أفضل لأنها سنة ليست من الشعائر كالعيدين فإلحاقها بتحية المسجد أولى و قد جرت العادة بأن يدخل المسجد جمع معا ثم لم يصلوا التحية بالجماعة . و روى القائلون بهذا القول

عن النبي ص أنه قال فضل صلاة المتطوع في بيته على صلاة المتطوع في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في البيت

[ 287 ]

و

قد روي عنه ع أن أفضل النوافل ركعتان يصليهما المسلم في زاوية بيته لا يعلمهما إلا الله وحده . قالوا و لأنها إذا صليت فرادى كانت الصلاة أبعد من الرياء و التصنع و بالجملة الاختلاف في أيهما أفضل فأما تحريم الصلاة و لزوم الإثم بفعلها فمما لم يذهب إليه إلا الإمامية و قد روى الرواة أن عليا ع خرج ليلا في شهر رمضان في خلافة عثمان بن عفان فرأى المصابيح في المساجد و المسلمون يصلون التراويح فقال نور الله قبر عمر كما نور مساجدنا و الشيعة يروون هذا الخبر و لكن بحمل اللفظ على معنى آخر . فأما حديث الخراج فقد ذكره أرباب علم الخراج و الكتاب و ذكره الفقهاء أيضا في كتبهم و ذكره أرباب السيرة و أصحاب التاريخ قال قدامة بن جعفر في كتاب الخراج اختلف الفقهاء في أرض العنوة فقال بعضهم تخمس ثم تقسم أربعة أخماس على الذين افتتحوها و قال بعضهم ذلك إلى الإمام إن رأى أن يجعلها غنيمة ليخمسها و يقسم الباقي كما فعل رسول الله ص بخيبر فذلك إليه و إن رأى أن يجعلها فيئا فلا يخمسها و لا يقسمها بل تكون موقوفة على سائر المسلمين كما فعل عمر بأرض السواد و أرض مصر و غيرهما مما افتتحه عنوة فعلى الوجهين جميعا فيهما قدوة و متبع لأن النبي ص قسم خيبر و صيرها غنيمة و أشار الزبير بن العوام على عمر في مصر و بلاد الشام بمثل ذلك و هو مذهب مالك بن أنس و جعل عمر السواد و غيره فيئا موقوفا على المسلمين من كان منهم حاضرا في وقته و من أتى بعده و لم يقسمه و هو رأي رآه علي بن أبي طالب ع و معاذ بن جبل و أشارا عليه و به كان يأخذ سفيان بن سعيد و ذلك رأي من جعل الخيار إلى الإمام في تصيير أرض العنوة غنيمة أو فيئا راجعا للمسلمين في كل سنة .

[ 288 ]

قال قدامة رحمه الله فأما ما فعله رسول الله ص من تصييره خيبر غنيمة فإنه ع اتبع فيه آية محكمة و هي قوله تعالى وَ اِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ وَ اَلْيَتامى‏ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فهذه آية الغنيمة و هي لأهلها دون الناس و بها عمل رسول الله ص و أما الآية التي عمل بها عمر و ذهب إليها علي ع و معاذ بن جبل فيما أشارا عليه به فهي قوله تعالى ما أَفاءَ اَللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ وَ اَلْيَتامى‏ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ إلى قوله لِلْفُقَراءِ اَلْمُهاجِرِينَ وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ اَلَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ انتهت ألفاظ قدامة . و روى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن عمر هم أن يقسم أرض السواد بين الغانمين كما يقسم الغنائم ثم قال فكيف بالآجام و مناقع المياه و الغياض و الهضب المرتفع و الغائط المنخفض و كيف يصنع هؤلاء بالماء و قسمته بينهم أخاف أن يضرب بعضهم وجوه بعض ثم جمع الغانمين فقال لهم ذلك فرضوا أن تقر الأرض حبيسا لهم يولونها من تراضوا عليه ثم يقتسمون غلتها كل عام فقال عمر اللهم إني قد اجتهدت و قد قضيت ما علي اللهم إني أشهدك عليهم فاشهد . فأما قول قاضي القضاة إن النبي ص جعل لمتولي أمر الأمة ضربا من الاختيار في الغنيمة و ما ذكره من الفرق بين الرجال و الأموال و ما ذكره من أن الغانمين ليسوا مالكي الغنيمة ملكا صريحا و إنما هو ضرب من الاختصاص فكله جيد لا كلام عليه و لم يعترضه المرتضى بشي‏ء و لا تعرض له . و أما قول قاضي القضاة إنه روي أن عمر فعل ما فعل برضا الغانمين و بأن عوضهم

[ 289 ]

عنه و إنكار المرتضى وقوع ذلك و قوله أنه لم ينقل فقد بينا أن الطبري ذكر في تاريخه أن عمر فعل ذلك برضا الغانمين و بعد أن جمعهم و قال لهم ما استصلحه و ما أدى إليه اجتهاده فرضوا به و أشهدوا الله عليهم و الحاضرين . و قد ذكر كثير من الفقهاء أن عمر عوض الغانمين عن أرض السواد و وقفه على مصالح المسلمين و هذا ما رواه الشافعي و ذكر حديث التعريض أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي في كتاب الحاوي في الفقه و ذكره أيضا أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري في شرح المزني . و أما تعلق قاضي القضاة بإجماع المسلمين فتعلق صحيح و طعن المرتضى فيه بالتقية و موافقة الإمام المعصوم على الباطل طعن يسمج التعلق به و للبحث فيه سبح طويل . و أما أمر الجزية فطريقه الاجتهاد و للإمام أن يرى فيه رأيه بمشاورة الصلحاء و الفقهاء و قد قال قاضي القضاة إن الخبر الذي ذكره المرتضى و ذكر أنه مرفوع و هو

على كل حالم دينار خبر مظنون غير معلوم و اعتراض المرتضى عليه بقوله هب أن الأمر كذلك أ لستم تزعمون أن خبر الواحد معمول عليه في الفروع فهلا عمل عمر بهذا الخبر و إن كان خبر واحد اعتراض ليس بلازم لأنه إذا كان خبر واحد عندنا لم يلزم أن يكون أيضا خبر واحد عند عمر بل من الجائز أن يكون مفتعلا بعد وفاة عمر و لو كان قد ثبت أن عمر سمع هذا الخبر من واحد أو اثنين من الصحابة ثم لم يعمل به كان الاعتراض لازما و لكن ذلك مما لم يثبت